يا أهلاً بالمعارك .. وداعاً للاشتغالات

محمد ثابت توفيق

الأحد, 30 أكتوبر 2011 14:03
بقلم: محمد ثابت توفيق

أحد الزملاء الصحفيين في جريدة، كانت ولا تزال تدعي الليبرالية كان يعمل، ويبدو أن رئيس التحرير، هل من داع لأن نقول إنه أكل على كل الموائد أم إن المسامح كريم،

لاعلينا منه أفضل، الأخير لاحظ إن الجريدة المكتظة بالحكايات والقصص الدرامية الموزونة للأمانة، ليس فيها ما يستحق التوقف امامه من ناحية القيل والقال والأخذ والرد على المدى البعيد، ولما كنت شاهداً على وقائع القصة التي جرت منذ قرابة عشر سنوات فقد رأيت ما أسررته في قلبي، ولسان الحال يصرخ قلنا لكم تلك اشتغالات فطردنا من عملنا ولا زلنا في التيه، المهم الرجل لاحظ إنه في مجال السياسة لن يستطيع النطق بقضية فيها أخذ وجذب ورد من أكثر من طرف، والجريدة في النهاية تتبع الدولة المباركية، ولا أدري من تتبع اليوم؟ وفي الثقافة الموضوع شرحه، وفي الرياضة الجريدة غير رياضية، وهنا هداه تفكيره للفن هو الوحيد المناسب لساحة المعارك، ومن هنا رفع سماعة التليفون للجميل سكرتير التحرير وقال له على السيد المحرر الفني أن يبتدع لنا معركة فيها سجال حاد ونافذ وأخذ ورد وعوضاً عن الصفحات الداخلية فالصفحة الأولى بعناوينها الرئيسية مفتوحة، وكان صديقنا المحرر الفني جديداً على الصفحات وأراد أن يثبت نفسه، وهو يعرف إن غيره انتقد فناناً كبيراً محسوباً على الرؤساء السابقين لسابقة تجسيده لإثنين منهم على التحديد، إذ الثالث رحمه الله بتر حقه، فما كان من الفنان إلا أن اقتحم الأبواب وقال وعاد، رحمه الله تعالى، وبعد طول تيه اهتدى الزميل المحرر لقصة بدت لديه مناسبة وأكثر، وأحلى ما فيها  إن الطرف الثاني منها لن يستطيع الرد المؤثر، وإن فعل فإن الحراك الثقافي، أو ما يسمى بذلك، سيتكفل بالرد معه على الطرف الآخر، اختار صاحبنا فنانة كانت ملء السمع والبصر بل الفؤاد، وكانت أول من ابتدع مسرحيات التوك شو إذ نصبت من مسرحية لها رصيفاً يومياً لانتقاد الأحوال في مصر، وذلك برضا بل مباركة النظام، الذي أسأل الله أن يجئ اليوم القريب الذي يبدو فيه سابقاً بحق وحقيق، المهم تابت الفنانة

وصارت معتزلة، ويبدو إنها عانت من أزمة مالية فوافقت على المشاركة في حملة دعائية لإحدى شركات الغسالات، وهنا ثار صاحبنا فقال في مقاله إن عادل إمام أخبره إن تلك الفنانة بالتحديد هي من يخاف الوقوف أمامها على خشبة المسرح، وكان الحوار فيما الأخير عائد من مهمة عرض الواد سيد الشغال في أسيوط في إحدى الاشتغالات الفاسدة لجهاز أمن الدولة، وقال المحرر حينها من يخاف منها الزعيم ينتهي بها المطاف بائعة لغسالات، وسأل عن موقف الدين من فتيات الإعلانات، والسيدة كانت تقترب من شاطئ الستينيات من العمر.                                                                         
                                                                                                             
أما الأغرب فهو عند تسليمه المقال إذ قال للسيد سكرتير التحرير:                                               
ـ وبنشر المقال تبدأ المعركة ويا أهلاً بالمعارك ويا بخت مين يشارك؟                                           
    المعركة الحقيقة، أعزنا الله وإياكم من الاشتغالات وأصحابها، هي خلاف في رأي أو موقف واضح ما بين فريقين أو أكثر باعتبار الذين يقفون بين فريق أيضاً، والأصل في تلك المعارك الوضوح التام والاستعداد لدفع الثمن نظير كل كلمة، عرفنا تلك المعارك أدبية ما بين طه حسين والعقاد، والرافعي والعقاد، وطه حسين والرافعي، أيضاً إذ أن أجواء الحرية التي لم تكن قصوى آنذاك فصارت كذلك بمفهوم اليوم لكثرة الكبت والقهر، كانت تسمح بالتعبير عن مختلف الآراء، ومعارضة من يشاء لمن يشاء طالما يمتلك شجاعة أدبية وحجة تبدو على الأقل لصاحبها منطقية، وكانت مصر بصحفها بل مجلاتها وصحف ومجلات الوطن العربي رائدة في نشر تلك المعارك، وما الاختلاف السياسي ببعيد عن هذا الأمر في زمن الملك فاروق، ولم يكن ملاكاً ولكنه لزمرة ما عرف إعلامياً بالضباط الاحرار كان أكثر، فخلافه مع الراحل النحاس باشا، وخلاف الأخير مع الراحل مكرم عبيد، لم ينقص من قدر أحدهم، ولم يكلف الآخر اغتيال الأول لا مادياً ولا معنوياً، لا بقطع وريد
الحياة ولا بقطع وريد الرزق، أو تأجيله، مع التسليم بأنهما لا يقطعهما إلا الله تعالى، ثم جاءت أزمنة على مصر صار القهر يتغلغل في حياة العرب منها، وإلا فكم قطعت أيدى وأرجل وأرزاق لمجرد الخلاف في الرأي لا نشره، وكم دفنت أعناق في مكان استاد القاهرة، وفي ساحات السجون بحجج واهية، والعدد كبير جداً جداً إن رحنا ندلل، فرحمة الله على الجميع.                                                                                                                      
      وما أثمرت هذه الفترة إلا الاشتغالات فلا بد للناس من شئ يشغلها عن السياسة والحكم والقرار الذي يتخذ في أمريكا فيما حكامنا يلعنون سنسفيل من أنجبوها، يروى أن الراحل القذافي كان يخطب فاغتاظ من أمريكا غيظاً لم تنفع معه الكلمات ولم يشفع له الأدب ولا الذوق أو الاحترام، فما كان منه إلا أن سب الدين لها، ويقال إنه عدل في آخر حياته وتاب عمن قتل فلماذا لم يعلن ذلك مثلما أتحفنا بفيض السباب، ومن الاشتغالات تلك ما قتل من أجل أن يسبك الأمر أو يخيل على الجميع، فهذا مسجون فار وسفاح يخشى منه على الأمن العام، وذلك إرهابي مصاص للدماء، وتلك ممثلة تجردت من ملابسها في فيلم لن يعرض كاملاً إلا في أسابيعه الأولى قبل أن يراه الرقيب وفي دور عرض وسط البلد فقط، وذلك رجل باحث عن الأضواء استطاع التقاط نغمة تائهة لعلاقة مريبة ما بين رياضي سابق سياسي حالى وفتاة، وهلم جراً، وإذا ما كانت حالة مصر قبل 1967 م حاول نظاما عبد الناصر والسادات معه شغل الشباب بموجة من الأفلام الإباحية عرفتها مصر مرة ثانية قبل رحيل مبارك المعلن عنها، والعقبى للرحيل السري الحقيقي له ولنظامه، فإن هذا يكشف حجم الدور الذي قام به الإعلام لصرف الناس عن قضاياها الرئيسية بالفتات من المواقف، والهنات من الأخبار، وما رحيل صاحب جريدة صفراء منذ سنوات إثر نشره لصور هزت المجتمع المصري كله وارتأى نظام مبارك إنه يحجم به طائفة من الشعب المصري العظيم الصابر عنا ببعيد.                                                                                                          
      الخلاصة هذه الاشتغالات تعود من جديد والبعض يحسبها علينا معارك فيدمدم بها، والبعض الآخر يطرب لها، نريد لبلادنا حرية جديدة غير منقوصة تذهب بزمن الاشتغالات وحروب الفنانين واللاعبين والقرويين من السياسيين المنتمين للدرجة العشرين نتمنى عودة لعصر القضايا الحقيقية لا قتل الناس لصرف الشعوب عن حقيقة مآسيها، ولا أنسى أن أخبركم إن الفنانة الكبيرة، التي ذكرنا طرفاً من سيرتها في البداية، لما نشر المحرر الشاب في الجريدة السالفة الإشارة المقالة ضدها مفتتحاً زمن المعارك الوهمية الذي اعتاده كبير الجريدة، تلك الفنانة لم تفعل شيئاً سوى إنها لم ترد، على الأقل حتى اليوم.