محمد الدويك يكتب: سفر المرأة بلا محرم

محمد الدويك

الأحد, 01 ديسمبر 2013 10:58

اتجوزت شهر تسعة اللي فات. واتطلقت بعدها بشهرين. جوزي طلقني عشان كلت الجبنة.

والمصحف ما بهزر.. تضحك بأسى.. جه يتعشى اكتشف اني خلصت ربع كيلو الجبنة اللي جابه من تلات تيام.. بيقولي انتي بقيتي تاكلي زي الجاموسة.. انا حامل وبتوحم على الجبنة.. كنت بشتغل وتركت الشغل أول ما عرفت اني حامل. وهو اللي عايزني انزل الشغل عشان اساعد في مصاريف البيت. وارجع اخدمه. واخدم امه. أمه عايزاني انفض سجاجيد البيت. قولتلها انا حامل ودا خطر على البيبي. قالتلي اولعي انتي واللي في بطنك.

ودي النتيجة. عندي 27 سنة. مطلقة. حامل. بلا عمل.

انا ضد عمل المرأة. آسفة لو شوفتني متخلفة. انا ضد كل الهري بتاع حقوق المرأة وشايفاه كلام فاضي بتقوله ستات عندها وقت فراغ. وعندها عربية مكيفة ومكتب ultra modern وشغالتين.. الشغل في بلدنا لا يرحم ويستنزف كل الوقت. وبنتحول بعد فترة إلى آلات غير آدمية. مواصلات مقرفة. ومدير بيتحرش بالموظفات. يا عم الستات مبقتش لاقية وقت تعمل حواجبها أو تستحمى. مفيش أجمل من اني ألاقي الأمان والمحبة في بيتي مع جوزي و أولادي. أشتغل خدامة تحت رجل عيالي بس ألاقي احترام ورعاية ومعاملة حلوة. وآكل جبنة براحتي من غير ما أخاف.

بحب أصحى بدري أعمل نسكافيه وأقعد في البلكونة أقرأ رواية الطنطورية لرضوى عاشور. واسمع منير. واعمل شغل بيتي بعد الضهر بمزاج. وبالليل انزل المرسم اتعلم رسم. على فكرة نجاح البيت في أيام سودا زي اللي عايشنها دي أمر مش سهل. وانجاز كبير. لو البيوت رجعت زي زمان تعلم الولاد الحب والحنان والأخلاق الكريمة في حاجات كتير هتتغير. بلدنا ممكن تبقى أحسن.

عارفة ان 37% من الأسر المصرية تنفق عليها امرأة. عارفة ان الظروف الاقتصادية تحتم على الرجل والست يشتغلوا عشان يوفروا حد أدنى للحياة العادية. أو أقل من العادية. وعارفة ان الرجالة ملهاش أمان ومش هينفعني غير شغلي. وهنا تكتشف ان عمل المرأة مش حق بيحررها ويعطيها المساواة. بل عبئ انتجه المجتمع المختل الذي تراجعت فيها الرجولة والأمان الإنساني.

جايلي شغل في السعودية، بس بيشترطوا يكون معايا زوج.. حرام عليهم كفاية اللي فينا.. هو فعلا يا محمد، شرعا، مينفعش الست تسافر من غير زوجها.؟

*
في حديث للرسول يقول ذلك صراحة:
لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم.. (البخاري ومسلم)

لكن هذا الحديث في بيئة صحراوية بدائية لا تعرف الأمان. بلا طرقات ممهدة أو كهرباء أو شرطة أو حماية من الدولة. لم تكن هناك دورات مياة في البيوت. كانت المرأة تقضي حاجتها في الصحراء. خلاء. وكانت تحتاج إلى رجل واحد على الأقل يحميها. وسط ظلام الليل وظلمات النفوس. كان الحديث لحماية المرأة في الأساس. حق يسهل لها حياتها. وليس تكبيلا وعائقا أمامها. الآن اختلف الأمر واستطاعت المرأة الحصول على كافة الخدمات والتنقل والسفر بأمان كامل. فليس من الدين في شيء استخدام الحديث لوضع قيد لا حاجة له سوى المضايقة.

وهنا تجدي حديث آخر عند البخاري في علامات النبوة. قال رسول الله:
يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تقدم البيت-الكعبة- لا زوج معها.

الظغينة: المرأة المسافرة على جمل داخل هودج.. والرسول يقول أنه من علامات اكتمال هذا الدين أن يتحصل الأمان لكافة تابعيه فلا يخشون من المجاهرة به والانتقال والسفر دون ملاحقة.. حتى أن المرأة تسافر من بلد إلى بلد. فلا تحتاج إلى زوج يحميها.

وأن نساء النبي كن يذهبن للحج بعد وفاته في خلافة عمر دون محرم.. واستدل به على جواز سفر المرأة دون ولي طالما في رفقة آمنة.. (ابن حجر- فتح الباري)

وهنا نفهم أن وظيفة الزوج. أو المحرم عموما. هي الحماية. ولو توفرت الحماية انتفت الحاجة له. أي أن هذه حقوق للمرأة وليس تكاليف وأعباء عليها.. للأسف حولنا نصوص الدين إلى مشانق تحيط الرقاب والنفوس.

الشافعي كان يرى أن الطريق المأهول الآمن مع رفقة من النساء يجيز للمرأة السفر دون محرم من الرجال. (كتاب الأم- الجزء الثاني ص 117)

تغير طبيعة الحياة يؤدي إلى تغير الأحكام الدينية. حتى لو كان لدينا نصوص من حياة الرسول.

*
مثلا، الرسول في الغنائم المتحصلة من خيبر. وزعها على المسلمين المقاتلين معه في الحرب. نظرا للتقشف الذي كانوا فيه. بعد سنين غير طويلة في عهد عمر بعد أن فتح العراق، خالف فعل الرسول ولم يوزع الأرض على الفاتحين.. وفرض عليها ضريبة كعائد سنوي فيتحقق النفع للجميع. ملكية الأرض لأصحابها الأصليين. وضريبة يدفعوها للدولة الحاكمة.

وفي ذلك قال ابن قدامة، الفقيه الحنبلي، في كتاب المغني. أن تغير الظروف أوجب تغير الحكم. ففي عهد الرسول كان الأوجب / الأصلح. توزيع الارض. ولما تغيرت الظروف صار الواجب هو عدم توزيعها. حتى لو خالف هذا سنة الرسول شكلا مع الاتفاق في المصلحة والمضمون.

لذلك فكثير من أوامر الرسول اقرب أن تكون إلى أوامر تنظيمية تستهدف المصلحة العامة التي يرتئيها وفقا لمنصبه كحاكم ينظم شئون المدينة. وهي شيء أشبه باللوائح الإدارية التي تصدرها الحكومة أو الأعمال التشريعية التي يصدرها البرلمان أو مشاريع القوانين التي يختص بها رئيس الجمهورية.

*
في الحديبية صالح الرسول اهل مكة عشر سنين بلا حرب، وكان من الشروط عودة الرسول والصحابة دون أن يدخلوها هذا العام للعمرة.. وغضب الصحابة غضبا شديدا لأنهم منعوا ظلما زيارة البيت الحرام. شعروا بالهزيمة. وخيبة الأمل. والدم يغلي في عروقهم يريدون القتال.. فأمرهم الرسول بالذبح والحلق والعودة.. فلم يقم منهم أحد..

تخيلي لم يسمعوا كلام الرسول. كل الصحابة لما هم فيه من غضب. وكرر الرسول الكلام ثلاث مرات ولا أحد يستجيب. ولم يفعل الرسول شيء. تقديرا لمشاعرهم. ودخل على زوجته "أم سلمة" يحكي لها همومه. فهو يقدم الصلح على الحرب. والهدنة على القتال. ورجاله المظلومين يريدون الدخول عنوة والتطواف بالبيت العتيق.

قالت له. تلك المرأة الذكية المستنيرة. اخرج ولا تكلم منهم أحد واذبح بدنك وادعو الحلاق يحلق لك.. وخرج الرسول وسمع كلامها ونفذه فعليا. فكان هذا هو الحل الذي شجع الصحابة على تقليد الرسول وانهاء "الاعتصام" أو ربما "العصيان"..

الرسول لم يطلب من ربه حلا سماويا. لكنه طلبه من زوجته.. واشارت له براي يتدخل في صلب العمل السياسي والديني. وتكون على صواب.

فما بالك لو كانت قد طلبت منه ربع كيلو جبنة!