رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد الدويك يكتب: إحياء الموتى

محمد الدويك

الثلاثاء, 12 نوفمبر 2013 12:54
بقلم :محمد الدويك

عزيزتي ريم..
لا جديد سوى أني اشتريت فنجان قهوة أكثر اتساعا ليستوعب احتياجي اليومي.. القهوة الأمريكية (النسكافية)  سريعة التحضير، جيدة، لكنها لن تساوي مثيلتها العربية ذات الرائحة القوية والتي تحتاج الى الوقت والصبر والنار الهادئة لتنضج. تماما مثل الأفكار الكبيرة.

أعرف أنك لا تتابعي الأخبار وأنك تطالبيني أن أحكيها لك على طريقتي..
وها هي..

(1)
الأمريكي جيمس روثمان يحصل على نوبل في الطب عن بحوثه حول نقل الجزيئات داخل خلايا البنكرياس، ما يساعد في فهم مرض السكري والسيطرة عليه.

اختطاف رئيس الوزراء في ليبيا ثم الافراج عنه من قبل جماعات مسلحة. ليبيا تعيش مرحلة اللادولة. ميليشيات قبلية مسلحة. واختراق ارهابي. وفوضى عارمة من سرقة وقتل.. لكن النفط يتدفق بسلام إلى أوروبا. ملحوظة صغيرة، ليبيا 100% مسلمون. وعدد سكانها قليل جدا 5 مليون. ومساحة أرض شاسعة تكاد تصل إلى ضعف مصر. وموارد نفطية مهولة. ما يؤهلها لدولة عصرية من الطراز الأول.. لكن النفوس الفقيرة لا تصنع الحضارة.

المارشال فيليب بيتان، رئيس فرنسا أثناء هزيمتها واحتلالها في الحرب العالمية الثانية، أرجع السبب إلى تحلل وفساد الفرنسيين.. وأنه قد غزاهم الكسل والعهر والتسيب وارتياد الحانات قبل أن يغزوهم الألمان.. الشعوب المحبطة لن تحصد سوى الهزائم.. لذلك عملوا على تثقيف وتهذيب شعوبهم. بالعلم والفن والقيم الدينية المتسامحة.

يقول الله، (يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)..

الله يجعل تعاليمه سببا في الحياة وليس الموت.. وتطبيق تلك التعاليم يهدف إلى حفظ الحياة وليس إلى تضييعها والاعتداء عليها. وأن كل ما يحيي الناس يصير استجابة لما يدعو له الله والرسول. حتى أنه عندما شرع القصاص، جعله حفاظا على حياة الناس. فيكون عبرة للجميع كي يكفوا أيديهم عن إزهاق الأرواح. (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).

لذلك، يكون الأمريكي الذي يقوم على البحوث الطبية  أقرب إلى روح الدين من "أبو أنس الليبي" وكل رجال القاعدة والقبائل المسلحة في ليبيا.

في الاعتصام الشهير، وقف طفل صغير يرتدي كفنا ويردد دون وعي:
اسمي حمزة.. مشروع شهيد.

تلك العقيدة رسخها من قبل علي شريعتي في كتابه سوسيولجي الإسلام، ليعلي من شأن الكفاح حتى الموت.. لكني هنا أرفع شعار الكفاح حتى الحياة.

علي شريعتي تأثر بفرويد في كتابه عن بؤس الحضارة، عندما قال أن

الإنسان يجب أن يرتد بذاكرته إلى ماض سحيق. إلى ما قبل نشوء الحياة، حيث الجماد أو الموت، ليتولد لديه مصطلح "غريزة الموت".. وهو ما سبقه إليه شوبنهاور عندما قال أن الهدف من الحياة هو الموت. لكن فرويد تميز بأنه اهتم بالغريزة الجنسية كدافع مهم للحياة. وبذلك وضع مقابلة بين غريزة الموت وغريزة الحياة يتصارعان في تناقض دائم.

روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد، أن الرسول قال إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة – نخلة صغيرة – فليغرسها.. رغم عدم جدوى زرعها إلا أنه يؤكد على مواجهة الموت بالحياة والدمار بزرع أمل جديد. وأن هدف الإنسان هو غرس الحياة فوق جبهة الموت.

(2)
مشكلة النقاب في لندن تظهر من جديد.. البعض يقول أنها حرية شخصية لممارسة العقيدة. البعض يقول أنها تصادم تقاليد المجتمع وتضر بأمنه. البعض يجد رفضا في كل مظاهر التطرف التي تنتمي للإسلام إثر الحادث الأخير لمقتل جندي بريطاني.

أقرأ في القرآن (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما )،

الآية تتحدث عن فصال الطفل الرضيع. أي فطامه. لاحظي أن الله يتحدث للأب والأم حول القرار الأسري الذي يعود للتشاور بينهما. والرضا. فلا يستقل أحدهما بالأمر ولا يمارس الرجل سطوة أو إجبار لانفاذ رأيه. أدق الكلمات وأكثرها إنصافا ورقيا . المشاورة والتراضي . هما أصل الحياة بين رجل وامرأة.. تذكري.. القرآن جعل لك إرادة ووجهة نظر وشخصية معنوية يتم التواصل معها عبر الحوار والعقل والاحترام. وسط بيئة انسانية كانت تعامل المرأة كسلعة.. ولازالت.

هل تحفظ المنقبات في لندن هذه الآية.. هل يحفظها الرجال.. هل يدركها الاوربيون الذين يرون أن الإسلام نقابا أسود يقمع المرأة.. أظنها قضية تحتاج لنضال أهم من النقاب.. فهل يضعوها ضمن أولويات الإسلام وشعارا له وعاملا مهما لبناء النفوس والمجتمعات !

(3)
خبر قديم مر عليه أكثر من اربعين سنة. لكني نسيت أن أخبرك به.. الاستخبارات الأمريكية

ضالعة في الانقلاب السوري الذي أنهى الوحدة بين مصر وسوريا.. أمريكا تتدخل لتفتيت أي كيان يحقق مصالح وطنية بعيدا عن وصايتها.. ليس غريبا على أمريكا فهي لا تكف عن ممارسة البلطجة..

في 2012 تدخلت في البارجواي لتنفيذ انقلاب ضد الرئيس.. وفي 2009 تدخلت في الهندوراس لتنفيذ انقلاب ضد سلطة اتهمتها بالجنوح إلى اليسار.. أمريكا لا تحترم سيادة أحد ولا تؤمن بأي مبادئ سوى القوة والمصالح.. أيضا تم افتضاح تدخلها لصنع انقلاب في كاركاس "فنزويلا" عام 2002 بعد فشل الانقلاب.

ثم الفضيحة الأخيرة منذ شهور عندما تعرض سلاح الجو الأمريكي لطائرة رئيس بوليفيا أثناء عودته إلى لاباز، من موسكو مرورا بباريس، لموقفه من مقاومة الضغوط الأمريكية حول تحديد المساحات المزروعة لنبات الكوكا.

في السياق نفسه تعمل أمريكا على تطوير أكبر مشروع تسليح جوي في تاريخها بصناعة الطائرة f35 والتي تقوم عليها شركة لوكهيد مارتن.. لا أدري لماذا هذا الولع الأميركي بصناعة الحرب.. رغم أنها جغرافيا دولة آمنة يصعب غزوها حيث يحاوطها الأطلسي والهادي من جهتين فيما يمثل موانع طبيعية.

(4)
هوس نجوم هوليود لشراء السيارات المصفحة المقاومة للرصاص الكبير. مطرب الراب كاين ويست يشتري سيارتين مصفحتين من طراز "إيرن دايموند"، قيمة الواحدة 2 مليون دولار.. من الممكن أن يعيش هذا المطرب ويموت دون أن يقذفه أحد بزجاجة ماء فارغة.. لكن مليارات الدولارات تنفق حول رفاهية لا حاجة لها.

في الإسلام تجدي توازنا بين، (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، حتى يؤكد على أن الأصل في الحياة الزينة والرزق والنعم، وأن دائرة الحلال واسعة رحبة و دائرة التحريم ضيقة محدودة.. ما يجعل حياة الناس تلقائية سهلة غير مليئة بالمخاوف والكهنوت.

وإلى جوار ذلك تجديه في عشرات الآيات يحث على الزهد والترفع وعدم التحرك المحموم خلف اللذة والافراط في المتعة، فيذكرك بأن الحياة الدنيا (لعب ولهو وزينة وتفاخر) أيضا (وما عند الله خير وأبقى) ويحذرنا أن نكون من الذين (غرتهم الحياة الدنيا)..

هذا الفراغ الروحي لن يملأه إلا الدين. وهذا التنازل الاختياري عن الإفراط في الملذات لن تجدي دافعا أقوى من الإيمان بالله. وأثره على الحياة يكون مبهرا..مئات المليارات من النفقات الرفاهية على الدروع المقاومة للرصاص، من الممكن أن تصب في صالح تطوير البحوث الزراعية والطبية، ومساعدة الفقراء، والتقليل من الاحتباس الحراري وتغير المناخ، والتصحر.

لا تزال كلمة بلزاك حاضرة: خلف كل ثروة كبيرة تكمن جريمة كبيرة.

(5)
في الأخير، لن ننسى جرائمهم في حقنا عزيزتي.. لن ننسى أن بريطانيا عندما كانت تحتل الشرق عينت على أرض فلسطين مندوبا ساميا صهيوني الهوى، هربت صامويل، عام 1922 ليشرف على عمليات هجرة وتوطين اليهود في أرض فلسطين تمهيدا لأكبر جريمة سرقة في تاريخ الشعوب الحديثة. لتزرع بريطانيا سببا رئيسيا للصراع والحروب والقتل لأكثر من نصف قرن من الزمن.