رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد الدويك يكتب:الشك والفتنة في حياة الرسول

محمد الدويك

السبت, 31 أغسطس 2013 00:53
بقلم :محمد الدويك

يقول الله مخاطبا الرسول:
(فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) 94 الأعراف


هل هناك احتمالية أن يساور الرسول، ولو قدر يسير من الشك، فيما أنزله الله عليه؟

وعندما يشك الرسول لماذا لا يكون اليقين عبر آية كبرى تزلزل الأرض وتخرق قوانين الطبيعة؟

بل يكون التأكيد خلال بحثه الشخصي بأن يلتمس دلائل الوحي والنبوة عبر الذين يقرءون الكتاب من قبله.. يتيقن أن الله يتصل بالأرض عبر الرسل والأنبياء وأن هذا سبق لدى عهو في اليهود والنصارى.

وبذلك لا يخاصم أهل الكتاب، بل يدرس ما لديهم يلتمس فيه الحق والخبرة واليقين. حتى وإن كان جزء منه مغلوط، لكن يقينا فيه ما يدل على رسالية الدين ويحمل بصمة الوحي الإلهي.

لو أن الله فتح احتمالية لشك الرسول الكريم - وإن كان مجرد استعارة لفظية لتقريب المعنى - الذي يتصل بالسماء مباشرة، وأنه يحتاج طيلة حياته لنفي الشك والبحث عن اليقين والهداية بالعقل والسؤال والخبرات المتراكمة، فكيف ننكره على بقية  الناس!

والله يترك الإنسان بفطرته وعقله وقدرته على الإبصار في استكشاف طريق الهداية.. فيسأله سؤالا بسيطا بديهيا ويترك له البحث عن إجابة:
(أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون!) 35 الطور.

ويقول للناس:
(وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون)..

ليخرج بهم من التلقين والانقياد إلى التأمل في الطبيعة

والبحث في عظمة الأرض والإنسان.. الأرض هي الجغرافيا، والجغرافيا هي ظل الأرض على الزمن.. الجيولوجيا والاركيولوجي والانثروبيولجي.. أما الإنسان فلا زال عاجزا عن فهم البيولوجيا الجزيئية بشكل كامل. 

ويقول للرسول (كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا)
فالرسول لم يحز يقينا مطلقا ثابتا منذ اللحظة الأولى. بل ينزل عليه القرآن منجما. مفرقا. كي يكون له تثبيتا وعونا كلما فتنه قومه.
*
وهل يفتن الرسول..؟

تعالوا نقرأ الآية:
(وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذن لاتخذوك خليلا) الإسراء 73

القرآن يحكي عن الرسول كتجربة انسانية فريدة. لكنه يخضع لذات المشاكل التي نتعرض لها جميعا. يتعرض للضغوط والمؤثرات الخارجية. يخاف ويشك ويتألم. ويحاورهم فيغلبهم ويغلبوه. ويواصل رحلته بلا كلل. ويلجأ إلى ربه يعلن ضعفه، يلتمس الهداية ويطلب المدد.

القرآن يقول "كادوا ليفتنوك" يا محمد.. ولكن الله يحميه.. وإن كاد الرسول أن يفتن، فما بالك بنا نحن البشر الضعفاء.. أيها الناس رفقا بالبشر وهونا عليهم، فربهم أعلم بهم. أرحم بهم.

ويكمل القرآن حديثا للرسول:
(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) 74 الإسراء.

يضرب لنا الله نموذجا بخير البشر وأكثرهم شرفا وإيمانا ويقينا. رسول الله الخاتم. وأنه من دون ثبات يلقيه الله
علي قلبه كاد أن يركن للمشركين. لضغوطهم ووعودهم وكلامهم المنمق.

القوي فقط هو الذي لا يخشى أن يعترف بضعفه. وعظمة الإنسان في هذا التباين بين الصواب والخطأ. اليقين والشكوك. النجاح والفشل.. ثم المحاولة الأبدية كي ينتصر الحق وتتغلب المشاعر الطيبة. والله يهدي إليه الصادقين الذين لا يتوقفون عن البحث عن طريق الرشاد.
*
يقول الله:
(سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق. وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها. وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا. وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا. ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) 146 الأعراف.

العدو الأول لآيات الله. هي النفوس المصابة بالكبر. المتكبرون في الأرض الذين لا يتبعون الحق وينتصرون للذات على الموضوع.

واتباع الحق صفة بشرية غير مرتبطة، بالضرورة، بالأعمال الدينية.. الرسول قال خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام.. ولم يولي "أبا ذر" الإمارة، رغم تقواه وورعه، لأنه رجل ضعيف.. فهو لا يحابي على حساب استحقاقات الكفاءة.. وأثنى على "أشج عبد قيس" لأن فيه خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة، أي أنه رجل راشد هادئ غير مندفع، رغم أنه كان حديث عهد بالإسلام وتربى كل عمره في الكفر.

وباقي الآية تصف هؤلاء المتكبرين.. إن يروا كل آية لا يؤمنوا.. من باب التعالي والعناد وتعمد تكذيب الحقائق. و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا.. رغم "رؤيتهم" له. فهم لم يضلوا عن جهل أو غياب المعلومات. بل قصدوا ذلك. وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا.

تلك مشكلة القرآن مع الهالكين.. فالهداية والغواية مرتبطان بخصال الإنسان. سلوكه وقلبه ووجدانه، واعترافه بالحق، وتنقية طباعه من الكبر والتعالي.

قبل أن تكون مسلما، يجب أن تكون متواضعا رقيقا مهذبا. على قدر من الثقافة والعمق الإنساني والرؤية الصادقة وحب الحق. هكذا الطريق.