رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد الدويك يكتب حكايات الحب والثورة

محمد الدويك

الاثنين, 26 أغسطس 2013 22:58
بقلم :محمد الدويك

أحدهم قرر الانتحار لأنه فقد كل شيء جميل في الحياة. وفي طريقه إلى حتفه صادف شجرة كرم "عنب". لا يذكر آخر مرة تناول فيها الطعام. أخذ عنقودا وتناول من حباته. وهنا قرر أن ينظر الى الحديقة. إلى نقطة الندى فوق ورق الزهرة. فقرر أن يكتب قصيدة تبدأ من طعم الكرم.

تذكرت ذلك وأنا أجلس في بقايا تلك الجنينة التي تركها لنا عبد الناصر بعد قوانين الإصلاح الزراعي.. جئت هنا كي أكتب لك خطابا يعبر عن مشاعري آخر مرة تلاقينا.. أود أن أتجاوز إلى رسمة جسدك الكمثري، رؤيتي لجسد الأنثى أن الغريزة لا تكمن إلا في شبر منه. والباقي هو الرواية الأكبر للتاريخ. يصف الوجود والخلق والأمل. وعنه يتحدث رجل الدين والشاعر والكثير من الأطباء.

الشعراء يجلسون في الظل يكتبون أحلامهم.. ورجال السياسة يذهبون ليشعلوا الحروب.. لو تبادلوا المقاعد لصار العالم أكثر اتزانا..

تعرفين أن البكباشي جمال عبد الناصر قام بثورة 52. كانت اسمها الحركة المباركة، ولم تتبلور فكرة الثورة إلا بعد أن كتب جمال كتابه "فلسفة الثورة".. كان يظن أنهم سيغيرون رؤوس الأنظمة ويجبرون الملك على الرحيل، بعدها سيسري التغيير كسيل مندفع فوق الصخور من أعلى جبل ينهمر على السفوح.. لكنه اكتشف ان كل شيء مهلهل.. الاحزاب والوزارات وذمم الناس.

قال أن هناك فترة انتقالية ثلاث سنوات.. تنتهي عام 56.. عطل الدستور، وحل الأحزاب، وأصدر إعلانا دستوريا في فبراير 53 لينفرد الضباط بالحكم. وانقلب على الفترة الانتقالية الموعودة وودع الديمقراطية إلى الأبد.

هل كان مستبدا بطبعه..؟ هل كان ينوي ذلك منذ اللحظة الأولى، أم أن الظروف دفعت لذلك..؟

الله قال (كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى).. تلك طبيعة الناس، تميل للاستبداد إن

وجدت فرصة ملائمة. بمجرد أن تستغني عن الحاجة لغيرها. أو خلت تحركها من التدافع والرقابة ووجدت من يهلل لها. لذلك قال الرسول : احثوا في وجوه المداحين التراب." من تجده يحترف المديح فلتأخذ حفنة تراب وتقذفه بها.. لأن هذا المديح المبالغ فيه والممنهج، يفسد طباع الناس.. وقال القرآن عن الشعراء في كثير من أفعالهم أنهم غاوون. لما ينسجوه من صور أسطورية تضخم الناس على غير الحقيقة.

طالب الضباط الأحرار الأحزاب قبلها أن تعيد هيكلة نفسها وتستبعد العناصر الفاسدة التي تورطت مع القصر أو الانجليز.. لكنها لم تستجيب.. طالبوا علي باشا ماهر رئيس الوزراء بسرعة إصدار قانون الإصلاح الزراعي لكنه تلكلأ. بل تواطأ. وكذلك فعلت الأحزاب القديمة لإجهاض خطوات الإصلاح.. وهنا تأكد الضباط أن الفساد يضرب كل شيء. فقرروا أن يبدأوا عصرا من الحكم المنفرد.

سأقول لك شيء قد لا تصدقيه.. في الاجتماع التأسيسي الذي تمخض عن مصطلح مجلس قيادة الثورة، حدث تصويت في 27 يوليو 52 أي بعد الثورة بثلاثة أيام، على شكل النظام القادم.. ديمقراطي / ديكتاتوري.. فكانت الأغلبية الساحقة بسبعة أصوات تتبنى النظام الديكتاتوري لنفورهم من الديمقراطية السابقة التي أدت إلى الفوضى والفساد.. وصوت واحد فقط كان يحتفظ برأيه في الحكم الديمقراطي.. إنه صوت عبد الناصر..!

وفي خطابه عام 1955 وعد الناس بحياة نيابية تحرر الشعب من التبعية والانقياد..

ثم كان ما كان من دولة بوليسية قمعية مستبدة..

هل كان ناصر صادق في وعده. في طموحه.

ولكن المداحين هم من أضلوه.. ؟ أم كان كاذبا متحايلا يقوم بتكتيك مؤقت إلى أن يتمكن من هدفه..؟

الصراحة.. لا أدري. لكن النتيجة هو ما تعلميه..

أعرف أن الأمور تتشابه.. من يتاجر بالديمقراطية.. من يمتدح بوادر الاستبداد فيتضخم كنبت سرطاني يسيطر على باقي الجسد. وأعرف أن ثمة تشابهات بين 25 و 52.. لكننا قوم لا نقرأ.. كما شهد علينا موشي دايان وزير دفاع اسرائيل الذي غلبنا مرتين 56 و 67 بنفس الخطة. وعندما سألوه، ألم تخف من الهزيمة بعد أن انكشفت الخطة أول مرة.. قال، العرب أمة لا تقرأ..!

أعرف أن الأمر مهين.. وأن قبضة ستعتصر معدتك بعد ذكريات كتلك.. أعرف أني لا أجلب لك سوى المآسي. فأنا لا أحترف سواها. نعم أستطيع التقبيل ببراعة. ذاك شيء آخر أجيده.

قبل ذلك سيدتي بخمسمائة سنة. عام 1560 رسم "بيتر بروجل" لوحته الشهيرة "لعب أطفال" والتي عبرت عن أوروبا في القرون الوسطى. حيث تتجاور المتناقضات.. قسوة أوروبا الشمالية الباردة المليئة بالطاعون والأمراض والفقر، ومحاكم التفتيش، وظلام الجهل والشعوذة، وسطوة المال.

ساحة مدينة صغيرة فيها الموت والميلاد. الرقص والبكاء. البهلوان والتاجر المشنوق.. وفي خلفيتها غروب وشروق يحيطان بمشاهد الحياة.

تلك كانت ملحمة أوروبا قبل أن تنجب لنا عملة اليورو، وطائرة الكونكورد الخارقة للصوت، وتفوض السيدة "كاثرين آشتون" لتجوب العالم تتحكم في مصير شعوب وممالك.

الشاعر الفرنسي "آرثر رامبو" كان قد يأس من الإصلاح والتغيير في بلده بعد الثورة الفرنسية المتتابعة منذ عام 1789.. بعدها بخمسين سنة قال بكلمات خارجة من جوف الجحيم عن بلده:

" يبدو أني أنتمي إلى عرق منحط لا يستطيع فهم الثورة. إن شعبي لن ينتفض إلا لينهب مثل ذئب جائع"

ثم غادر بلده واعتزل الشعر وسافر إلى الحبشة يمارس التجارة..

لتصير ثورة فرنسا بعد ذلك نور يضيء أوروبا، ويزحف إلى العالم بمبادئ الحرية والاخاء والمساواة والقضاء على الملكية والإقطاع.. لا تقلقي لسنا فقط من يتعثر في سعيه أثناء ثورته..

كل ما يحدث أعراض جانبيه، ويوما ما، ربما في خريف العمر، أستطيع أن أنظر في عينيك في يقين وأتذكر طعم الكرم الحلو الذي حلمنا أن نتذوقه سويا، دون أن يخالطه مرارة الفشل.

أحبك جدا..