رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

آبيي السودانية والثورة المصرية

محمد أبوزهرة

الثلاثاء, 24 مايو 2011 15:22
بقلم -محمد أبوزهرة

 

"آبيي" هي منطقة غنية بالنفط والغاز الطبيعي والمعادن والمياه، وتتبع إدارياً لجنوب كردفان بالسودان، ولكنها تمتد جغرافياً إلى داخل ولاية بحر الغزال في الجنوب، وتسمي أيضا بـ"مثلث آبيي" لأنها أشبه بمثلث يلمس ثلاث ولايات حيث تحد هذه المنطقة من الناحية الشرقية "ولاية الوحدة" وجنوباً "ولاية شمال بحر الغزال"، وغرباً "ولاية جنوب دارفور".

وقد باتت منطقة "آبيي" - المنطقة الفاصلة بين شمال وجنوب السودان – والمتنازع عليها عقب انفصال الجنوب رسميا بموجب استفتاء يناير 2011، ساحة مهيأة للجانبين لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية، وبناء على هذا فقد شهدت المنطقة بالفعل عشرات المناوشات بين قوات الشمال وميليشيات الجنوب التابعة لـ"الحركة الشعبية لتحرير السودان"، كان آخرها الكمين الذي نصبه عناصر من الجنوب لسريتين من قوات الشمال وكان بصحبتها قوة تابعة للأمم المتحدة، وعلى اثر الهجوم أعلن الجيش السوداني منطقة آبيي "منطقة حرب" ثم دخلت قوات الشمال المنطقة بالقوة وأعلنت سيطرتها عليها أول أمس 22/5/2011.

 

وبالمقابل رد الجنوب بأنه لم يتعمد الاعتداء علي قوات الجيش السوداني، لكنهم لم يحددوا المعتدين، قائلين بإن حكومة الخرطوم يزعم ذلك فقط لكي يبرر عزمه "احتلال آبيي"!.

ويبدو الآن أن مشكلة آبيي أصبحت تشبه القنبلة القابلة للانفجار في أي لحظة، ويمسك بفتيلها الغرب بقيادة الولايات المتحدة

وإسرائيل، ويتم استخدام الجنوبيين كقداحة لاشعال الفتيل في أي لحظة بهدف الضغط على حكومة الشمال لتقديم تنازلات على كافة المستويات القومية والجوارية.

يلاحظ هذا جيدا، في ظل حالة التسخين المتصاعد والضغوط الغربية المتسارعة لإنفاذ مخطط تفتيت السودان، وبدأ الحديث عن وصاية دولية متوقعة على المنطقة واطلاق طروحات حول ضرورة معالجة للقضية باتباع أسلوب مماثل في التعامل مع مشكلة منطقة آبيي التي يوجد بها قرابة مليون من أهل السودان العرب من قبيلة المسيرية يمتلكون قرابة 10 آلاف رأس بقر، و9 "مشيخات" لقبائل الدينكا بور ذوي الأصول الأفريقية، وجري النفخ في نيران العصبية القبلية والعنصرية بين الجنس العربي والأفريقي كما فعل الغرب في دارفور، مستندين لاختلافات جوهرية بين العرب والأفارقة في آبيي تصلح لتكون وقودا للصراع حيث العرب مسلمون وأغلب الدينكا وثنيون والقليل منهم يدين بالمسيحية!.

مما سبق، يمكن القول أن المسألة باتت تتعلق برغبات خارجية في إشعال حرب في هذه المنطقة بين الشمال والجنوب، بهدف اغراق السودان في مستنقع التقسيمات الإثنية والعرقية، لكن هذا أيضا هدف قديم يضاف إليه برأي أمر

آخر ترتب على قيام الثورة الشعبية في مصر واتجاهها إلى تحسين علاقتها مع أفريقيا وبالأخص السودان، ويفهم من التوقيت الذي تعمدت فيه الحركة الشعبية محاولة فرض أمر واقع على سلطات الشمال عقب انتهاء زيارة لوفد شعبي مصري ممثل للقوى الوطنية وعقد بعض الاتفاقيات الاستراتيجية المهمة بين مصر والسودان ودول أفريقية أخرى، مما أوحي للقوى المتصارعة بتناول مصري مختلف خلال المرحلة المقبلة لمناطق النفوذ والملفات الساخنة داخل القارة.

ويحق لنا أن نقول بأن تحويل آبيي لمنطقة مشتعلة في هذا التوقيت بالذات يحقق هدفين مهمين لقوى الاستعمار الاقتصادي الحديث الذي يحوم حول ثروات القارة السمراء (والتي ما زالت حتى تعد بكرا): أولهما عدم تمكين مصر (وهي دولة لديها من المؤهلات ما يجعلها قوى عظمى قائدة في القارة ومنطقة الشرق الأوسط) من إعادة ترتيب أجندتها تجاه ملفات عدة في أفريقيا كانت تتجه إلى الحسم النهائي في مصلحة القوى التي تعبث في القارة لكن الثورة جاءت لتعيد رسم الخريطة من جديد في تبني القيادة المصرية الجديدة سياسة مغايرة. ثانيا زرع دول صغيرة لا تمتلك مقومات الدولة المستقلة، لا في عدد السكان ولا المساحة الجغرافية ولا المحيط الاستراتيجي، فتعتمد دائما في بقائها على دعم الآخر (أيا كان صاحب المصلحة في وجودها)، لا يمكنها الاستغناء عنه، للسيطرة على مسارات التغير والتحول داخل القارة.

ولهذا، فتصعيد قضية آبيي في تلك اللحظة التاريخية الفارقة في عمر القارة، بالنظر إلى أهمية الثورات التي اندلعت في تونس ومصر وليبيا في تحويل مسار قراءة تاريخنا الجغرافي والاقتصادي والسياسي، له أهداف يجب أن نتنبه لها جيدًا..