مصر تتفوق علي‮ ‬97‮ ‬دولة في الفساد والرشوة

محلية

الأربعاء, 10 نوفمبر 2010 17:31
دينا توفيق


المواطن‮ ‬يعاني من الفساد والرشوة‮.. ‬في كل تفاصيل حياته اليومية،‮ ‬فلا حياة كريمة لغالبية المواطنين،‮ ‬ولا خدمات مجاناً‮ ‬تقدمها له والدولة‮.‬
الخدمات التي من المفترض أن تقع علي عاتق الحكومة،‮ ‬تحولت الي بيزنس،‮ ‬تباع للقادرين علي دفع ثمنها‮.. ‬فالمواطن البسيط،‮ ‬غير قادر علي استخراج ترخيص أو تصريح أوحتي موافقة لإنشاء مشروع بسيط،‮ ‬أو التوظيف في هيئة حكومية إلا إذا دفع المعلوم لعصابات هذا النوع من البيزنس،‮ ‬وهم إما مسئولين في الدولة،‮ ‬أو أتباعاً‮ ‬وأصحاب مصالح‮  ‬يعملون شركاء،‮ ‬مع من‮ ‬يملك القرار،‮ ‬كل هذا علي مرأي ومسمع من كبار المسئولين في الدولة والحكومة أيضاً‮ ‬التي ساعدت علي تضييق الخناق علي الغلابة الذين لا‮ ‬يملكون جاهاً‮ ‬ولا سلطاناً‮.‬
والسؤال‮: ‬ألا‮ ‬يعلم هؤلاء المسئولون أنهم بتخاذلهم وظلمهم‮ ‬يسيئون الي أنفسهم والي الحكومة‮.. ‬وما خطورة انتشار الفساد في المجتمع علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي‮.. ‬والي متي‮ ‬يتخاذل القانون في عقاب المفسدين والمرتشين ومن ثم كيف‮ ‬يمكن مكافحة جرائم الرشوة والفساد؟
تقرير منظمة الشفافية الدولية،‮ ‬أكد انتشار الفساد في مصر بصورة هائلة‮.. ‬وأن مصر احتلت المركز‮ »‬98‮« ‬في تقرير المنظمة حول الفساد في العالم،‮ ‬والذي شمل‮ »‬178‮« ‬دولة‮.‬
ووضع التقرير مصر في قائمة الدول شديدة الفساد وحصلت علي‮ »‬3‭.‬1‮« ‬درجة من‮ »‬10‮« ‬درجات‮.‬

جرائم الفساد
لقد انتشر الفساد في مصر بصورة رهيبة في السنوات الأخيرة وزادت جرائم بيع وشراء الوظائف‮.‬
ومن أشهر تلك الجرائم القبض علي سيدة قامت بالنصب علي بعض المواطنين،‮ ‬وأوهمتهم بقدرتها علي تعيينهم في النيابة العامة والهيئات القضائية،‮ ‬واستولت علي‮ »‬12‮« ‬مليون جنيه منهم،‮ ‬دون أن تقوم بتعيينهم‮.‬
‮* ‬كما تم القبض علي عصابة أخري،‮ ‬استولت علي‮ »‬40‮« ‬مليون جنيه من‮ »‬500‮« ‬شخص،‮ ‬لتعيينهم في احدي الوزارات‮.‬
‮* ‬وفي بداية الشهر الماضي تم ضبط موظف بحي وسط وموظف آخر بتهمة تلقيهم رشوة من صاحبة شركة إعلانات نظير عدم تحرير محاضر مخالفة ضد إعلانات شركتها‮.‬
‮* ‬كما تم القبض علي مسئولين بلجنة الإزالة بحي دار السلام في قضية تقاضي رشاوي من المواطنين الراغبين في بناء عقارات سكنية بدون تصريح،‮ ‬وتم ضبطهم داخل صيدلية أثناء تقاضيهم مبلغ‮ »‬70‮«‬ألف جنيه من صاحب الصيدلية لتسهيل مهمته‮.‬

قضايا عديدة
بالنظر للسنوات العشرين الأخيرة سنجد فضائح ورشاوي شهيرة ظهرت علي سطح الوزارات المختلفة‮.‬
فمثلاً‮ ‬هناك قضية وزير السياحة الأسبق توفيق عبده اسماعيل الذي لعب دوراً‮ ‬هاماً‮ ‬في قضية نواب القروض حيث ثبت بالتحقيقات مساعدته‮ ‬غير القانونية لعدد من رجال الأعمال في الحصول علي قروض من البنوك دون ضمانات مما سهل الاستيلاء علي أكثر من مليار جنيه من أموال البنوك‮.‬
كذلك المسئولون بوزارة الزراعة في عهد الدكتور‮ ‬يوسف والي،‮ ‬وزير الزراعة الأسبق،‮ ‬وعلي رأسهم‮ ‬يوسف عبدالرحمن،‮ ‬وكيل أول الوزارة في تقديم تسهيلات‮ ‬غير قانونية لسيدة الأعمال راندا الشامي وشركاتها،‮ ‬وفتح هذا الطريق لدخول المبيدات المسرطنة الي البلاد والاستيلاء علي ملايين الجنيهات من المال العام‮.‬
كما وصل الفساد والرشوة الي وزارة الإسكان،‮ ‬عندما صدر حكم في بداية هذا العام‮ ‬يقضي بموجبه أشرف محمد كمال ـ مساعد نائب رئيس هيئة تنمية المجتمعات العمرانية الجديدة،‮ ‬وعضو أمانة السياسات بالحزب الوطني،‮ »‬5‮ ‬سنوات‮« ‬سجناً‮ ‬وغرامة‮ »‬800‮« ‬ألف جنيه،‮ ‬لاتهامه بتلقي‮ »‬5‮« ‬ملايين جنيه رشاوي مقابل تخصيص أراض في المشروع القومي لإسكان الشباب في محافظة‮ »‬6‮ ‬أكتوبر‮« ‬والتي قيل عنها انها جاءت من أجل دعم الشباب ومحدودي

الدخل فقط لاغير،‮ ‬فذهبت من خلال جيوب المسئولين لرجال الأعمال‮.‬
وهكذا استمرت ظاهرة رشوة بعض رجال الأعمال للمسئولين الكبار في مصر،‮ ‬حيث أصبح أمراً‮ ‬طبيعياً‮ ‬أن‮ ‬يقوم رجل أعمال بدفع رشوة حتي‮ ‬يحصل علي أراض ورخص لاستكمال اجراءات انشاء مصنع أو مشروع استثماري،‮ ‬أو الحصول علي رخص وموافقات الدفاع المدني والبيئة والمطافئ‮.‬
وربما كانت رشوة مرسيدس المتورط فيها مسئول كبير في الدولة لم تفصح عنه الحكومة تعد أكبر دليل علي أن استخدام الرشوة في تسيير الأعمال أصبح سمة هذا العصر‮.‬
ونفس الأمر‮ ‬ينطبق علي بعض نواب مجلس الشعب الذين‮ ‬يشترون المقاعد في المجالس النيابية بأكثر من طريقة وأسلوب،‮ ‬قبل وأثناء التصويت‮.‬

اختيار النواب
المستشار محمد ابراهيم خليل ـ نائب رئيس محكمة النقض السابق ـ قال‮: ‬من المفترض ان‮ ‬يكون اختيار نواب مجلسي الشعب والشوري قائماً‮ ‬علي أساس السمعة الطيبة وطهارة اليد والأصل الطيب وليس لمن‮ ‬يدفع‮ »‬من تحت وفوق الترابيزة‮« ‬ـ كما‮ ‬يحدث ـ ومما لاشك فيه أن قادة الحزب الوطني لهم‮ »‬شلة‮« ‬معينة‮ ‬يختارونها من أجل تدعيم وجودهم في البرلمان،‮ ‬فيتم اختيار المرشحين طبقاً‮ ‬لمن هم أقرب إليهم وكذلك الأكثر ثراء من أجل الانفاق علي الحزب‮.. ‬باختصار الحزب‮ ‬يختار الأعضاء الذين‮ ‬يضمن ولاءهم المطلق له‮. ‬ولذلك تأتي نتائج الانتخابات تأكيداً‮ ‬لما قرره الحزب واختاره من مرشحين،‮ ‬سواء كان ذلك بالتزوير أو بأي أسلوب آخر‮.‬
وكان طبيعياً‮ ‬بعد ذلك أن نشهد صراع مجموعة من الطفيليين المتسلقين الباحثين عن المكاسب بعد ان تحولت مقاعد المجالس النيابية في مصر الي مشروعات استثمارية،‮ ‬يقوم المرشح بدفع أمواله واستثمارها في مقابل الحصول علي الكرسي ليجني من ورائه الكثير‮.‬

رسوم الخدمات
اللواء عادل العبودي ـ مساعد وزير الداخلية السابق قال‮: ‬الواقع‮ ‬يشير الي عودتنا الي العصور المظلمة،‮ ‬حيث أصبحنا نجد رئيس الوزراء‮ ‬يلعب دور الوالي ووزير المالية‮ ‬يلعب دور المحتسب ولم‮ ‬يكتف كلاهما بما‮ ‬يعانيه الشعب المصري من قلة الراتب وارتفاع الأسعار،‮ ‬بل زادا الطين بلة،‮ ‬برفع رسوم أداء الخدمات التي تقع في الأصل،‮ ‬علي عاتق الحكومة مثل تصاريح العمل واستخراج البطاقات،‮ ‬وتقديم الشكاوي وغيرها في شكل استمارات ترتفع أسعارها دون مبرر،‮ ‬كما جعلا لها سوقاً‮ ‬سوداء بسبب عدم توافرها لدي الموظفين،‮ ‬في حين توجد لدي مجموعة من الباعة الواقفين أمام المصالح والإدارات الحكومية بأسعار تفوق ثمنها الأصلي،‮ ‬والمشكلة أنه تم فرض رسوم علي كل شيء،‮ ‬ولم‮ ‬يبق سوي الهواء الذي نتنفسه وهو خال من الرسوم‮. ‬والخطير في الأمر،‮ ‬ان‮ »‬الحيتان الكبيرة‮« ‬هي وحدها القادرة علي الوصول الي ما تريد بما لديها من قدرة علي السداد وتستعوضه بعد فترة من دم الغلابة الذين ليس لديهم‮ ‬غير‮ »‬الحسبنة‮« ‬علي كل ظالم أثيم،‮ ‬فمتي‮ ‬يحاسب كل مسئول نفسه علي ما قدمه من خدمات للمواطنين حسب القسم الذي أقسمه ألا‮ ‬يوجد ذرة خجل لدي هؤلاء المسئولين،‮ ‬عندما‮ ‬يتدخل السيد رئيس الجمهورية
لحل أية مشكلة بعد ثبوت فشلهم في حلها؟‮!‬

ثقافة الرشوة
الدكتور فتحي النادي ـ رئيس معهد التنمية والموارد البشرية بحزب الوفد ـ أكد‮: ‬المشكلة هي عدم وجود قوانين رادعة للمخالفين في مجتمعنا،‮ ‬فالقوانين الحالية فيها تراخ،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن سوء الحالة الاقتصادية،‮ ‬وضيق ذات اليد،‮ ‬وضعف المرتبات والغلاء الفاحش الذي طال كل شيء،‮ ‬مما لا‮ ‬يتلاءم مطلقاً‮ ‬مع الزيادة الضعيفة في المرتبات،‮ ‬وبالتالي أصبحت ثقافة دفع الأموال لإنهاء المصالح ثفافة عامة لكي تسير الأمور،‮ ‬ولا تتعطل المصالح،‮ ‬وهذا نموذج صارخ للفساد في مصر والسبب في ذلك أن المحليات مرتبطة بالمصالح اليومية للناس،‮ ‬فعلي سبيل المثال من‮ ‬يريد الحصول علي ترخيص بناء بدون عقبات عليه أن‮ ‬يدفع مزيداً‮ ‬من الأموال،‮ ‬ومن‮ ‬يريد الالتحاق بوظيفة حكومية‮ ‬يضطر لدفع كل ما‮ ‬يملك،‮ ‬وهنا‮ ‬يمكن ربط ذلك بضعف وفساد التعليم الذي أخرج مهندساً،‮ ‬ومحاسباً‮ ‬فاسداً،‮ ‬يوضع كل منهم في منصب‮ ‬يقوم من خلاله باصدار قرارات دون أن‮ ‬يعرف عنها شيئاً،‮ ‬في ظل عدم وجود رقابة صارمة،‮ ‬وهذا‮ ‬يعد اهداراً‮ ‬لموارد الدولة،‮ ‬ولحقوق المواطنين الذين‮ ‬يتحملون مزيداً‮ ‬من الأعباء فوق طاقتهم بلا ذنب،‮ ‬ومع ذلك نجد ان المسئولين في الدولة لا‮ ‬يعترفون بوجود فساد،‮ ‬ولا نملك محاكمة أي موظف عام علي ما ارتكبه،‮ ‬فإذا قام أي مواطن برفع قضية علي رئيس الحي علي سبيل المثال،‮ ‬نجد انه لابد من رفعها امام مجلس الدولة،‮ ‬حيث‮ ‬يقوم بعمل محضر اثبات حالة في الشرطة أولاً،‮ ‬ويستمر لعدة أيام وبعدها‮ ‬يحول المحضر للنيابة التي تقوم باعداد قضية تحول للمحكمة وترفع أمام مجلس الدولة ويأخذ هذاوقتاً‮ ‬طويلاً‮ ‬جداً،‮ ‬قد‮ ‬يستمر عدة أشهر دون أن‮ ‬يحصل المواطن علي حقه،‮ ‬لذا فالحل الوحيد هو ضرورة تفعيل القانون الذي‮ ‬يسمح للمواطن برفع قضية أمام القضاء العادي،‮ ‬لاثبات حقه فيما لحق به من ضرر،‮ ‬وتعديل القانون بما‮ ‬يسمح بمقاضاة الموظفين العموميين‮.‬

انعدام القيم
الدكتور محمد كمال القاضي أستاذ الدعاية السياسية بجامعة حلوان قال‮: ‬سبب الفساد وبيع الخدمات للمواطنين‮ ‬يرجع الي انعدام القيم الأخلاقية في المجتمع،‮ ‬والفساد الإداري الذي انتشر في الجهاز الإداري للدولة،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن عدم وجود نظام قانوني محدد لشغل الوظائف الحكومية والإعلان عنها لكافة الشباب فوجود نظام مبني علي حقائق،‮ ‬لن‮ ‬يؤدي لشراء الوظائف في المصالح الحكومية،‮ ‬وللأسف لا توجد قواعد محددة ومنطقية تحكم هذا الأمر،‮ ‬فمنذ عدة سنوات كان هناك نظام‮ ‬يتم من خلاله تعيين الـ‮»‬20‮« ‬الأوائل من الخريجين تلقائياً‮ ‬في الوظائف الحكومية،‮ ‬لكن هذا النظام توقف فجأة دون مبررات،‮ ‬وانتشرت بعدها الوساطة والمحسوبية مما أدي لالتحاق بعض أصحاب الوساطات من الخريجين في وظائف‮ ‬غيرهم،‮ ‬وضياع الفرصة علي مستحقيها وهذا أدي لانتشار الفساد الإداري في الدولة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعود بالسلب علي كافة المصالح في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي‮ ‬يعاني منهاالجميع فأصبح المال هو الوسيلة للوصول الي الغاية‮.‬

حكومة رجال الأعمال
المستشار محمد حامد الجمل ـ رئيس مجلس الدولة الأسبق ـ قال‮: ‬لاشك ان حكومة رجال الأعمال القائمة منحازة للطبقة الثرية وتترك الطبقة المتوسطة والعاملة تحت سلطان المحتكرين،‮ ‬كما ان اسعار السلع والخدمات بما تعانيه من ارتفاع لا تتوافق مع احتياجات العاملين بالدولة مما‮ ‬يترتب عليها انحراف العديد من الموظفين الذين‮ ‬يتحكمون في المواطنين لأداء مصالحهم،‮ ‬والذين تتحرك الأوراق اللازمة لهم،‮ ‬بأعمال معينة بين أيديهم،‮ ‬وكذلك العاملين اصحاب السلطات الذين بيدهم البيع المباشر في أموال الدولة ويتحكمون في بعض الوظائف بقدرتهم علي تعيين العاطلين في وظائف مرموقة‮ »‬وكل هذا انتشر نتيجة عدم وجود حد أدني‮ ‬يحقق كفاية العاملين ولا حد أقصي‮ ‬يكفل التوازن في المجتمع،‮ ‬هذا بالاضافة الي تعمد الحكومة عدم احترام القانون،‮ ‬واهدار الاحكام القضائية وهذا‮ ‬يؤدي لنشر الفساد في أجهزة الدولة والقطاع العام فكل خدمة اصبح لها ثمن،‮ ‬لابد من دفعه للموظف المسئول عن تحريك الأوراق لأداء الخدمة والمشكلة هي عدم قدرة أجهزة الرقابة الإدارية والمالية علي ضبط تلك الحالات وعدم قدرتها،‮ ‬كذلك علي محاسبة المسئولين الكبار الا بإذن من السلطات العليا التي تسببت في انتشار القيم اللاأخلاقية‮.‬
وللقضاء علي هذه الظاهرة السائدة في مجتمعنا،‮ ‬لابد أولاً‮ ‬من تحقيق الديمقراطية ومعالجة جميع المشاكل التي‮ ‬يعاني منها الشعب‮.‬

أهم الاخبار