نفهمها وهي طايره

لينين الرملي

الخميس, 16 يناير 2014 22:12
لينين الرملى

إذا سئل الطبيب هل يفهم في الهندسة؟ أجاب بالنفى، والمخترع هل يفهم في الرياضة؟ أجاب بالنفي. والشاعر يعترف بأنه لا يفهم في الصناعة أو الاقتصاد.والقاضي  يقر بأنه لا يفهم في الفلك أو الذرة .

لكن أغلب الناس علي اختلاف مستوياتهم ,وثقافتهم يفهمون في ثلاثة مواضيع علي الأقل: الفن والدين و السياسة, وحتى لو كان لا صلة له بأي موضوع.
فمن منا لا يفهم في الفن؟ كل متفرج يري أنه قادر علي  نقد أي فيلم ,ظنا منه أن الدراما ليست علما, والنقد لا يحتاج لدراسة. ويعتقد بعض الصحفيين أنه لا فرق بين كتابة الخبر و التحقيق والمقال والنقد الفني والأدبي, فكلها كتابة. فمن منا لا يفهم في الدين؟ أغلبنا يري أنه ما دام يصوم ويصلي فمن حقه أن يفتي في الدين, حقاً إنه لم يقرأ تراث 14 قرنا، لكنه يثق في شيخه الذي قرأ نيابة عنه , تماما كما يثق في طبيبه الذي يعالجه. والأخت التي تحجبت تصبح داعية تجمع النساء لتهديهن. 
أما الشيوخ فيختلفون فيما بينهم, وكنا نظن ( في اختلافهم رحمة ) حتى رأينا خلافهم  يؤدي للقتل والذبح الحلال للناس وبقية الشيوخ, ويدفع الصبيان لتفجير انتحاري فيسبق للجنة كما زعم لهم  شيخهم.
وكلنا يفهم في السياسة ونفتي فيها.هي دي كمان علم أو تحتاج إلي أي

ثقافة ؟ فإذا سألت شخصا في السياسة تجده جاهزا للإجابة. الفقير يشكو أن الحكومة سبب فقره , والثري يري خطأ الحكومة الأكبر هو اهتمامها بالفقراء. تعجبه حكومة عهد آخر, قد يكون العهد الماضي أو الذي قبله.( في الغالب كان ساخطا عليه في وقتها)  فتراه لا يعجبه إلا حكومة عمرو بن العاص!
كلهم  قرأ سطرا أو اثنين, والسطر يكفي لأنه لا وقت عنده ليعرف أكثر, ثم إن أي مقدم  في قناة فضائية أكد له هذه المعلومة أو تلك. وآخر علي العكس تعجبه الحكومة أكثر من أي حكومة جاءت, غالبا يكون له صلة بها أو له مصلحة في سياستها وحتى لو لم يكن يفهم هذه السياسة .الجميع يتفق أن البلد فيها حاجة غلط. فيعيدون تكرار ما تنشره الصحف منذ سنوات من آراء مختلفة ,وقليل هم من يشغلون أنفسهم بالبحث عن أسباب غير التي حفظناها , وهو ما يعني أننا لم نضع أيدينا علي الأسباب الحقيقية بعد, فنحن نتجاهل أي آراء جديدة  فالأسهل تكرار ما يقال ,والصعب أن نفكر من جديد. أما الكلام فلا يحتاج لتفكير. الكل مثلا يجمع
علي كراهية أمريكا حتى لو كان حلم حياته أن يهاجر لها ـ باستثناء الإخوان ـ وبعد أن يعلن هذه الكراهية كتابة أو هتافا ينام مطمئنا لأنه أدي واجبه الوطني! كأن الوطن لن يتقدم إلا إذا سب أمريكا خمس مرات يوميا, فيؤدي ذلك آليا إلي ازدهار الصناعة والزراعة ورفع مستوي المعيشة والفوز بكأس العالم في كرة القدم. وبالطبع قد يكون للهجاء ما يبرره، بل قد يكون للمدح أيضا ما يبرره.لكن لا هذا ولا ذاك يصلح وحده لأن نبني عليه أي فعل حقيقى، بل هو محض أصوات وكلمات. الهتاف والصراخ من حق الناس، لكن من حق الوطن عليهم أن يكون الصراخ مفهوما والمطلوب واضحاً, وأن يكونوا قد فكروا فيه جيداً أولاً.
لكن التفكير فريضة غائبة, والفعل غائب إلا إذا كان سلوكا عشوائيا ولحظيا,أما الأقوال فهي المساكن التي نسكن فيها, والكلمات هي الخبز الذي نتقوت به, والشعارات المكررة هي الدواء الذي يشفي من كل داء. ونصحو كل يوم لنقول إننا خير أمة أخرجت للناس, وفي الوقت نفسه, وفي اللحظة ذاتها نعلن أننا في أسوأ حال , والانهيار قادم لا ريب فيه, رغم أننا نفهم  كل شيء في الفن والدين والسياسة , ونتباهى قائلين إن نسبة المتعلمين عندنا أعلي من كل بلاد الدنيا فضلا عن وفرة من المفكرين والمثقفين والفلاسفة.
بقي بسطاء الناس, الذين لا يفكرون إلا في كيف يصطادون القرش لإطعام أطفالهم , فلا وقت عندهم لادعاء أي شيء, وربما يعرفون القراءة والكتابة لكنهم لا يقرءون ولا يكتبون , يتفرجون علي الدنيا, لا يرشحون أنفسهم في أية انتخابات ولا ينتخبون, وهم يصلون ويصومون, وطيلة الوقت يكدحون.. ويفهمون بالسليقة!