رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الرقص علي جسد الوطن

لميس جابر

الجمعة, 11 مايو 2012 09:01
بقلم - د. لميس جابر

اليوم هو أول أيام الجامعة.. أول مرة أمتلك حقيبة نسائية تعلق في الكتف وهي كبيرة نوعاً حتي تتسع لكشكول وقلم وأبونيه الترام والأتوبيس وكيس النقود به مصروف كبير جداً لأول مرة خمسة وعشرون قرشاً.. ارتديت فستاناً جديداً من مكافأة دخول الجامعة وبدأت المشوار.. كنا في عام 1965..

إلي العباسية ذهبت.. وقابلت زميلات وزملاء في الأتوبيس.. أول عام هو.. الاعدادي.. وقد تم الغاؤه الآن.. كنا نقضيه في كلية العلوم جامعة عين شمس.. في «قصر الزعفران» قامت جامعة عين شمس الآداب والحقوق ثم العلوم في آخر الحديقة وقد ضم اليها مبني الخدم ليصبح مبني علوم الفيزياء واسطبل الخيول الذي تحول الي معمل الكيمياء، أما مبني القصر فتحول الي ادارة الجامعة.. بدأنا نتوافد الي داخل السور الحديدي القديم الرائع الي داخل الحديقة الهادئة.. رائحة الورود وصوت العصافير والمياه التي تروي الحديقة.. التنسيق رائع والألوان مبهجة ومازلت أحتفظ بزهرة هذه الحديقة جففتها داخل كتاب.. ورغم زيادة عدد دفعة كلية الطب عن المعتاد وكان ثمانمائة طالب إلا أن المكان كان مستوعباً لنا ومعنا طلبة كلية العلوم.
بعد أيام قليلة قررنا أن نزور كلية الطب نفسها وهي المكان الذي سوف نخرج منه أطباء.. تحركنا من باب الجامعة التي كانت نظيفة جداً مثل الشارع والنفق.. في اتجاه كلية الطب.. لم يكن شارع لطفي السيد قد فُتح بعد وكنا نسير فوق رصيف واحد من باب الجامعة حتي باب الكلية، في الطريق كنا نقف عند الكشك الاول نشتري زجاجة «كازوزة» وعند الكشك الثاني نشتري «لبان» أو «بسكويت» أو كورونا بالبرتقال وها هو مبني كلية

الطب العربي الجميل الذي يعود الي آواخر الأربعينيات عندما كانت الجامعة اسمها «جامعة ابراهيم باشا».. بعد نهاية يومنا كنا نسير الي حيث موقف الترام وكان يواجه موقف الاتوبيسات الحالي.. الموقف نظيف وهادئ وخلف الشارع كانت بقايا سرايات شارع السرايات الذي ترسب في وجداننا من كتب نجيب محفوظ في العباسية المحلات الجميلة علي اليمين واليسار والترام يتهادي الي ميدان رمسيس حيث نكمل المشوار بترام آخر واذا لم يكن ترام شبرا قد تأخر عن موعده فهو مشوار واحد الي شارع شبرا.. في مظاهرات عام 1968 بعد الهزيمة كان النفق الشهير شاهداً علي حشود الطلبة الصارخين المطالبين بمحاكمة المسئولين عن وجود اليهود علي ضفة قنال السويس.. وتحت هذا النفق أطلق رصاص حي وأصيب البعض.. وكتب علي أسفلت النفق: «يسقط وزير الداخلية» وكان أيامها «شعراوي جمعة».. أغلقت في وجوهنا الجامعة لمدة شهرين ثم عدنا الي الدراسة والثقافة والفن والتمثيل والعلم والسياسة والرحلات حتي عام 1970.. بكينا في ساحة الكلية عبدالناصر.. وهتفنا نريد الحرب والتحرير خارجها وذهبنا الي قصر الزعفران لنري زملاءنا المعتصمين داخل القصر في آخر مظاهرات عام 1973 وكنا أطباء امتياز.. وادعينا علي الأمن بأننا لجنة طبية للاطمئنان علي زملائنا، وبعد أن قابلناهم أخذنا بياناتهم وأخفيناها لنعيد نسخها وتوزيعها.. وقبض علي الكثيرين بنات وأولاداً، وأبعدنا نحن الي قنا، أيام.. وذكريات تداعت يوم الجمعة الماضي
ونحن نري العباسية والجامعة والنفق.. نفس الاماكن.. وربما لو دققنا النظر سنري آثار أقدامنا فكم سرنا ذهاباً وإياباً من الجامعة الي كلية الطب والعكس علي نفس الأسفلت والرصيف وتحت نفس الأشجار ولكن.. وآه من لكن هذه، الآن الجنون يخيم علي المكان.. الأشجار تحترق والرصيف يتهشم ليهشم الرؤوس وأهالي العباسية رهائن لمدة أربعة أيام تخترق نوافذهم رصاصات تقتل.. تحترق منازلهم بكرات اللهب.. يسير البلطجية ويأمرونهم بإغلاق النوافذ ويحطمون المحلات والسيارات.. والموقعة الحربية بين جماهير تجمعت من كل الجماعات والمنظمات الإرهابية في قارة آسيا وبين الجيش المصري.. والهدف اقتحام وزارة الدفاع المصرية.. أي جنون وأي عبث وأي خيال مريض أنتج هذا الهراء.
فوهات البنادق تخرج من مئذنة جامع الفتح.. السباب والشطط ينطلق في وجه شباب مصري وتفتخر به أي أمة عاقلة وتضعه في العين والقلب.. الأسلاك الشائكة بين الخونة والجيش المصري.. الصبر طال وحرق القلوب.. شعب يحاول أن يسقط جيشه ويقتل مجلسه الأعلي.. من هؤلاء؟ من هذه الوجوه البغيضة التى يشع من عيونها الشر والحقد والإجرام... وسط هذا الحزن المخيم.
لجأنا إلى الإعلام الذى يتنفس كذباً إلا أقل القليل.. الصورة لرجل أفغانى وآخر طالبانى وآخر قاعدى والمذيع يقول «الثوار» الجيش يُضرب بالطوب والأحجار والخرطوش والألفاظ الوضيعة والمذيع يقول «الاعتصام السلمى»... المجند الشاب العريس يُقتل برصاص الخونة فيقول المذيع إن الضابط قتله لأنه رفض قتل الثوار الأطهار... هل رأيتم جنوناً أخطر من هذا الذى نعيشه؟.. الوطن يحتاج لعلاج.. المرض الخبيث ينتشر بسرعة تفوق أى فعل لدواء أو سحر لساحر.
بعد نهاية الموقعة المريرة.. تحول المكان إلى ساحة حرب بعد غارة شعواء غبية حولت الأيام والذكريات إلى حطام مكان وبقايا حروق وأسلاك وهدد ومياه.. بكيت على وطنى.. أوجاع القلب فاقت الاحتمال أكان لابد أن نحيا حتى نرى سواد هذه الأيام؟
يارب الرحمة والمغفرة.. فإن قلوبنا تدمى خوفاً على أبنائنا.. ومستقبلهم الملبد.. وأيام أبنائهم التى تتوارى خلف الحرائق والقتل والنفاق والكذب وأشباح تتراقص على جسد وطن جريح.. وتغنى بأصوات غليظة مشروخة نشيد الثورة.