الاسم مصرى.. العنوان ميدان التحرير

كمال عباس

الأحد, 13 فبراير 2011 22:29
بقلم: كمال عباس

الآن أفتخر أننى مصرى. أستطيع الآن أن أجلس فى المساء بين أولادي وأحفادي، وأحكى لهم حكايات الثورة. أحكى لهم حكاية ولاد وبنات رفضوا الظلم والاستبداد الذى عشنا تحت وطأته سنوات وسنوات. أحكى لهم حكاية محمد وبولس اللذين كانا يقفان منذ أيام فى مواجهة بعضهم البعض، كل منهم يكره الآخر ويريد تدميره. سأحكى لهم كيف وقف بولس ومحمد كتفاً بكتف فى مواجهة الطغيان، سأحكى لهم كيف حمى المسلمون الكنائس من اعتداءات بلطجية النظام وكيف حمى المسيحيون المسلمين أثناء صلاة الجمعة فى أرض المظاهرة.

 

سأقول لهم ليس عندى من تفسير غير أن هذا النظام البغيض كان يخرج أسوأ وأبشع ما فينا.

وسأقول لأصدقائى فى خارج مصر:

لا أريد أن يعتذر أحد عن اتهامنا بالخنوع للطغيان. لا أريد اعتذاراً عن وصفنا بأننا شعب لا يمتلك إلا القدرة على تحمل الإهانة عبر العصور، وأن تاريخنا تشهد سطوره بأننا خضعنا لكل طغاة العالم .

لا أريد أن يعتذر أحد، لأنه لم يكن يسمع أو يهتم عندما كنا نقول: [كلا لسنا شعباً خانعاً خاضعاً، ولكننا شعب صابر وعلى الجميع أن يحذر من نفاذ صبرنا]، وسوف أنسى ابتسامة السخرية التي كانوا يقابلون بها كلماتى.

لا أريد لأحد أن يعتذر عندما كان بعضنا يقول لهم: إن نُذر الثورة تتراءى فى سماء مصر، دقِقوا النظر والبحث فى إضرابات واعتصامات العمال. فى مظاهرات الفقراء والمضطهدين. وكانوا لا يصدقون.

فقط أريد أن تسمعوا حكايتنا عندما أحكيها. حكاية ثورة الغضب .. ثورة الشباب المصرى الذى جاء من العالم الافتراضى ليحتل ميدان التحرير فى 25 يناير 2011 .

سأحكى لأبنائي وأحفادي كيف سار فى المظاهرات آلاف، بل عشرات الآلاف، وكان من بينهم بنات فى عمر الزهور وفى غاية الجمال، ولم يتحرش بهم أحد. وكيف كان الشباب يستمع لخطب فتيات ويتلقون تعليمات حفظ نظام الاعتصام منهن.

سأرى الدهشة على وجوههم قبل أن أقول لهم كيف بدأ النظام تصديه لثورة الشباب بأن قطع الإنترنت وخطوط التليفون المحمول، ظناً منه أنه بذلك يقطع اتصالنا وتواصلنا.

سأحكى لهم عن جمعة الغضب يوم 28 يناير. آه لو هزمنا. صعب أن أصف لكم المعارك التى دارت بين المتظاهرين العزل وقوات الأمن بترسانتها الوحشية، وكيف استبسل المتظاهرون لساعات طويلة فى مقاومة قوات الأمن، متحدين وصامدين أمام الرصاص الحى والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى.

لا يمكن أن أصف لكم لحظة النصر. لحظة أن استطاع المتظاهرون العبور من جهة جسر قصر النيل ومنزل كوبرى 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير، فى هذه اللحظة انهارت قوات الأمن. كان الشباب يستطيعون الفتك بهم ولكن فى هذه اللحظات كانوا أوفياء لشعارهم "ثورة سلمية". كل ما فعلوه هو بسط نفوذهم على الميدان.

سأحكى لهم عن موقعة الجمل. ليست بالطبع موقعة الجمل التاريخية التى جرت وقائعها قبل ألف عام،  ولكنها موقعة الجمل الحديثة. يوم شن بلطجية النظام هجوماً بالجِمال والأحصنة والبغال والعربات الكارو، أنتم تضحكون الآن. لكم حق. ولكن يومها كانت معركة حقيقية، فراكبو البغال والجمال كانوا يحملون سيوفاً وكرابيج ومطاوى، هذا غير القوات المترجلة، ودارت رحى المعركة وتابعها العالم عبر الفضائيات وشهد هزيمة بلطجية النظام وتهليل الجميع وتكبير الثوار وهم يطاردون فلول البلطجية المنسحبة. يا لغباء هذا النظام، يواجه شباب الانترنت بالجمال وعربات الكارو!!

سأحكى لهم كيف أقمنا فى الميدان وأصبح الميدان لنا عنواناً، وظهرت عبقرية التكيف لدينا، أقمنا العيادات الميدانية لعلاج الجرحى، نصبنا الخيام.. خياماً بأسماء المحافظات وخياماً بأسماء المنظمات وخياماً بأسماء عائلات. نعم كان للعمال خيمة. كانت هناك وفرة فى كل شيء.. البطاطين ودورات المياه التى تم بناؤها وتوصيلها بمواسير الصرف، وانتشر الباعة ليبيعوا الأعلام والشارات والأكل

والشاى، وفى المساء كانت الفرق الشبابية تغنى للشباب والثورة، وينشد الشعراء شعرهم.

الجيش.. تسألون عن الجيش.الجيش منذ نزوله كان دوره حمايتنا، وكان الجنود فى ميدان التحرير كثيراً ما يشاركوننا النقاش والسمر.

سأعيد لهم الحكايات التى تبادلناها ونحن ساهرون نفترش أرصفة وطرقات الميدان، وكيف تقاسمنا عيشنا، وضحكنا بسخرية من بذاءات إعلام النظام ووصفِنا بأننا مأجورون نتلقى تعليماتنا من أمريكا وإيران والوجبات تأتينا من كنتاكى تيك أواى.سأحكى لهم كيف تلقينا أخبار سقوط رموز النظام، وكيف سيقت الكباش إلى المذابح ليقدمها النظام قربان نجاة.

سأضحكهم كثيراً بالنكات والتعليقات الساخرة التى قلناها ونحن نرى صور الكباش متصدرة صفحات الجرائد. سأحكى لهم عن حفلات السمر وقصائد الشعر وكيف رقصنا ورددنا بحماس أغانى كنا نسمعها فى الماضى دون أى إحساس من فرط يأسنا. سأحكى لهم عن قصص الحب التى ولدت فى قلب الميدان وحفلات الزواج.

سأحكى لهم عن قداس الأحد، وكم كانت عذبة ترنيمات القداس حين رددناها.. مسلمين ومسيحيين.

سأحكى لهم عن صلاة الغائب التى صليناها على أرواح شهدائنا. سأبكى، نعم سأبكى وأنا أستعيد كلمات أم شهيد جاءت إلينا فى الميدان متحاملة على أحزانها وآلامها، لتشد من عزمنا.

سأحكى لهم عن ليالى الخوف التى عشناها يوم تخلت الشرطة عن واجبها، وخانت الشعب وأطلقوا علينا البلطجية والمساجين، ليسكن الخوف بيوتنا، ولكن كان ردنا حاسماً، وبسرعة تشكلت فى كل شارع وكل حارة لجنة شعبية من الشباب والرجال لحمايتنا. تصدت بشجاعة للبلطجية والفارين من السجون، واستطاعت أن تعيد للنفوس والبيوت السكينة والطمأنينة، وكيف تحولت نوبات الحراسة لجلسات للسمر والتواصل الإنسانى النبيل.

سأحكى لهم كيف وقف العالم مبهوراً وهو يتابع بطولات شبابنا وكيف تضامن شرفاء العالم معنا. حكاية الشباب الذى جاء من كافة الطبقات الفقيرة والغنية يرفع راية واحدة (راية الحرية) ويحول ميدان التحرير من مكان كانت تنتهك فيه آدمية المصريين على يد الشرطة، وتعرَضت فيه الكثير من الفتيات للتحرش، إلى ميدان للحرية يحتله الثوار وفى مداخله لجان الدفاع المكونة من الفتيات والشباب.

ميدان تتعلق به أنظار العالم وتخفق قلوب العالم لوقع أحداثه. ميدان الحرية الذى أصبح قبلة الثورة ورمزها وقلعتها التى لم تسقط، واستطاع ثواره أن يصدوا هجمات بلطجية النظام ويدحروها متسلحين بإيمانهم.

ميدان سقط به آلاف الجرحى وروت طرقاته وأرصفته دماء الشهداء. دماء طاهرة زادتنا إصراراً وعزماً، فلم يعد لنا غير طريق واحد عبدته وعمدته دماء شهدائنا.. طريق الحرية، ولم تعد لنا غير راية واحدة لا زالت تمسك بها أيدى شهدائنا وترفعها بشموخ فى عنان سماءنا. راية كُتب عليها جملة واحدة "الشعب يريد إسقاط النظام".

سأحكى لهم عن لحظة النصر وكيف استقبلنا خبر تنحى الرئيس. منا من صرخ ومنا من هتف، ومنا من سجد، وكثير منا انخرط فى بكاء شديد. وما هى إلا لحظات حتى اجتاحت الفرحة كل شبر فى مصر، وخرج الجميع إلى الشوارع، لتتحول شوارع مصر إلى فرح كبير.

أما عن شهدائنا، فأنتم الآن تعرفونهم أكثر منى، فكما فى بيتنا صورهم تزين حوائط كل البيوت المصرية وحكاياتهم تدرس فى مدارسنا.

كل ما أستطيع قوله إن استشهادهم وصورهم التى رفعت فى كل مكان أيام الثورة بقدر ما وجعت قلوبنا، فقد ألهبت مشاعرنا وجعلتنا لا نقبل غير النصر بديلاً.

والميدان الآن أصبح عنواناً لنا، شاهداً على ثورتنا. ثورة المصريين الذين كتبوا فصلاً جديداً من حكاياتهم التى عاشها معهم الزمن منذ آلاف السنين، حين بدأت الحكاية على ضفاف نهر النيل فكانت فجراً للضمير الإنسانى.

سلاماً على شهدائنا وتحية للشباب الذين صنعوا ثورة 25 يناير، فأعادوا لنا كرامتنا، فعدنا مرة أخرى نحب بلدنا، نحب اسمنا، ونحب علمنا. أصبحنا نرفع رأسنا بكل اعتزاز وأصبحنا نفخر بأننا مصريون.