»أردوجان« وأوروبا حين تصبح الكتابة آلية للتفاوض!

كرم سعيد

الثلاثاء, 25 يناير 2011 09:49
بقلم - كرم سعيد

توشك تركيا أن تفقد الأمل في اللحاق بالقطار الأوروبي، ومع ذلك لا تزال تبذل قصاري جهدها وتستنفر كل طاقاتها وتبتكر في أدواتها وآلياتها للحاق بالركب الأوروبي، وكان بارزاً هنا اتجاه نخبتها السياسية لخطاب تفاوضي جديد عبر نشر سلسلة من المقالات والآراء بالصحف والدوريات العالمية، كان أهمها مقال رجب طيب أردوجان المنشور في العدد الاخير والصادر حديثا لمجلة نيوزويك الامريكية، فعلي الرغم من أن المقال حمل تأكيدات عدة بأن »العلاقات تقترب من مفترق طرق« و»تركيا لن تكون المتسول الذي يقف علي باب أوروبا التي باتت تعاني حالة من الركود الاقتصادي غير أن اردوجان لم يستطع أن يخفي رغبته وبلاده لأوروبا واتحادها عندما أكد صعوبة بين الاتحاد وتركيا التي تحمل حماسا وشوقا لا يضاهيه شوقا في اللحاق بالكيان الأوروبي.

 

والواقع أن قضية الانضمام للاتحاد لا تزال هي محك الاختبار الحقيقي للعدالة والتنمية، فهي تحمل أولوية خاصة علي اجندته الخارجية، وعلي الرغم من عضوية تركيا في حلف شمال الاطلنطي »الناتو« فإن مفاوضات الانضمام إلي الاتحاد الاوروبي، والتي بدأت منذ العام 2005 تبقي هي الأهم، غير أن ثمة شكواكاً عميقة لدي قطاعات مهمة من النخبة التركية دعمتهاً الردود

الفاترة لاوروبا تجاه الاصلاحات التركية.

وعلي الرغم من تأكيدات تركيا أن عدم اللحاق بالقطار الأوروبي لا يعني بالنسبة لها نهاية المطاف فإن الواقع يشير إلي عكس ذلك، فسلسلة إصلاحات متوالية دشنها أردوجان وحزبه وصلت في مجموعها إلي احد عشر تعديلا دستورياً، هدفت بالاساس لنيل رضا أوروبي يبدو تحقيقه صعباً علي المدي المنظور.

وإذا كانت تركيا تستشعر في الوقت الراهن أهميتها كلاعب دولي مؤثر في عدة ملفات شائكة كالعراق والبرنامج النووي الايراني إضافة إلي الملفين اللبناني والافغاني فهذا الامر يبدو شكليا فحسب، ولعل الاستفتاء الذي اجري في سبتمبر الماضي علي بعض مواد الدستور التركي كان علامة بارزة، فقد شملت التعديلات مواد عدة هدفت بالاساس إلي تقليم اظافر المؤسسة العسكرية، والتي كانت دائما محل انتقاد أوروبي إضافة إلي تحجيم صلاحيات القضاء التركي لتحقيق الانسجام مع معايير كوبنهاجن، وحقيقة الامر ان معضلة الانضمام للاتحاد الاوروبي لا تتوقف بدورها علي حاجة تركيا إلي مزيد من الاصلاحات في البنية الدستورية والهياكل الاقتصادية والمجتمعية، وإنما ثمة عوامل

عدل مازالت تقف حجر عثرة أمام انضمام تركيا للاتحاد يتركز أولها في عزوف بعض دول الاتحاد الاوروبي عن قبول هذا البلد الكبير الذي يعاني من وجهة نظرهم قصورا فيما يتعلق بإقرار حقوق قانونية ودستورية للقوميات غير التركية التي تعيش داخل أراضيها ومن ضمنها القومية الكردية.

علي جانب ثان تبدو أوروبا قلقة إزاء ذلك الحجم الكبير للتقاليد والتراث المحافظ الذي يتمسك به حزب العدالة والتنمية، وللدين لدي الاتراك بعد ثمانين عاماً من العلمانية، وهو ما يختلف شكلاً ومضموناً عما هو قائم في المجتمعات الاوروبية، كما يمثل العامل الديموجرافي عقبة كئود البالغ أمام انضمام تركيا البالغ عدد سكانها ما يقرب من 75 مليون نسمة للاتحاد الاوروبي والمتوقع له ان يصبح اكثر كثافة سكانية من ألمانيا التي تحتل المرتبة الأولي سكانيا بين دول الاتحاد ويبقي العامل الثقافي والحضاري أحد أهم الاسباب التي مازالت تحول دون دخولها النادي الاوروبي، فتركيا لا تنتمي إلي الحضارة الاوروبية المسيحية، الامر الذي يثير مخاوف من تمدد دولة اسلامية داخل النادي المسيحي كما وصفها بابا الفاتيكان السابق وبناء علي ما سبق فإن العلاقة مع الكيان الاوروبي قد تشهد الكثير من الصعود أو الهبوط خلال الفترة المقبلة، علي ضوء التعاطي الاوروبي مع عضوية تركيا، فإذا ما استمرت اوروبا في إثقال كاهلها بالاصلاحات، فإن الاتراك يمكنهم إزعاجهم بالكثير من الاوراق من بينها توثيق العلاقات القائمة بالفعل مع ايران بخطي أسرع، أو تعقيد حل المسألة القبرصية وغيرها من الاوراق التي تمس الأمن الاوروبي.