رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى ذكرى وفاته..

المسكوت عنه في النهاية المأسوية لكبير هوّارة شيخ العرب همام

كان زمان

الجمعة, 07 ديسمبر 2018 14:10
المسكوت عنه في النهاية المأسوية لكبير هوّارة شيخ العرب همامالفنان يحيى الفخراني في مسلسل شيخ العرب همام
كتب - أمير الصـرّاف :

 لم تنتهِ فصول قصة الأمير همام بن يوسف، أو المعروف بـ"شيخ العرب همام"، بهروبه إلى إسنا بعد خيانة غير متوقعة من أقرب الناس إليه، وهو إسماعيل ابن عمه، فقد كانت هناك فصول أخرى في هذه القصة المستقرة في الوجدان المصري، كون همام ظهر في طور المخلص في جنوب مصر، الذي يسعى لتأسيس دولة عادلة ضد المماليك، هؤلاء الأجانب المختطفون من أسرهم في طفولتهم إلى الرق، ثم العتق، وأخيرًا الولاية والحكم!

 

 يتوقف الحكي والسرد عن الكهف الأظل والجناب الأجل، سواء فيما يكتب في المنصات، أو في الدراما التي كتبها في حلقات السيناريست عبدالرحيم كمال، وشخصها يحيى الفخراني، بهذه البكائية على ملك همام الزائل ونهايته المأسوية بهزيمة وخيانة آثمة، ثم التغريبة القسرية فى عمق الجنوب المصري، بعيدًا عن ملاحقات عليّ بك الكبير، وأتباعه المنقضون جميعهم على أملاك وملك الرجل الاستثنائي، بلا هوادة، في حين تبقى بعض الفصول غامضة، وكأن النهاية كانت بهروب همام إلى إسنا ثم وفاته في قمولا.

 

 أنجب عظيم بلاد الصعيد همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيح بن سيبية الهواري، 3 من الذكور هم.. درويش وشاهين وعبدالكريم، والأول هو الذي كتب أو عاصر قصة الأفول النهائي لسطوة العرقية، أو بالدقة وجود قوة سياسية وعسكرية مناهضة لحكم المماليك كانت مستقرها فى فرشوط في قنا، حيث دار حكم شيخ العرب الذي كان ينظم فيه شئون أملاكه الممتدة بطول الوادي حتى إسنا، بدائرة واسعة من الموظفين، كان كبيرهم هو بولس منقريوس.

 

 بعد هروب همام إلى إسنا دخل محمد بك أبوالذهب فرشوط ونهبها كاملة بما فيها أملاك «شيخ العرب» وأقاربه وموظفيه وأتباعه، من دون أن يتصدى له أحد، وتذكر مصادر تاريخية أن وساطة جرت بين عليّ بك الكبير ودرويش، أكبر أبناء الأمير همام بن يوسف، من خلال محمد بك أبوالذهب، وقبل عليّ بك وساطة «أبوالذهب»، ومنح درويش بلاد فرشوط والوقف - تقع وسط محافظة قنا حاليًا.

 

 وعلى عكس المتوقع لم يحاول «درويش»، ذلك الفتى الوسيم المختال بنفسه، الذي كانت تصطف القاهرة نساءً ورجالًا لرؤيته، كلما مر بشوارعها، أن يستعيد المجد القديم، أو يلمم ما بعثره عليّ بك ومماليكه من شتات هوارة وحلفائها من القبائل العربية المستقرة في دائرة أملاك والده السابقة، وكذلك أمراء المماليك الفارين من بطش عليّ بك إلى الصعيد لأسباب مختلفة، ومعهم أيضًا بالضرورة الفلاحون.

 

 يقول المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار ـ الجزء الأول» قابل درويش بن همام محمد بيك

وحضر صحبته إلى مصر، وأسكنه في مكان في الرحبة المقابلة لبيته، وصار يركب ويذهب لزيارة المشاهد، ويتفرج على مصر، ويتفرج عليه الناس، ويعدون خلفه وأمامه لينظروا ذاته، وكان وجيهًا أبيض اللون، أسود اللحية، جميل الصورة، ثم إنّ عليّ بك أعطاه بلاد فرشوط والوقف، بشفاعة محمد بيك، وذهب إلى وطنه، فلم يحسن السير والتدبير، وأخذ أمره في الإنحلال وحاله في الاضمحلال، وأرسل من طالبه بالأموال والذخائر، فأخذوا ما وجدوه، وحضر إلى مصر والتجأ إلى محمد بيك، فأكرمه وأنزله بمنزل جواره.

 

 يدين الجبرتي درويش بن همام على استحياء في سياق شروحاته لهذه الفترة وظروفها السياسية يقول: لم يحسن السير والتدبير ويلحقها بجملة: وأخذ أمره في الانحلال وحاله في الاضمحلال،  وكأنه يحمله مسئولية عدم استعادة المجد القديم لأبيه! في حين تظل علاقة محمد أبو الذهب بأكبر أبناء همام الطبية والكريمة من المملوك تجاه درويش غامضة وغير مفسرة، التي ربما تكون مواءمة سياسية من عليّ بك الكبير لضمان الهدوء النسبي في الصعيد.

 وفي فقرة أخرى من مؤلف الجبرتي يوجه له اتهامات بشكل واضح.. «ورجع مكرمًا إلى بلاده، فلم يحسن السير ولم يفلح، وأول ما بدأ في أحكامه أنه صار يقبض على خدام أبيه وأتباعه ويعاقبهم، ويسلب أموالهم، وقبض على رجل يدعي زعيتر: وكيل البصل المرتب لمطابخ أبيه فأخذ منه أموالًا عظيمة فى أيام عدة على مرار، أخذ منه في دفعة من الدفعات من جنس الذهب البندقي أربعين ألفًا، وكذلك من يصنع البرد للجواري السود والعبيد، وذلك خلاف: وكلاء الغلال، والأقصاب، والسكر، والسمن، والعسل، والتمر، والشمع، والزيت، والبن، والشركاء في المزارع».

 

سياسة درويش تجاه رعاياه في فرشوط والوقف ـ إقطاعيته الممنوحة له من عليّ بك الكبير، اتخذت النقيض عن سياسة والده الأمير همام بن يوسف، الذي كان بحسب الحجج المنسوبة إليه يعامل الفلّاحين معاملة طيبة، سواء كانوا هوارة أو عربًا أو فلاحين مصريي الأصول، وكان يمدهم بالقروض التي تساعد العاجزين منهم فى زراعة أراضيهم، فضلًا عن كاريزمته التي امتازت بالعدل والسخاء والكرم والفطنة وحسن السياسة ما مكنه من تألف قلوب الناس في الصعيد بغض النظر عن عرقيتهم حتى مع صالح بك القاسمي

حاكم جرجا وهو من المماليك. 

 

 ويثير ذلك تساؤلات عدة عن هذا التغير.. هل كان درويش كالتاجر المفلس يقلب في دفاتره القديمة؟ أم كان يضغط على أتباعه ليفي بالرشاوى والهدايا لأصحاب السلطة في القاهرة من المماليك النهمين للمال طول الوقت؟ لا توجد إجابات كافية للرد عن أسباب تحول الابن للنقيض عن والده، لأسباب ترجعها الدكتورة ليلى عبداللطيف في شروحها لأحوال الصعيد في عهد همام، أن المؤرخين شاع بينهم في هذه الفترة أن مصر أصابها اضمحلال سري في كيانها، وتغلغل في شتي النواحي، فأدى هذا إلى انصرافهم عن الاهتمام بتناول الحياة فيه.

 ذلك الغموض الذي اكتنف وضعية وحال أبناء همام بعد هروبه إلى أصدقائه في إسنا، ثم وفاته قمولا ـ حسب الجبرتي، وهى قرية تتبع مركز نقادة جنوب غرب قنا حاليًا، كان على العكس تمامًا في الزخم الكبير لحياة عظيم الصعيد همام، الذي كان محط أنظار المؤرخين وحتى الرحالة الأجانب، ومنهم الاسكتلندي جيمس بروس، الذي استضافه همام في فرشوط، وهو في طريقه لاكتشاف منابع النيل في أفريقيا.  

 

 سياسة درويش بن همام تجاه رعاياه في إقطاعيته واستيلاؤه على أموالهم وممتلكاتهم جعلت لعاب عليّ بك الكبير ومعه محمد بك أبو الذهب، يسيل نحو المزيد من المال والكنوز من بئر همام الأب الذي لم يكن نضب بعد، على رغم نهبه أكثر من مرة بعد هزيمة صاحبه! يروي الجبرتي.. «ووصلت أخبار بذلك إلى علي بيك، فعين عليه أحمد كتخدا وسافر إليه بعدة من الأجناد والمماليك، وطالبه بالأموال حتى قبض منه مقادير عظيمة، ورجع بها إلى مخدومه، واقتدى به بعد ذلك محمد بيك في أيام إمارته، وأخذ منه جملة، وكذلك أتباعه من بعده حتى أخرجوا ما في دورهم من المتاع والأواني والنحاس قناطير مقنطرة، ثم تتبعوا الحفر لأجل استخراج الخبايا وهدموا الدور والمجالس ونبشوها وخربوها، وحضر درويش المذكور إلى مصر جاليًا عن وطنه، ولم يزل بها حتى مات كآحاد الناس».

 

على ما يبدو أن الحلقة الأخيرة في نهاية مشروع همام بإقامة دولة جامعة للأعراق والعصبيات، فضلًا عن الفلاحين، وكذلك المماليك المناوئين للحكم المركزي في القاهرة، يكون مقرها في الصعيد، كتبها درويش أكبر أبنائه، الذي رشح من هوارة أنفسهم ليخلف أباه بهذه السياسة التي فرقت ولم تجم،ع أو تعيد المجد الآفل.

 لم تذكر المصادر التاريخية أية ذرية لدرويش ولم يعرف كونه تزوج وأنجب أو لا،  فقد أورد الجبرتي ذرية لشقيقه في ترجمته لهما يورد.. «واستمر شاهين وعبدالكريم يزرعان بأرض الوقف أسوة بالمزارعين ويتعايشون حتى ماتا، فأما شاهين فقتله مراد بيك في سنة أربع وعشرين ومائتين وألف أيام الفرنسيين لأمور نقمها عليه وخلف ولدًا يدعى محمد، وأما عبدالكريم فقد مات على فراشه قريبًا من ذلك التاريخ، وترك ولدًا يدعى همام من دون البلوغ يوصف بالنجابة حسبما نقل إلينا من السفار، وكاتبته وكاتبني في بعض المقتضيات، ورأيت ابن عمه المذكور حين أتى إلى مصر بعد ذهاب الفرنسيين وتردد عندي مرارًا».

 

 انتهت حلم دولة همام العادلة بنهاية أكثر من مأسوية ولم تنته الذرية وهى الهمامية عبر أجيال  مستمرة عبر القرون تحمل اللقب وتزهو بالتاريخ وتحيي ذكرى وفاة الجد الأكبر في مثل هذه الأيام.