سيادة الرئيس.. لا تأتِ متأخراً

بقلم: كامل عبدالفتاح

مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي تم الإعداد له بشكل جيد وربما فاق حجم المشاركة الدولية ما كان متوقعاً، وما توصل إليه من نتائج ربما أيضاً بدا لكثيرين أكبر مما كان منتظراً.. جزء من المشهد يأتي حكمنا عليه من المتابعة العادية وهذا ما يتعلق بالتنظيم والاستماع لكلمات كبار المشاركين.. أما الجزء الثاني الخاص بالأرقام والاتفاقيات والمشروعات فهذا أمر يحتاج إلى فهم وشرح، ومن حق المصريين الذين قال عنهم الرئيس السيسي بأنه لا يستطيع تحقيق شيء بدونهم أن يعرفوا وبشكل دقيق أهمية وحقيقة ما حدث وإمكانية ترجمة الأرقام والمشروعات على أرض الواقع.

وإذا كانت مياه التنمية ستتدفق في قنوات وشرايين الاقتصاد المصري فما هي خريطة هذا التدفق وهل سيصل الخير المأمول إلى ريف وعشوائيات وفقراء مصر أم أن الحليب والعسل لا يعرف إلا جيوب وحسابات الأغنياء من رجال المال والأعمال.
من حقنا أن نعرف بعد أن اكتوينا بنار معدلات التنمية الكبيرة التي تجاوزت 7% في عصر مبارك والتهم عوائدها الأثرياء وحاشية السلطان في حين ازدادت رقعة الفقر والمرض وانهار التعليم وفسدت مؤسسات الدولة وبدلا من معاناة المصريين من فساد الإدارة وجد الناس أنفسهم أمام إدارة شيطانية على رأس أخطر وأقبح مؤسسة هي مؤسسة الفساد.. وعليه يا سيادة الرئيس أري أنه من حقي وحق كل المصريين عليك أن تتحدث لنا موضحاً الخريطة الاجتماعية الجديدة التي سترسمها آمال التنمية المستدامة التي يتم الحديث عنها.
نريد أن نعرف ما نصيب أبنائنا وأحفادنا مما يحدث ويجري.. نحن نتابع فرحاً وفرحة ولسنا ضد الفرح بل نحن في أشد الحاجة إليه ولكننا كشعب أيضاً تعودنا على أن نستيقظ صبيحة ليلة زفاف الأحلام على واقع أليم يصدمنا به لصوص الأفراح الذين تربوا على سرقة كل شيء.. الأرض والأمان والمستقبل وحتى الابتسامة.. من حقنا سيادة الرئيس أن تشرح لنا وتبدد مخاوفنا وهواجسنا من أن الرأسمالية الجديدة التي توصف بالمتوحشة والسوق الحر الذي لا قلب له، لن نذهب ضحية آليات هذا أو ذاك.. نريد أن نطمئن على يومنا ومستقبلنا بأن تجيبنا عن سؤال حيوي.. ماذا سنكسب كشعب بكل مستوياته وطبقاته وماذا سيكسب المستثمر الأجنبي الذي لا يدخل سوقاً من باب الرأفة والرحمة وأنت تعلم سيادة الرئيس ما الذي آلت اليه الأمور في أمريكا وأوروبا عام 2008 بعد أن توحشت الرأسمالية وتركت مجتمعاتها عظاماً بلا لحم تحت وطأة بارونات المال والأعمال والكارتيلات العملاقة مما جعل مفكراً

أمريكياً كبيراً مثل ناعوم تشومسكي يقول: «إن الفوضوية الإنسانية ستكون بديلاً للرأسمالية المتوحشة - الفوضوية التي تنطوي، في حركتها الداخلية، على توق غريزي للإنسان في أي مكان بالعالم، إلى الحرية الكامنة في الفطرة الإنسانية».
سيادة الرئيس.. أعرف أن في مصر اليوم فئة من المنتفعين الذين يصفون كل صوت مستقل مهما بلغ صدقه بالخيانة لمجرد أنه يعزف لحناً مختلفاً عن سرب الزمارين، وأنا أشفق على مصر أن يصل كثيرون من نخبتها إلى هذا المستنقع التشكيكي والإقصائي ابتغاء مصالح ضيقة حتى لو أتت رقصة فرحهم فوق جثة هذا البلد.. لقد تحدثتم من قبل توليكم للمسئولية وبعدها أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة عن الفقراء وعن العدالة الاجتماعية وعن شعب لم يجد من يرأف به.
وسؤالي المشروع في هذه اللحظة لماذا تراجع البعد الاجتماعي في يوميات مؤتمر شرم الشيخ وإن كنت مخطئاً أو متجاوزاً الحقيقة فأتمنى عليك أن تتحدث لنا وكذلك رئيس الوزراء ووزراء المجموعة الاقتصادية عن خريطة مصر الاجتماعية 2030.. وهل من المتصور سيادة الرئيس أن ينهض بلد بلا تعليم متطور.. وهل واقع التعليم الآن في مصر يتناسب مع الآمال المعلقة على النمو المأمول في المستقبل.. لماذا تصدرت مشروعات قطاع البناء والمقاولات قائمة الاتفاقيات الموقعة وهي في جملتها مشروعات تخص الصفوة أكثر من العامة.. نريد أن نستمع لكم تحدثوننا عن توطين الصناعات المختلفة في مصر، ومتي نصبح دولة مصدرة ومنافسة إقليمياً على الأقل.
وإذا كانت خريطة التنمية المستدامة 2030 واضحة ودقيقة فلماذا لا تحدثنا الحكومة وبالأرقام عن نسبة العشوائيات التي سيتم تطويرها وكيف.. عن عدد المدارس التي سيتم تشييدها.. عن متوسط دخل الفرد في مصر بعد خمس سنوات وعشر سنوات.. عن خطة الدولة فيما يتعلق بمحاربة الفساد.. عن خطة الدولة لإسعاد مواطنيها من خلال خدمات نوعية في الصحة والمواصلات والإسكان وكل المرافق العامة.
سيدي الرئيس.. دستور مصر ينص على حق المواطن في المعرفة ونحن نريد أن نعرف إذا كانت ضربة البداية انطلقت من شرم الشيخ 2015 ومصر على حالتها الراهنة من التأزم الاقتصادي والقلق السياسي والأمني، فما هي مصر 2030 التي تعملون من أجلها حجراً وبشراً وعدالة وتعليماً وحرية وقانوناً وإعلاماً وزراعة وصناعة.. الدولة سنت قوانين للاستثمار سهلت من خلالها على الأغنياء ليزدادوا غنى.. فما نصيب الفقراء وأين مكانهم حول المائدة.. أم سينتظرون طويلاً على أرصفة التمني بانتظار لقمة ضالة أو حادث حضاري تأخر قروناً.


[email protected]

ا