رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المصالحة الغائبة

كامل عبدالفتاح

السبت, 06 سبتمبر 2014 22:29
بقلم: كامل عبدالفتاح

لو تصالح الشعب المصري مع نفسه أولاً، فلن نكون في حاجة للجدل حول ما إذا كان من المهم والصواب أن نفكر في مصالحة مع جماعة ثبت جرمها وخروجها على أبسط قواعد الإجماع الوطني.. وهناك أكثر من ضرورة للدعوة لأن يتصالح الناس مع أنفسهم قبل التفكير في أي نوع آخر من المصالحات.. فعلى مدى

أربعة عقود مضت تغير في طباع المصريين الكثير ولم يهنأ الناس باستمرار حالة انبعاث روح جديدة صاحبت ثورة يوليو 1952.. ولم يدرك المصريون حقيقة أن ثورة يوليو هي الفصل الثاني لثورة 1919 التي أدركت معها كل القوى الاستعمارية وليس المحتل الإنجليزي فقط، إن هناك أمة اختزنت كل أحزانها وهوانها على كل مغتصب سرق ودمر في مصر للحظة التف فيها الجميع حول رمز وطني اسمه سعد زغلول من أجل غاية الاستقلال والتحرر.. وفات المصريين أيضاً أن ثورة يوليو 1952 هي الفصل الثالث لهبة عرابي التي دعا فيها الخديو توفيق إلى احترام كرامة المصريين التي داستها أقدام الغزاة لآلاف السنين.. ومناسبة هذا الكلام ليس مجرد السرد التاريخي ولكن نحن كمصريين لم نفق لحقيقة أننا كأمة لم تتدرب على حكم نفسها إلا منذ أقل من سبعين عاماً، وأن محمد نجيب كان أول مصري يحكم المصريين بعد أن باع واشتري في هذا البلد اليونانيون والرومان والفرس والمماليك والعثمانيون والفرنسيون والإنجليز.. كل محتل نهب وقتل وعذب بقدر ما استطاع من جبروت.. فهل عندما فرغ المصريون من عذاب الغرباء التفتوا إلى انفسهم ليعذب بعضهم بعضاً؟..

هل استيقظ مارد الذل والنهب والقتل وخرج من تحت جلد المصريين لنرى أنفسنا بعد أكثر من ستة عقود من حكمنا لأنفسنا نأكل أنفسنا ونسرق أنفسنا ونشتت أنفسنا ونغش أنفسنا ونفجر أنفسنا ونذبح أنفسنا؟
هذا الكلام ليس نوعاً من جلد الذات الوطنية ولكنه صرخة لدولة غائبة عن الناس والشارع ولم تدرك بعد أن إعادة ترميم الشخصية المصرية هي أهم مشروع قومي يجب أن يتبناه النظام الحالي لأن كل البلاوي والكوارث التي تحاصر وجودنا اليوم مصدرها ومنبعها أن هناك روحاً مصرية خبت وتراجعت ألف عام للوراء حتى بعد ثورتين كان المفترض أن تحلقا بالروح الوطنية إلى آفاق مستقبل عظيم، فإذا بنا يجرفنا جميعاً تيه بلا حدود تتقاذفنا فيه أمواج الضياع والاضطراب والخوف والتخوين والقلق والعنف.
ولكي ننتقل من صحراء التيه إلى شواطئ الوعي فهذا زمن ضخ دماء ثقافة جديدة في عروق المصريين من خلال خطط وبرامج كبيرة نلتف حولها ولو استمرت الدولة في التركيز فقط على البعد الاقتصادي والأمني فلن تتحقق نتائج كبيرة تنقل مصر من حالة التيه إلى الوعي ومن النوم لليقظة ومن الفرقة للتعاون ومن الفردية للعمل الجماعي.. أتمني أن يخرج علينا وزراء الثقافة والتعليم والأوقاف والآثار والتضامن الاجتماعي والسياحة ليقولوا لنا ماذا يفعلون لتخليص المصريين من موروث ذل التخلف والقهر والنهب
والقتل والاستعباد الذي استمر أكثر من أربعة آلاف سنة، وأن يدركوا قبل غيرهم أنهم يتعاملون مع شعب لم يحكم نفسه إلا منذ أقل من سبعين عاماً.. هل قرأ هؤلاء الوزراء وغيرهم شهادات المحتلين المغتصبين لمصر لكي يفهموا ويتفهموا ماذا كنا وكيف أمسينا وأصبحنا في التاريخ.. من كتاب «بونابرته في مصر» كتب مؤلفه اليوزباشي الفرنسي تورمان الذي عاش في منطقة براري الحامول وبلطيم والبرلس ودسوق وفوه أثناء الحملة الفرنسية (1798 - 1801): «لن تدرك مهما بلغ بك الخيال فقر الفلاح المصري وبؤسه، فهو لا يكاد يجد ثمن جلباب أزرق يلبسه طوال العام، يعيش مع أهله ومواشيه وكلابه، في مساكن هي مباءة الحشرات، يتقشف في مأكله إلى درجة أن الغذاء اليومي لواحد من أبناء بلادنا على ضفاف الراين قد يكفي عائلة الفلاح المصري لبضعة أيام، ولست في هذا متغالياً، فالبؤس هنا بلغ قرارته».
ولكي يفهم الوزراء المسئولون عن التخطيط لحياتنا من نحن وماذا كنا وكيف أصبحنا فليقرأوا ما كتبه الأديب السويسري «شارل ديديه» الذي أقام بمصر أيام عباس الأول وسعيد  (كتاب ليالي القاهرة طبعة باريس 1860) يقول: «لا يوجد في أرض الله الواسعة شعب أسلس طبعاً من أبناء الفراعنة هؤلاء، فالمصري يحتفظ بدماثة طبعه تحت ثيابه العسكرية وتظهر حضارته المتأصلة إذا ما قورن بالعسكري العثماني، ذلك الجلف الجافي الذي يفاجئك هو وضباطه بفظاظتهم على حين ان المصري يحتفظ مجنداً بهدوء سريرته وكرم طباعه وسماحة سجاياه».
وختام الكلام يا سادة يا كرام، يا من منحناكم شرف حكمنا رئيساً ووزيراً.. اقرأوا تاريخ مصر القديم والحديث - البعيد والقريب - لتعرفوا أننا شعب تاه طويلاً في التاريخ ولم يحكم نفسه بنفسه إلا قبل سنوات قليلة.. هذا الشعب بحاجة إلى من يرأف به كما قالها الرئيس السيسي في لحظة ألم وشوق وتحد.. فهل حان وقت أن نتصالح مع التاريخ ونعمر في المكان والزمان ومن قبلهم النفوس والعقول.


[email protected]

ا