هل يكرهنا العالم؟

كامل عبدالفتاح

السبت, 12 أبريل 2014 22:39
بقلم: كامل عبدالفتاح

لو صدقنا صراخ الكثير من الإعلاميين وضيوفهم من أن امريكا وكل دول أوروبا تقريبا والدول الحليفة للمعسكر الغربي في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، بالإضافة لأستراليا وكندا - كل هؤلاء يكرهون مصر ويتآمرون علينا ويخططون لإضعافنا وتفتيتنا وتقسيمنا.. إذا سلمنا بهذا الافتراض الساذج والمريض فإن المنطق يقول إننا شعب أبله وعبيط ولقمة سائغة بفم الفأر

والأسد.. والحقيقة أن أخطر ابتلاء أصاب هذا البلد وتمكن منه في العقود الأخيرة ليس أبدا تآمر الآخرين علينا ولكن تآمرنا نحن على هويتنا وثقافتنا وتاريخنا.. ابتليت مصر منذ أكثر من أربعة عقود بنخب كفرت بالضمير الوطني وانهارت أمام غوايات من بيده السلطة والمال وطافت حول كل كعبة تفيض من جنباتها المصالح والمقاصد الفاسدة.. وإن كانت مصر الآن مطمعا لقوى خارجية تتصارع من أجل مصالحها فإن هذه القوى لم ترسم وتحدد خريطة مصالحها أو حتى تآمرها إلا بعد أن أيقنت وتابعت أن هذا البلد قد أكله أهله وأفسده حكامه، وعندما طال أمد الفساد تضخم وتورم وانفجر لأن جسد هذا البلد لم يعد يحتمل مزيدا من التورم والانتفاخ.
يوم 11 فبراير 2011 سقط نظام مبارك من نفسه بعدما وصل الى قمة التحلل بعد ان استشرى الفساد بالجسد وأنهكه تماما.. وفي 3 يوليو 2013، سقط نظام الإخوان قبل أن يتمكن من غرس أقدامه وأنيابه في جسد هذا البلد، وأتصور أن ما حدث في الحالتين كان استجابة لحتمية تاريخية أكثر منه ثورة منظمة ومخطط لها، ودليل ذلك أن من نسبوا لأنفسهم فضل إشعال ثورة 25 يناير هم أول من تفرقوا من حولها لتجد مصر نفسها بعد أقل من عام ونصف حبيسة داخل الحظيرة الإخوانية العفنة.
المهم أننا في أشد الحاجة الآن  للوعي بأن حديث المؤامرة الخارجية والشعور بأننا مستضعفون الى هذا الحد سيقودنا الى مصير مجهول لأننا ببساطة انشغلنا عن استعادة قوانا الذاتية وتنشيط ذاكرتنا التاريخية بالجدل حول سؤال.. هل ما نحن فيه سببه أننا ضحية مؤامرة خارجية أم لا؟ وهذا السؤال لا يصدر إلا عن قوم ألقى بهم طوفان السذاجة والحماقة الى خارج دوائر العقل والموضوعية.. كنت أتمنى

ومازلت أن أسمع من مرشح رئاسي أن مهمته الأولي اذا تولي حكم مصر تنظيفها من الفساد والفاسدين لأن تخلف التعليم فساد، الجهل فساد، التمييز وعدم تكافؤ الفرص بين الجميع فساد، عدم احترام الدولة نفسها لدستور فساد، انهيار القطاع الصحى فساد، حرمان المواطن من أبسط حقوقه الإنسانية فساد، تعذيب ملايين المواطنين كل يوم بخنقهم داخل شوارع مشلولة فساد، اختيار قيادات سطحية وسوقية الثقافة لكى تقود وتنتج وتنير فساد، عدم الاقتراب من المؤسسات الدينية بغرض الاصلاح والتطوير فساد، تذكر جنوب مصر كلما حدثت كارثة قطار أو اقتتال فساد.. مظاهر الفساد يا سادة كثيرة ومرعبة وبعد كل ذلك تقولون إننا ضحية مؤامرة.. لا.. نحن ضحية جهل وتخلف ولابد أن نصارح أنفسنا بأن الأمم التي تعمل وتخطط وتحترم نفسها وهويتها تفرض على العالم كله أن يتعامل معها باحترام، والأمة التي تهون على نفسها وأهلها تهون على العالم ويطمع بها الضعيف قبل القوى.
وأمام واقع الأزمة الذي يلف حياتنا لا خيار أمامنا إلا أن نتحدث قليلا ونعمل كثيرا وأن يرزقنا الله بإدارة جديدة ورشيدة تدير أمور البلاد بحكمة وعلم وعزم وليكن على رأسها من يكون.. المهم رشد الإدارة وتفكيرها وتخطيطها العلمي وجسارتها في التعامل مع كل الملفات بلا حذر.. إدارة يبرز بداخلها رجال دولة كبار وليس أنصاف مسئولين.. إدارة تحترم الناس ليخلص لها الناس.. إدارة لا تقرب منها الكذابين والمنافقين وذوي الوجوه الكالحة.. إدارة تعتبر النخب الحقيقية من يمثلون صفوة العلماء والأدباء والمفكرين والأكاديميين ورجال الأعمال والشخصيات العامة، والمهم أن يكون معيار الصفوة هنا الإخلاص والوطنية وشرف القول والفعل وليس كما عشنا ورأينا نخب النهب والنصب والكذب والمتاجرة بالأرزاق والأخلاق.
مصر التي تئن تحت وطأة الإرهاب والعنف ليست ضعيفة كما يتخيل البعض وأيضا ليست ضحية مؤامرة مفارقة لواقعنا ولكنها ضحية عقود وقرون من الجمود والظلم والنهب المنظم، ولكي تولد مصر جديدة فلا أمل إلا في إدارة جديدة تستعيد شخصية مصر وتبحث عن العبقرية الكامنة في أعماق أعماق الناس.. لقد هزمنا أنفسنا وأسكرتنا الهزيمة برغم أن النشوة تولد من رحم النصر وهنا المفارقة.

[email protected]