رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بعد عودته من مهرجان فينيسيا

المسافر.. بين إهدار المال العام.. والطعن في الشخصية المصرية

مسرح

السبت, 24 سبتمبر 2011 16:59
كتب - محمد شكر:

ما تعيشه مصر الآن جعلها تتحول إلي ما يشبه قاعة محاكمات كبيرة تعددت فيها الدعاوي القضائية ضد الفساد والمفسدين في الأرض

فيما اعتبره البعض محاولة لرد الحقوق لأصحابها واعتبرها البعض الآخر ترضية مؤقتة للشعب المصري الثائر بمحاكمات صورية لن تسفر عن شيء إلا تبرأة النظام من تهمة إراقة دماء الشهداء وتقطيع أوصال هذا الوطن العاجز لتقيد الواقعة ضد مجهول في النهاية، ناهيك عن المحاكمات الأيديولوجية التي تعقدها الأحزاب والائتلافات والجامعات لبعضها البعض علي شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد.
ووسط هذا الزخم الذي تغص به الساحة المصرية التي كان يجب أن تتحول لما يشبه ساحة الكونكورد التي تصدرتها المقصلة عقب الثورة الفرنسية ليعدم فيها النظام البائد, هناك العديد من القضايا التي لم يعاقب عليها النظام المخلوع وأعوانه حتي الآن بدون أسباب واضحة.
لم تسلم السينما من إفساد وزارة الثقافة التي تخلت عنها منذ إغلاق مؤسسة السينما وتفرق دمها بين القبائل وحتي إطلاق يد الرقابة علي المصنفات الفنية التي سمحت بكل ما هو مبتذل وقادر علي تشوية الشخصية المصرية ووقفت أمام عمل جاد ليدخل السينمائيون ويشاركوا مثقفي النظام حظيرة وزارة الثقافة التي تتسع للجميع من خلال لجان ومؤتمرات ومهرجانات ابتعد عنها بعض أصحاب الرأي من مبدعي السينما تجاهلتهم وزارة الثقافة وتجنبهم الإعلام الرسمي ليصبحوا مجرد ذكري بعيدة لا يتذكرها أي منا حتي فتح الله علي وزارة الثقافة وقررت إنتاج فيلم «المسافر» ومن بعده قيام الوزارة بدعم عدة مشاريع سينمائية تنوعت بين الروائي الطويل والقصير والتسجيلي، وهو ما يجب ان نشيد به لانه فتح نافذة لأسماء مهمة من المحترفين مثل المخرج داود عبدالسيد والمخرج مجدي أحمد علي بالإضافة لكثير من الهواة من مبدعي السينما المستقلة.
ولكن الغريب ان كل هؤلاء جاءوا في الترتيب بعد قرار انتاج فيلم «المسافر»

الذي لا يعلم أحد سر الاصرار علي قيام وزارة الثقافة بتمويله رغم ان أحمد ماهر مؤلفه ومخرجه ليست له سابقة إخراج أو تأليف ولكنه عاد بعد ان استكمل دراسته في إيطاليا ليدفع فاروق حسني لإنتاج فيلمه الروائي الطويل الأول فإذا كان الموضوع الذي يحمل بين أحداثه رمزية تطعن في جذور الشخصية المصرية استهوي المسئولين فلماذا لم يستعينوا بمخرج من المخرجين المصريين المخضرمين وهم كثر ولماذا وقف المسافر في كفة وباقي الأفلام التي دعمتها وزارة الثقافة في كفة أخري حتي ان بعض الأفلام القصيرة لم يتنته تصويرها حتي الآن بسبب عدم حصول مخرجيها علي ميزانية الإنتاج الضئيلة التي لا تصل لـ 1٪ من ميزانية فيلم المسافر الذي تعدت ميزانيته العشرين مليون جنيه رغم ان الميزانية الأولية للإنتاج لم تعد تسعة ملايين جنيه وما نعرف ان الميزانية المبدئية تبني علي أساس احتساب أجور فريق العمل وثمن الخام وتحديد قيمة الديكورات واستئجار أماكن التصوير وحصر اللوكيشنات الارجية وكل هذه المهام يتولاها المنتج أو المشرف علي الإنتاج أو حتي مدير الإنتاج قبل ان تدور الكاميرا بوقف طويل وإذا سألت أي منتج عن ميزانية فيلمه سيحددها بالتقريب بحيث لا تزيد أو تقل عن بضعة آلاف.
فعلي الرغم من قيام المركز القومي للسينما بتولي مسئولية إنتاج الفيلم بتمويل من صندوق التنمية الثقافية تحت إشراف رئيس المركز في هذا الوقت الناقد علي أبوشادي إلا أنه لم ينجح في مهمته رغم باعه الطويل في مجال السينما كناقد متمرس ولكن الأزمة ان أبوشادي تجاهل الكوادر
الموجودة بالمركز القومي من مديري الإنتاج وتولي مهمة تحتاج الي خبرة لا تتوفر لناقد سينمائي وإشرافه علي الإنتاج تحول إلي إشراف بصفته الشخصية بعد تجاهل الإشارة للمركز القومي للسينما وإذا كانت مسئولية علي أبوشادي تنحصر في تضخم الميزانية رغم ان نجوم الفيلم عمر الشريف وخالد النبوي وسيرين عبدالنور أكدوا حصولهم علي أجور معقولة لا أجور خرافية قد تقفز بميزانية الفيلم التي وضعت بعد الاستقرار علي أسماء أبطاله وتوقيعهم لوزارة الثقافة ولكن المسئولية الأكبر تقع علي عاتق فاروق حسني الذي انتج هذا الفيلم بدون دراسة للسوق مما دفع وزارة الثقافة لتسول موزع سينمائي وإجراء مناقصة حصلت عليها الشركة العربية ثم التخلي عن ملكية الفيلم الذي لن تنال وزارة الثقافة شيئاً من ارباحه إذا حقق أرباحاً لا سمح الله.
والأمر المحزن ان وزارة الثقافة تمتلك أصول السينما التي ذهب جزء منها لوزارة الاستثمار ومن بين هذه الأصول العديد من دور العرض السينمائي والاستوديوهات ومعامل الطبع والتحميض ووحدات المونتاج والمكساج ولكن كل هذه الإمكانيات لم تفكر وزارة الثقافة في تفعيلها قبل ان تتخذ قرار العودة للإنتاج السينمائي وهو ما يجعلنا نستنتج أن مشروع دعم الأفلام الذي قدمته وزارة الثقافة لم يكن أكثر من محلل لفيلم المسافر لإسكات أي شخص يقول «اشمعني» أحمد ماهر والدليل ان مشروع الدعم الذي أعلن عنه منذ أربع سنوات لم تكتمل حتي الآن وما تبقي منه أكثر مما انتج من أفلام بسبب تباطؤ الوزارة في صرف ميزانيات الأفلام أو منح ميزانيات أقل من التكلفة الفعلية لمخرجي الأفلام القصيرة مما دفع البعض للاعتذار عن الدعم أو وضع مدخراته الخاصة في الميزانية لإخراج أفلامهم للنور.
وها هو فيلم المسافر بعد جولة فاشلة في مهرجانات بير السلم باستثناء مشاركته في مهرجان فينيسيا يعرض تجارياً ويشارك وزير الثقافة الحالي عماد أبوغازي في عرضه الخاص ليثبت ان وزارة الثقافة مازالت تسير علي خطي فاروق حسني خاصة وان العمل الثقافي مازال يسير بخطي سلحفاة لا تواكب ما يحدث في مصر من تغيرات ورغبة في تغيير سريع يريح الرأي العام.
وفي النهاية وكما قلنا من قبل فإن فيلم المسافر تجربة قد لا تغيب عن تاريخ السينما باعتبارها أكثر تجارب الدولة إخفاقاً في الإنتاج السينمائي وإهداراً للمال العام.