فوز بشري كدواني أهم الأخبار الفنية في نهاية العام

فن

الأربعاء, 22 ديسمبر 2010 16:59
كتبت: ماجدة خيرالله

قبل أن يحمل عام 2010 عصاه ويرحل،ترك للسينما المصرية عدة مفاجآت سعيدة،لم يكن آخرها فوز فيلم  "ميكروفون" بجائزة افضل فيلم عربي. وفوز "الشوق" بجائزة الهرم الذهبي وأفضل ممثلة "سوسن بدر"من مهرجان القاهرة السينمائي،ولكن  جاء فوز "بشري وماجد كدواني " بجائزة أفضل ممثلة وأفضل ممثل من مهرجان دبي  عن فيلم 678 بمثابة مسك الختام لعام لم تكن أيامه بها أي رائحة للمسك! وكنت قد شاهدت فيلم 678 للمخرج وكاتب السيناريو محمد دياب منذ عدة اشهر،قبل أن تكتمل له بقية عناصره الفنية "مكساج ومونتاج نهائي"،وأعجبتني جرأة موضوعه،ولكن كان أهم ما لفت نظري ،مستوي أداء ابطاله بشري ونيللي كريم وناهد السباعي وماجد الكدواني،وحاولت أن امسك نفسي بالعافية،ولا أكتب سطراً عن الفيلم،قبل أن أشاهده مرة أخري بعد انتهاء مخرجه من عمل المكساج وتركيب الموسيقي والمؤثرات،ولكن كان داخلي ثمة تخوف من مدي اقبال الجماهير علي هذه النوعية من الافلام الصادمة التي تناقش مرضاً اجتماعياً صار متفشيا لدرجه يصعب معها تجاهله،فللأسف جمهورنا المصري لايزال مستسلماً لسينما استهلاكية شديدة الضحالة،معرضاً عن الافلام التي تقدم قيمة فنية أو فكرية مختلفة عن السائد! ولكن كانت المفاجأة إقبال الجمهور علي مشاهدة فيلم 678وقد أخبرني بعض الاصدقاء أنهم شاهدوا الفيلم في ايام عرضه الاولي،فكانت القاعه ممتلئة عن آخرها،والظاهرة الملفته  اللانتباه أن عدد الشباب في القاعة كانوا أضعاف عدد الفتيات!أما الخبر السييء أن الفيلم تم تصويره وتسريب نسخة منه علي الإنترنت بعد يومين فقط  من بداية عرضه،وهي نسخة سيـئة جدا،ولكن معدل تحميلها في تزايد مستمر،وهذا يعني أن الشركة الموزعه لم تستطع السيطرة علي عملية القرصنة التي تتسبب في خسائر فادحة للفيلم المصري! وكنت قد سألت المخرج الشاب"محمد دياب" عن معني إسم الفيلم 678. فأخبرني أنه رقم الأوتوبيس التي جرت فيه

حالة التحرش التي انطلقت منها حكاية الفيلم،رغم أن التحرش في مصر لم يعد مقصوراً علي الاتوبيسات والشوارع المزدحمه فقط،ولكنه يحدث في أماكن كثيره،لاتخطر علي البال منها،مكاتب أنيقة في شركات كبري! وكلمة التحرش أصبحت تتردد كثيراً في احاديثنا اليومية،وممكن حد يسأل يعني إيه تحرش؟ والاجابة المهذبة علي السؤال أنه فعل غير مهذب،يقوم به شخص"قليل الأدب" تجاه فتاة أو إمرأة،يستبيح فيه جسدها،سواء بيده أو بالاحتكاك بها،أو حتي بالنظر الي مناطق عفتها هذا أضعف الايمان! والغريب ان المتحرش "الشخص الذي يقوم بالتحرش" لايفرق بينا إمرأة محجبه أو سافره،محترمه أو مبتذلة جميلة أو قبيحة كبيرة أو صغيره،كله شغال وماشي،يفسر البعض إنتشار حالات التحرش،بعدم قدرة الشباب علي الزواج،مع أن بعض المتحرشين متجوزين وعندهم عيال!وأعتقد أنها حالة من حالات الخلل السلوكي والعنف الذي يمارسه البعض ضد العنصر الاضعف وهو المرأة أو الطفل!ولكن فيلم 678 لم يقدم بحثا ميدانيا لقضية التحرش ولكنه قدم حالات إنسانية لثلاثه نساء من طبقات إجتماعيه مختلفه! الاولي هي فايزة"بشري" وهي إمرأة عاملة من الطبقة تحت المتوسطة،زوجة وأم ،تبدو بائة تعسة،ومهمومة دائما،لاتعرف الابتسامة طريقا لوجهها،وهي تتعرض بشكل مستمر للتحرش،والاعتداء علي جسدها وكرامتها ،رغم كونها محجبه وشديدة الاحترام،وهو الأمر الذي جعلها تنفر من الجنس وتبغضه،لدرجه انها تتجاهل رغبه زوجها الشرعيه في ممارسة الجنس،فيضطر للتحرش بالنساء في المواصلات العامة! ويكون رد فايزة شديد القسوة والتطرف،حيث تبدأ في الرد علي العنف بعنف أكثر حدة،وتحمل معها آلة حادة توجهها الي كل من يقترب منها في الاتوبيس،فتفقده أعز مايملك! أما
صبا "نيللي كريم" فهي إمرأة جميله من وسط اجتماعي متميز،متزوجة من طبيب شاب تحبه ويحبها "احمد الفيشاوي"،ولكن حياتها تنقلب رأساً علي عقب،عندما تحضر إحدي مباريات كرة القدم المصيريه،وتتعرض لتحرش جماعي أمام زوجها الذي لايتسطيع الدفاع عنها،ويعاقبها نفسيا علي عجزه،وتستسلم هي بضعف لعدم موضوعيته في تحميلها نتيجه ماحدث،وتكون النتيجه انفصالهما وتنضم الي فايزة وتؤيدها في فكرة الانتقام من الرجال المتحرشين،أما ناهد السباعي فهي اكثر النساء الثلاثة جرأة وإيجابية،حيث تقرر الابلاغ عن المتحرش لينال عقابة القانون،ولكن اسرة خطيبها،تمنعها من ذلك خوفاً وتحاشيا للفضيحة،وتجد نفسها امام أحد خيارين إما ان تصمت وتبتلع مرارتها وتتنازل عن حقها في عقاب من تحرش بها،أو تفقد خطيبها الذي يميل الي رأي اسرته،ولاتجد الفتاة مخرجا إلا الإستسلام،وتنضم الي كل من فايزة و"صبا "لتكون ثلاثتهم فريقا يجتمع علي الرغبة في الانتقام من الرجال! ومع تكرار تعرض الرجال لإصابات دامية في مناطق حساسة من أجسادهم،يبدأ رجل المباحث "ماجد الكدواني" في تتبع تلك الحالات،للتوصل الي الجناة،ويقدم السيناريست والمخرج محمد دياب نموذجاً مختلفاً لرجل المباحث يبتعد كثيرا عن الاسلوب النمطي المعتاد لهذه الشخصية،وساعده في ذلك موهبه ماجد الكدواني التي تستحق فعلا أن نلتفت إليها،ونوليها قدرا أكبر من الاهتمام والتقدير،وعلي الصعيد المهني والشخصي يتحرك ماجد الكدواني بخبرة وعفوية،ممزوجتيان بخفه ظل ،لاتورطه في مبالغة واستظراف،وفي واحد من أهم مشاهد الفيلم يفقد ضابط المباحث زوجته التي كانت تعاني من مرض عضال وتحتاج منه الي بعض الحنان،والمشاركه الوجدانية إلا أن ظروف عمله كانت تمنعه من ذلك،فيقعده الإحساس بتأنيب الضمير عن القدرة علي  ممارسة عمله،ويصيبه حالة من الهم الشديد،ويدرك انه كان يمارس نوعاً من العنف ضد زوجته عندما لم يمنحها الحب في الوقت المناسب! فيلم 678 لايناقش قضية التحرش الجنسي  فقط،ولكنه يغوص في أدق العلاقات الانسانية بين المرأة والرجل في ظل ظروف إقتصادية وسياسية شديده القسوة تجعل الرجل منسحقاً نفسياً وعاجزاً عن إقامة علاقة سوية مع النساء فيلجأ الي التحرش بهن،كنوع من رد فعل القهر الذي يتعرض له،انه فيلم عن ازمه الانسان المصري رجلاً كان أم امرأة وهو الأمر الذي يمنحه قيمه أكبر،تجعل منه واحداً من أهم أفلام عام  إنه ضمن مجموعه من الأفلام القليله التي تعيد لنا الثقة في السينما المصرية!