رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قيمته تكمن فى تصويره فى ظل الإخوان

"الداعية" مسلسل كشف المسكوت عنه بحكم مرسي

مسرح

الثلاثاء, 13 أغسطس 2013 15:13
الداعية مسلسل كشف المسكوت عنه بحكم مرسيهاني سلامة
كتبت- حنان أبو الضياء:

تصور أنك تشاهد مسلسل «الداعية» ولم تنجح ثورة 30 يونية.. فكر لدقيقة ثم ابدأ فى مناقشة المسلسل وما له وما عليه لأن شجاعة تقديم الفكرة والانتهاء منها قبل ثورة يونية تعد فى حد ذاتها هى القيمة الحقيقية للعمل. خاصة أنه فى ظل الاحتلال الإخوانى كان سيعاقب الجميع على هذا المسلسل وربما المشاهدين أيضا,

لأن هذا المسلسل تعامل مع المسكوت عنه خلال الفترة المرسوية وهو التجارة بالدين خاصة أن محاربته لتلك التجارة كانت مباشرة ولم تتخف تحت الرمز الذى يلجأ اليه البعض، وفى الواقع أن مدحت العدل اقترب من هذا العالم السرى المحرك للشارع المصرى، خاصة أن المصريين بطبيعتهم متدينين والعامل الدينى مؤثر بشكل كبير خاصة فى ظل القنوات الدينية المتطرفة التى كانت تخلط بين الدين والدنيا بخلطة ظاهرها التبسط مع العامة وباطنها خدمة أهداف التشرذم والتطرف وسيطرة فصيل واحد يخدم أغراضه الخاصة. وأعتقد أن هذا ظهر جليا وواضحا وخاصة فى الحلقات التى قدمها الشيخ حسن والذى أدى دوره أحمد فهمى، والإشارة إلى الأخوة المتطرفين المسيطرين على الخطاب الإعلام الدينى والذى تبنى سياستهم على جملة قالها أحدهما لبطل العمل: «إما أن تكون سيفا معنا أو نكون سيفا عليك» تلك المقولة هى المنهل الذى يجترف منه الدعاة المتطرفون فكرهم لذلك تحول كل من يخالفهم الرأى الى كافر يحل دمه من خلال إخراج العديد من الأحاديث النبوية عن سياقها العام واستخدام الآيات القرآنية فى غير موضعها، ولقد نجح السيناريست مدحت العدل إلى الإشارة إلى هذا الخلط فى حواراتهم دون أن يكون هناك افتعال، وإذا كانت هناك مباشرة فى بعض الحوارات ولكن هذا مطلوبا فى عمل فنى يقدم فى هذا الوقت، لأن الغرض منه ليس الإمتاع الفنى بقدر أن يلعب دورا تنويرياً بين عامة الناس من البسطاء الذين شكل فكرهم وتوجههم السياسى من قبل أمثال هؤلاء من الشيوخ.وفى الحقيقة أن البناء الدرامى لشخصيات المسلسل لم تأت من فراغ وكانت لها جذور تفسر تصرفها وخاصة شخصية يوسف التى مزجت بين عدة نماذج لدعاة معروفين، ولكنه جعل

له خلفية إنسانية تجعل من الممكن أن يعيد تفكيره فيما يقدم من أفكار، خاصة عندما يكون هناك مبرر ناتج من وقوعه فى الحب. وهو أنه شخص عصامى يُعمل العقل فى أفكاره، وقادر على مراجعة نفسه وإن كان يغلب على تفكيره العناد الناتج من طبيعة الحياة القاسية التى عاشها فى صغره بسبب جنوح والده وذاتيته، وإن كانت شخصية الأب فى حد ذاتها نموذجاً إنسانياً حقيقياً فلديه موروث أخلاقى ودينى عفوى يجعله لا يقبل المال الحرام ويرفض التطرف، حتى وإن كانت شخصيته مزواجة. وهذا يفسر أن بناته موقفهن أقل تشددا تجاهه من ابنه يوسف، وأعتقد أن هاني سلامة كان موفقاً فى المسلسل بالقدر الذى ينسيك جموده الأدائى فى بعض المشاهد ويكفيه أنه كان مؤمنا بهذه القضية ووافق على أداء هذا الدور فى «الداعية» فى وقت كان التيار الإسلامى فى سدة الحكم. وفى الحقيقة أن فخامة المستوى الذى يعيش فيه يوسف والمتمثل فى فخامة الديكور والفيلا المبهرة والمكتب الضخم «أظهرت مدى التناقض الشديد في شخصية الداعية إلى جانب إنكاره لديه وتركه فقيرا في حارة رغم كل مساوئ الأب ليشير إلى تناقض العديد من الدعاة. وفى الحقيقة أن نجاح المسلسل في ظل المنافسة الشديدة بين كبار النجوم يرجع سببه الرئيسى أن المصريين ميالون إلى رؤية نموذج للإسلام الوسطي في تلك اللحظة الكاشفة والفاصلة بين الغث والسمين فى حياتنا اليومية التى سيطر عليها خفافيش الظلام, الذى اقترب من المسلسل من خلال العالم الخفى الذى يعيشه المهمشون والذين يمثلهم نموذج عليش والنونو والذى لا يجد المتأسلمين غضاضة فى مساعدتهم لاستخدامهم كما يحلو لهم بعد ذلك فى قمع أى فكر تنويرى، وهؤلاء فى النهاية سينقلبون على أنفسهم. وهذا ما حدث عندما قتل النونو عليش. أما
شخصية محمد الشرنوبى الذى يلغى عقله ويتمرد على فطرته بالانضمام للمتطرفين فله جذور إنسانية تشير إلى عقدته الاجتماعية من عمل أمه كخادمة، إلى جانب انه يقع تحت تأثير حبه غير المتوازن مع أخت يوسف. وفى الحقيقة أن العمل كان بمثابة قراءة متفائلة لقدرات الشارع المصرى للتخلص من الإخوان وخروجهم من السلطة. وهى شجاعة لشركة الإنتاج وخاصة أن المحطات الفضائية لم تشتر هذا العمل إلا بعد الثورة. خاصة أن هناك حرباً شعواء من قبل اللجان الالكترونية الإخوانية مهددين متوعدين متهمين المسلسل بتشويه الدين.. ولقد كان مدحت العدل موفقا فى إسقاطاته السياسية، وأعتقد أن شخصية المرشد العام للإخوان المسلمين، مثلها الثلاثة شيوخ المتشددين والذين لا يقبلون الخروج عن آرائهم ويتشيعون لها ومن أجلها يفعلون كل شىء حتى إن كان التعامل مع أمن الدولة. أما شخصية الشيخ التى أدى دوره سامى العدل فهى نموذج للخارجين عن تلك الجماعة بعد إعمال العقل فيما يصدر منها من أمور دنيوية أمثال الخرباوى والهلباوى. ولقد استطاع المسلسل عن طريق حكاية الداعية الإسلامي (هاني سلامة) الذي يعمل بإحدى القنوات الفضائية الدينية، والذى يتعرف على عازفة الكمان (بسمة) وحبه لها. الإشارة إلى أن هذا الأصل فى طبيعة الإنسان المصرى الحقيقى وما دون ذلك هو العرض، فرصد المسلسل لكيف يمكن لداعية ديني أن يؤمن بالفن الراقي وتأثيره ودوره في حياتنا يعطيك انطباعاً عن حقيقة الإنسان المصرى، أما الشيخ حسن وهجومه على الشيخ يوسف فهى تلعب على حالة الغيرة والتنافس الأعمى بين شيوخ الفضائيات الذين يستغلون البرامج لمآربهم الشخصية وما أكثرهم للأسف. أما شخصية خديجة فهى نموذج واقعى لمعظم الفتيات والسيدات المصريات اللائى يسرن دون وعى أو تفكير وراء رب الأسرة. وعلى النقيض كانت مروة التى منحها عملها وتعاملها مع فكر الآخر أن يكون لديها تفكيرها الخاص، أما صاحب القناة فهو نموذج للإعلام المحرض الذى يضع نصب عينيه فقط الإعلانات التى تأتى بإضافة البهارات من هجوم وتهويل فى البرامج حتى الدينية. ولقد أشار المسلسل إلى الدور الذى لعبه نشطاء التواصل الاجتماعي من المتشددين المتأسلمين لتشويه الليبراليين والمعارضين لهم من خلال صورة لنسمة بصحبة سفير يحتسي الخمر. أما نهاية المسلسل فلم يتركها للمشاهد بنهاية مفتوحة يتصورها كل مشاهد كما يريد. ولكن أعطى نهايتين، الأولى يذهب يوسف لحضور الحفل.. ويستغل المتشدد صخب الموسيقى ليسقط يوسف قتيلا ويهرب.. بينما يجئ صوت د. مدحت العدل ليقدم النهاية الأخرى بحضور الشرطة التى تدخل فى اللحظة الأخيرة لتمنعه.. وأعتقد أن الجمهور سيختار الثانية التى تعطى أملا للجمهور الآن خاصة أننا جميعا فى حاجة إلى الأمل.