‮"‬الشوق" ‬يخذل الباحثين عن مشاهد ساخنة‮!‬

فن

الأربعاء, 08 ديسمبر 2010 15:36

»‬الشوق‮« ‬هو الفيلم المصري الوحيد و"اليتيم‮" ‬المشارك في المسابقة الرسمية للدورة‮ ‬34‮ ‬من مهرجان القاهرة السينمائي‮! ‬وقد اعتدنا أن نحيط الفيلم المصري بحالة من الشك والريبة باعتباره الفيلم الذي جاء بعد‮ "‬دوخة‮" ‬أو اللي لقيناه وخلاص،‮ ‬حتي لا نريق ماء وجوهنا ونصبح مادة‮ "‬للمعايرة‮" ‬أمام ضيوف المهرجان ورواده ولجنة تحكيمه ويقولولنا‮ ‬ياللي ماعندكوش فيلم في المسابقة‮! ‬وقد بدأت عاصفة من الهجوم علي فيلم‮ "‬الشوق‮" ‬للمخرج خالد الحجر قبل أسابيع من بداية انطلاق فاعليات المهرجان،‮ ‬وسبب الهجوم‮ ‬يبدو‮ ‬غريباً‮ ‬ولكنه‮ ‬يدل علي ارتفاع حالة‮ "‬الهوس‮" ‬والخبل لدي بعض من‮ ‬يكتبون عن السينما أو‮ ‬يتابعونها،‮ ‬مما‮ ‬يؤكد إصابة هؤلاء بأمراض نفسية مستعصية تجعلهم‮ ‬يسعون للبحث عن أي فضيحة والسلام،‮ ‬فإذا لم‮ ‬يجدوها افتعلوها.

‮ ‬وكان الحافز الأول للهجوم علي فيلم‮ "‬الشوق‮" ‬وجود اسم‮ "‬روبي‮" ‬بين فريق العمل‮! ‬والحافز الثاني وربما الأشد تأثيراً‮ ‬كان نشر إحدي الصور الخاصة بالفيلم،‮ ‬وتظهر فيها روبي مع شقيقتها‮ "‬كوكي‮" ‬أو ميرهان،‮ ‬في وضع أثار شهية البعض في إطلاق سحب سوداء من الشائعات ناتجة عن خيال مشوه‮ ‬يدل علي حالة التردي التي وصل اليها البعض‮! ‬وبدأت حملة مسعورة في الجرائد والمواقع الإلكترونية،‮ ‬تتهم فيلم الشوق بترويج نموذج للشذوذ الجنسي‮ "‬السحاق‮" ‬في حالة‮ ‬يطلق عليها في علم النفس‮ "‬الإسقاط‮" ‬أو الإحلال،‮ ‬أي أن تسقط أمراضك وهواجسك النفسية والجنسية علي الآخرين،‮ ‬حتي تستريح من تأنيب نفسك وتتخلص من إحساسك بالذنب و"إنت عارف ليه‮" ‬علي رأي روبي؟ فيلم‮ "‬الشوق‮" ‬من الأفلام التي تقتحم عالم العشوائيات،‮ ‬وتقدم صورة واقعية لأناس اعتدنا أن نطلق أبصارنا بعيداً‮ ‬عنهم حتي لا نراهم،‮ ‬ولا نتعذب بوجودهم بيننا،‮ ‬إنهم أُناس‮ ‬يسحقهم الفقر والمرض والجهل،‮ ‬يبحثون عن فرصة للوجود وتضيق مساحة أحلامهم،‮ ‬وينظرون للدنيا من‮" ‬خرم إبره‮"‬،‮ ‬في محاولة للعثور عن مخرج أو نسمة هواء تنعش نفوسهم المعذبة.

‮ ‬والمثقلة بهموم أكبر من الاحتمال‮! ‬في حارة شعبية عشوائية بمدينة الاسكندرية تعيش الست‮ "‬فاطمة‮" ‬سوسن بدر مع زوجها‮ "‬الصراماتي‮" ‬ـ‮ ‬يعمل في ترميم الأحذية البالية ـ سيد رجب،‮ ‬وابنتيها شوق‮ "‬روبي‮" ‬وشقيقتها الصغري‮ "‬كوكي‮" ‬وطفل مريض‮ ‬يـتأوه من آلام الكلي،‮ ‬ولا تجد الأم الكادحة وسيلة لإسكات آلامه،‮ ‬أو حمايته من شبح الموت الذي‮ ‬يحوم حوله إلا الاستعانة بالعفاريت والجان،‮ ‬فهي تبدو‮ "‬ملبوسة‮" ‬حزينة ومهمومة،‮ ‬تحارب جيوشاً‮ ‬من الاشباح التي تحاصرها وتنهك قواها،‮ ‬تسعي لحماية أسرتها الصغيرة،‮ ‬وتخشي علي ابنتيها من الضياع أو الانتقال من منزلها الفقير الذي‮ ‬يشبه القبو أو القبر إلي منزل زوج أكثر فقراً،‮ ‬تكسب فاطمة رزقها بطحن البن،‮ ‬لقراءة الفنجان لنساء الحارة،‮ ‬وتسعي لمعرفة أسرارهن حتي تستخدمها في قراءة الطالع،‮ ‬بعد أن تضيق بها الدنيا تضطر فاطمة للنزول للقاهرة للتسول،‮ ‬ولكن ما تحصل عليه من نقود،‮ ‬لا‮ ‬يحقق لها الستر الذي تبحث عنه وترجوه من الحياة،‮ ‬في‮ ‬غيابها الدائم للبحث عن الرزق‮ ‬يخطف الموت طفلها،‮ ‬وينغمس زوجها في علاقة عابرة مع إمرأة أشد منه فقراً‮ ‬وعوزاً،‮ ‬وتضيع ابنتاها بعد فشلهما في العثور علي دفء الحب،‮ ‬وحنان الأم التي شغلها جمع المال عن إدراك الخطر الحقيقي الذي‮ ‬يحيط بابنتيها،‮

‬فقد رفضت فاطمة زواج ابنتها شوق من الشاب حسين‮ "‬أحمد عزمي‮" ‬الذي‮ ‬يحبها بصدق نظرا لفقره الشديد،‮ ‬أما الابنة الصغري فقد هجرها حبيبها سالم‮ "‬محمد رمضان‮" ‬لأنه كره الحارة وفقرها وانطلق باحثاً‮ ‬عن طوق نجاة،‮ ‬أو فرصة‮ ‬يتعلق بها تدفعه بعيداً‮ ‬عن رائحة الفقر والعجز والحرمان‮! ‬السيناريو الذي كتبه سيد رجب‮ ‬يزخر بكثير من التفاصيل الحياتية لهؤلاء البشر،‮ ‬ولكنه‮ ‬يفرد مساحة هائلة من الاهتمام لشخصية فاطمة التي قدمتها سوسن بدر بمقدرة فائقة وهائلة.

‮ ‬إنها المحرك الرئيسي للأحداث،‮ ‬ومن خلالها نطل علي بقية شخصيات الفيلم،‮ ‬وعلي عالم كامل لبشر تعساء‮ ‬يبحثون عن فرصة للنجاة من مصائر تكاد تكون محتومة‮! ‬شخصيات الحارة من رجال أو نساء في حالة من الاستسلام التام لأقدارهم،‮ ‬ليس بينهم من‮ ‬يقاتل سوي الست فاطمة،التي تحاول أن تهزم الفقر،‮ ‬وتخرج للتسول،‮ ‬وتسعي للسيطرة علي اهل الحارة،‮ ‬حتي تضمن أن‮ ‬يخضع لها الجميع ولا‮ ‬يعايروها عندما‮ ‬ينكشف أمرها ويشيع بينهم أنها تذهب للقاهرة لتمد‮ ‬يدها وتطلب السؤال‮! ‬فاطمة تجمع بين القوة والانسحاق،‮ ‬بين الغلب الشديد والجبروت،‮ ‬إنها كمن‮ ‬يحارب طواحين الهواء،‮ ‬وفي الوقت الذي تعود فيه الي منزلها تحمل‮ "‬صرة‮ "‬من الفلوس،‮ ‬هي حصيلة ما جمعته من التسول،‮ ‬تكتشف أن كل ما كانت تحارب من أجله قد هزمها،‮ ‬وأن ما تحملته من مذلة وبؤس لم‮ ‬يصل بها وبأسرتها الي بر الامان،‮ ‬بل أغرق الجميع في بحار من الضياع،‮ ‬وأن من مدت لهم‮ ‬يدها بالمساعدة خذلوها،‮ ‬وتخلوا عنها،‮ ‬فاستسلمت أخيراً‮ ‬للموت المحتم‮!‬

المخرج خالد الحجرسبق له المشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة أكثر من مرة،كانت الأولي مع الفيلم الإنجليزي‮ ‬غرفة للإيجار‭ ‬‮"‬A RROM TO RENTس والثانية مع فيلم حب البنات‮ "‬كوميديا رومانسية‮"‬،‮ ‬والثالثة مع الفيلم الموسيقي‮ "‬مفيش‮ ‬غير كده‮"‬،‮ ‬ويشارك هذا العام بفيلم الشوق وهو أهم افلامه وأكثرها اكتمالاً‮ ‬ونضجاً،‮ ‬وإن كان‮ ‬يبدو في هذا الفيلم الذي‮ ‬ينتمي لمدرسة الواقعية،‮ ‬وكأنه‮ ‬ينفخ في الزبادي،‮ ‬بعد الهجوم الذي تعرض له بعد عرض فيلمه الاخير‮ "‬قبلات مسروقة‮"‬،‮ ‬ولذا تعمد أن‮ ‬يخلو الشوق من اي مشاهد ساخنة،‮ ‬أو قبلات‮!! ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يخيب آمال من أرادوا الهجوم علي الفيلم،‮ ‬وسوف‮ ‬يكتشف من اطلقوا الشائعات أن الصورة التي تم نشرها لروبي وشقيقتها كوكي،‮ ‬عبارة عن لقطة من موقف‮ ‬يثير الحزن والشجن،‮ ‬وليس به أي رائحه للجنس،‮ ‬بل إن المخرج انتابته حالة من التحفظ وجعل روبي ترتدي طوال الوقت ملابس بأكمام طويلة حتي داخل المنزل،‮ ‬أما إذا اكتشفت مشهدا‮ "‬كده ولا كده‮" ‬فتأكد أنه نابع من خيالك المريض،‮ ‬وسارع فوراً‮ ‬بعرض نفسك علي أقرب طبيب نفسي‮! ‬وربما‮ ‬يتساءل البعض‮: "‬أُمال حانهاجم الفيلم إزاي"؟ تاهت ولقيناها،‮

‬سوف‮ ‬يقولون إنه فيلم كئيب،‮ ‬لأنه‮ ‬يظهر بعض الشخصيات الفقيرة المطحونة والمهزومة،‮ ‬وأن الفيلم ليس به مشاهد في فيلات فاخرة أو قصور،‮ ‬ولا حمامات سباحة ولا نساء شيك بملابس فاخرة وعارية تظهر صدوراً‮ ‬منفوخة،‮ ‬وأحداثه معظمها‮ ‬يدور داخل حارة شعبية عشوائية،‮ ‬بمدينة الإسكندرية،‮ ‬وبعضها‮ ‬يدور في شوارع القاهرة المزدحمة،‮ ‬يبقي كده‮ ‬بيسيء لسمعة مصر‮! ‬وسوف نتفق معهم في هذا الزعم لأن أفلاما مثل‮ »‬بداية ونهاية‮«‬،‮ ‬و»باب الحديد‮«‬،‮ ‬و»درب المهابيل‮«‬،‮ ‬و»القاهرة‮ ‬30‮« ‬و»الحرام‮«‬،‮ ‬يمكن وصفها بالكآبة والإساءة الي سمعة مصر لو طبقنا عليها نفس المنهج ونفس المعايير‮! ‬وبما أن النهاردة الخميس‮ ‬يعني آخر أيام المهرجان و الليلة‮ "‬ياعمدة‮" ‬سوف تعلن جوائز المهرجان،‮ ‬فأتمني وأتوقع أن تحصل‮ "‬سوسن بدر‮" ‬علي جائزة أفضل ممثلة،‮ ‬فهي تستحقها عن جدارة ولا‮ ‬ينافسها فيها إلا بطلة الفيلم الأيرلندي‮ "‬وكأني لم أكن هناك‮" ‬للمخرجة جوانيتا ويلسون،‮ ‬وهو بالمناسبة فيلم كئيب بمنطق من‮ ‬يعتقدون أن الأفلام تصنع فقط‮ "‬لزغزغة‮" ‬الجمهور،‮ ‬وسواء حصلت سوسن بدر علي الجائزة أم لا،‮ ‬فإن الحقيقة المؤكدة إنها قدمت بسلاسة شديدة دوراً‮ ‬شديد التعقيد،‮ ‬يؤكد أن تلك الممثلة لا تزال تحمل بئرا لا تنضب من الموهبة المتأججة،‮ ‬تحتاج فقط لمن‮ ‬يمنحها الفرصة للتعبير عن نفسها،‮ ‬وقد وجدت في دور الست فاطمة‮ ‬غايتها،‮ ‬وميزة فيلم الشوق أنه جاء في زمن لم‮ ‬يعد فيه للشخصيات النسائية مكاناً‮ ‬في السينما المصرية،‮ ‬ومعظم الأفلام التي تم إنتاجها في العشرين سنة الماضية،‮ ‬قامت بتهميش دور المرأة،‮ ‬أو وضعها في الدرجة الثانية او الثالثة حتي إن بوسترات الأفلام‮ "‬الأفيشات‮" ‬تكاد تخلو من صور النساء إلا فيما ندر،‮ ‬ويبدو أن حالة الكراهية الشديدة لسيرة المرأة الأنثي التي دفعت نساء مصر للاحتماء بالنقاب لإخفاء تضاريسهن وهويتهن الجنسية خوفاً‮ ‬من الاعتداء والتحرش والعنف الساكن في النفوس،‮ ‬هو ما قاد بعض المتهوسين إلي تشويه افيشات الافلام التي تظهر بها شخصيات نسائية،‮ ‬وكأنهم‮ ‬يريدون طمس النساء ومحوهن من الوجود تماماً‮ ‬وكأنهن مصدر الشرور والآثام كما كان‮ ‬يحدث في مجتمعات الجاهلية قبل الإسلام‮ "‬في الجزيرة العربية‮"! ‬ولا أنسي ما حدث مع أفيش فيلم‮ "‬سهر الليالي‮" ‬الذي قام بعض المرضي بتلطيخه بهباب أسود لطمس وجوه مني زكي وحنان ترك وجيهان فاضل وعلا‮ ‬غانم‮! ‬رغم أنهن كن‮ ‬يظهرن علي الأفيش بملابسهن كاملة‮! ‬ويبدو أن تلك الحالة المرضية لا تزال مستمرة،‮ ‬حتي الآن وهو الأمر الذي دعا البعض للهجوم علي فيلم‮ »‬الشوق‮« ‬قبل مشاهدته لمجرد وجود روبي بين طاقم التمثيل،‮ ‬مما دفع الفتاة المسكينة للشعور بحالة من الرعب أدي بها للانزواء والاختفاء وتجنب الظهور في الحفل الخاص للفيلم الذي‮ ‬يمثل مصر في مسابقة مهرجان القاهرة،‮ ‬لهذا الحد وصل الإرهاب الفكري والشطط والخلل النفسي الذي أصاب بعض من‮ ‬يعملون في مجال الصحافة والإعلام‮! ‬وحشد خالد الحجر لفيلم‮ »‬الشوق‮« ‬مجموعة من أصحاب المواهب الشابة منهم أحمد عزمي الذي لعب شخصية حسين الشاب المكافح المسالم الذي‮ ‬يشعر بالمسئولية عن المصير الذي أدي لسقوط حبيبته‮ "‬شوق‮" ‬في براثن الغواية،‮ ‬ومحمد رمضان الذي قدم شخصية سالم النموذج العصري للشاب اللامنتمي،‮ ‬الذي‮ ‬يتخلي عن أهله وحبيبته هربا من الفقر،‮ ‬وشوق الفتاة التي تبحث عن الحب والستر،‮ ‬وتسقط عنه بعد سلسلة من الإحباطات والازمات التي تشل إرادتها وتفكيرها،‮ ‬وشقيقتها كوكي التي تبدو أكثر جرأة وتمردا علي ظروفها،‮ ‬أما اهل الحارة فيبرز منهم أحمد كمال الصامت دائما،‮ ‬سيد رجب وسلوي محمد علي ودعاء طعيمة مجموعة من الممثلين لعبوا ادواراً‮ ‬قصيرة ولكنها شديدة الأهمية والتأثير،‮ ‬ومن العناصر الفنية المميزة للفيلم مدير التصوير‮" ‬نتستور كالفور‮" ‬الذي استخدم الاضاءة الطبيعيه للمكان،‮ ‬وموسيقي هشام جبر،‮ ‬ومونتاج منار حسني وإن كان الامر‮ ‬يحتاج منها لاختزال بعض اللقطات،‮ ‬وخاصة في مشاهد النهاية لتكثيف اللحظة الدرامية للوصول للكريشندو الاخير،‮ ‬وخروج شوق وشقيقتها من الحارة وهما تحملان صرة النقود‮! ‬فيلم‮ »‬الشوق‮« ‬سوف‮ ‬يثير عاصفة من الأحاديث عنه وحوله ولكنه‮ ‬يستحقها‮.‬