رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

يحيي خليل‮: ‬الثورة كشفت عن القبح الغنائي

مسرح

الأحد, 27 مارس 2011 10:37
أجري الحوار ـ أمجد مصطفي‮:‬

لا يعد الفنان الكبير يحيي خليل رائداً‮ ‬لموسيقي الجاز في مصر فقط،‮ ‬بل يعد أحد رواد التمرد علي الأشكال التقليدية في الموسيقي،‮ ‬لذلك عندما بدأ حياته الموسيقية كان يستطيع السير في اتجاه كل ما هو شائع في ذلك الوقت،‮

‬وكانت الكفة تميل وقتها للموسيقي العربية،‮ ‬لكنه اختار أن يسير نحو الأصعب،‮ ‬ويخلق من مصر أرضاً‮ ‬خصبة لمشروع موسيقي جديد عليها وهو الجاز ومنذ اليوم الأول لرحلته أيقن يحيي خليل أنه يحتاج للاحتكاك بمدارس أخري خارج القطر،‮ ‬وبالفعل اتجه إلي أمريكا،‮ ‬وعاد عام‮ ‬1979‮ ‬محملاً‮ ‬بأفكار أثرت الساحة الموسيقية والغنائية‮. ‬ومع قيام ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير التي شاهدها شباب مصر كان علينا أن نعود إلي واحد من الذين يؤثرون في فكر الشباب بموسيقاه لكي نسأله عن تلك الحالة الجديدة التي عاشتها مصر وشبابها،‮ ‬خصوصاً‮ ‬أنه عاش أياماً‮ ‬طويلة مع الثورة أيضاً‮ ‬بميدان التحرير‮.‬

‮< ‬سألته كيف تري حال مصر الآن؟

‮- ‬قال‮.. ‬أكثر إشراقاً،‮ ‬وأفضل حالاً،‮ ‬وأرجو من كل المصريين ألا يتعجلوا لأن القادم أفضل‮.‬

‮< ‬الثورة كشفت ليس عن الفساد السياسي فقط،‮ ‬بل كشفت أيضاً‮ ‬عن وجود فساد‮ ‬غنائي كيف تري هذا؟

‮- ‬بالفعل الثورة كشفت عن القبح الموسيقي والغنائي الذي عشناه لسنوات طويلة،‮ ‬حيث انتشر الفن‮ ‬غير المنتمي والرخيص والمبتذل والذي لا يعبر عن شيء‮.‬

‮< ‬بماذا تقصد الفن‮ ‬غير المنتمي؟

‮- ‬لكل مبدع حقيقي مشروعه الخاص به المستمد من حبه لفن معين،‮ ‬وهو يحاول أن ينميه،‮ ‬ويرويه بالتجارب والاحتكاك،‮ ‬لكن ما كان يحدث وأقصد به الفن‮ ‬غير المنتمي أن مصر تحولت خلال السنوات الأخيرة إلي ساحة وأرض لغير الموهوبين وحقول للنباتات الشيطانية،‮ ‬كل إنسان‮ ‬يستيقظ صباحاً‮ ‬ليفعل ما يريد لذلك ظهرت أصوات نشاز،‮ ‬وتربعت علي القمة أسماء لا تستحق بحكم أنها ضعيفة الموهبة،‮ ‬وفارغة المحتوي‮.‬

‮< ‬ماذا عن المرحلة القادمة؟

‮- ‬هي مرحلة التجديد،‮ ‬وسوف ينتشر الفن المحترم الذي يعبر عن الناس والمجتمع،‮ ‬وسوف يتبوأ المقدمة كل من نادي بالتغيير نحو الأفضل،‮ ‬وأُحبط خلال المرحلة الماضية بسبب الفساد الذي كان يقدم علي أنه فن‮.‬

‮< ‬هل تقصد أننا خلال الفترة الماضية لم نكن نجيد التعبير عن مشاكلنا بالموسيقي والغناء؟

‮- ‬الحكاية كانت تجارة،‮ ‬بمعني‮: ‬تحدث مشكلة في فلسطين،‮ ‬نجد مجموعة من الفنانين قاموا بتجميع أنفسهم،‮ ‬وصنعوا أوبريت مثلاً،‮ ‬وفجأة تكتشف أن الحكاية أكل عيش،‮ ‬وأن العمل مباع،‮ ‬الآن‮.. ‬الوضع اختلف لأن الأقنعة سقطت وأصحاب الأغاني الفاسدة انكشفوا وظهروا علي حقيقتهم،‮ ‬والجميل أن الثورة أفرزت‮ ‬غناء جديداً‮ ‬ومختلفاً،‮ ‬واستمعت إلي تجارب جيدة جداً‮ ‬رغم أن أغلبها لأسماء‮ ‬غير معروفة،‮ ‬وفرق جديدة‮.‬

‮< ‬لكن هناك نقداً‮ ‬شديداً‮

‬اتهم هذه الأعمال بضعف المستوي؟

‮- ‬ربما لأنها بسيطة،‮ ‬وهذه المرحلة لا تحتاج أكثر من ذلك،‮ ‬لكن من بين هؤلاء الشباب سوف يخرج من يصنع عملاً‮ ‬شأنه شأن‮ »‬وطني حبيبي‮«‬،‮ ‬لكن الذين كانوا مسيطرين علي الساحة خلال الفترة الماضية آخرهم تلك الأوبريتات الساذجة،‮ ‬أي أنهم كانوا يقدمون فناً‮ ‬فالصو ورخيصاً‮ ‬رغم أن المثل يقول‮: »‬مش كل اللي يلمع دهب‮«.‬

‮< ‬مؤسسات الدولة هل كانت تدعم الغناء الفاسد؟

‮- ‬بالفعل،‮ ‬كانت تدعم ما يخدمها،‮ ‬وليس ما يخدم المجتمع لذلك نستطيع أن نطلق عليه أن ما كان يقدم هو فن الدولة،‮ ‬وهذه المؤسسات كانت تدعمه من هذا المنطق،‮ ‬فإذا صنعت عملاً‮ ‬غنائياً‮ ‬يجب أن يمجد النظام،‮ ‬وإذا قدمت برنامجاً‮ ‬يجب أن يهتف للنظام،‮ ‬وإذا صنعت عملاً‮ ‬جاداً‮ ‬يقول كلمة ويقدم مفهوماً‮ ‬تجمد،‮ ‬وينكل بك،‮ ‬المؤسسات الفنية تدار في مصر بطريقة العزب‮.‬

‮< ‬إذن كيف تعود هذه المؤسسات للقيام بدورها؟

‮- ‬تغيير القيادات الموجودة،‮ ‬والبحث عن آخرين يحترمون العدالة،‮ ‬والكفاءة،‮ ‬ويعطون أصحاب المواهب كامل حقوقهم،‮ ‬نحن نريد أصحاب الكفاءة،‮ ‬وليس أصحاب الثقة،‮ ‬لأننا في الماضي كان صاحب الثقة هو الذي يحصل علي كل شيء،‮ ‬وبالتالي وجدنا فلاناً‮ ‬وزيراً‮ ‬لأن الرئيس يحبه،‮ ‬وهذا رئيس قطاع لأن الوزير يثق به،‮ ‬هكذا هي الدورة الوظيفية إلي أن تصل إلي الساعي والفراش‮.‬

‮< ‬الجهاز الإعلامي المصري الأغلبية تري أنه أحد أسباب الفساد الذي عشناه؟

‮- ‬التليفزيون الحكومي لم يقدم لنا سوي البرامج،‮ ‬والأعمال الدرامية التي تدعو إلي التخلف،‮ ‬لأنهم ليل نهار يبحثون عن شيء واحد،‮ ‬وهو‮ »‬التهليل‮« ‬للسلطة،‮ ‬لذلك انتشر الجهل بيننا،‮ ‬لأنهم حجبوا عنا الفن الذي يخاطب الوجدان،‮ ‬ويرتقي بالذوق العام،‮ ‬هذا كله لأنهم تبنوا الفن الهابط،‮ ‬وانظر إلي جوائز مهرجان الإعلام العربي وأنت تعلم ماذا يحدث في بلدنا،‮ ‬كل الأعمال الهايفة من برامج ومسلسلات حصلت علي جوائز‮.‬

‮< ‬هل تري أنهم أحد أسباب انهيار الأغنية؟

‮- ‬طبعاً،‮ ‬لأنهم كانوا يرفضون المشاريع الجادة،‮ ‬ويجرون خلف الهابط والمتدني،‮ ‬حتي الفنان الجاد كانوا يختارون الذي يغني للنظام والرئيس،‮ ‬وهو أمر مهين،‮ ‬وأنا أعتب علي كل الفنانين الجادين الذين انزلقوا إلي ذلك،‮ ‬لأن الفنان لابد أن يكون صاحب موقف حتي لو كان موقفه سلبياً،‮ ‬وأتصور أن الثورة الأخيرة كشفت عن العديد من

الأسماء التي اختفت من المشهد لأنهم كان يريدون إمساك العصا من المنتصف،‮ ‬فكانوا يخشون الانضمام للثورة،‮ ‬فيعود النظام ويقضي عليهم،‮ ‬وكانوا يخشون الانضمام للمؤيدين له فينتصر الشباب،‮ ‬وبالتالي يصبحون من المغضوب عليهم‮.‬

‮< ‬في رأيك‮.. ‬لماذا لم تنجب الثورة نموذجاً‮ ‬آخر للشيخ إمام؟

‮- ‬لو عايز مليوناً‮ ‬مثل الشيخ إمام عليك أن تعطي الناس حرية اترك الفنان يصنع ما يشاء‮.‬

‮< ‬أنت من المعاصرين للشيخ إمام كيف كنت تراه؟

‮- ‬الشيخ إمام كان موضة في فترة من الفترات،‮ ‬وكان قبلة للمثقفين،‮ ‬وأثناء وجودي في أمريكا كنت حريصاً‮ ‬علي اقتناء أعماله،‮ ‬وأعمال أحمد عدوية‮.‬

‮< ‬لكن عدوية عند ظهوره ولفترة طويلة كان ينظر إليه علي أنه نموذج للفن الهابط؟

‮- ‬عدوية كان شكلاً‮ ‬شعبياً‮ ‬فريداً،‮ ‬وكانت فرقته تضم أبرز العازفين،‮ ‬والنظرة التي كانت تنظر إليه كان سببها أن الغناء الشعبي مرتبط بالأحياء الشعبية وكانت الإذاعة والتليفزيون لا تقدم إلا أعمال حليم ونجاة وعبدالوهاب وأم كلثوم وأي مغنٍ‮ ‬آخر كانوا يعتبرونه نشازاً‮.‬

‮< ‬أنت أيضاً‮ ‬رغم انتماءك للجاز‮.. ‬هل قدمت أيضاً‮ ‬ملامح من الموسيقي الشعبية؟

‮- ‬هذا صحيح لأنني تأثرت بكل الأشكال الموسيقية‮: ‬البرازيلي والأرجنتيني واللاتيني والغجري،‮ ‬وكل دول أوروبا الشرقية‮.‬

‮< ‬متي قررت المزج بين الجاز والموسيقي الشرقية؟

‮- ‬بعد عودتي من أمريكا،‮ ‬لأنني طوال الوقت هناك كنت أفكر في لحظة العودة وكيف أعود بفكر جديد يلائم المرحلة‮.‬

‮< ‬كنت أحد أسباب ازدهار صناعة الكاسيت بعد عودتك أيضاً‮ ‬من أمريكا‮.. ‬والآن الصناعة تعاني من الانهيار‮.. ‬كيف تري الوضع؟

‮- ‬هذه الصناعة لن تعود إلا عندما يقدم إبداع جديد،‮ ‬وأفكار‮ ‬غير تقليدية،‮ ‬وأتصور أن الانهيار حدث لأن كل الذين عملوا بهذه الصناعة طوال الـ20‮ ‬سنة الأخيرة كانوا يستثمرون فكري الذي تحدثت أنت عنه‮.‬

‮< ‬لكنني أراك مستسلماً‮ ‬الآن ومبتعداً‮ ‬عن الكاسيت؟

‮- ‬أنا سعيد ومستمتع بما أقدم الآن وأنا أخذت قراراً‮ ‬منذ فترة بأن أعمل من أجل نفسي فقط‮.‬

‮< ‬ظاهرة يحيي خليل التي كانت تميز الأوبرا لماذا انكمشت؟

‮- ‬لأن نجاحي سبب القلق للبعض داخل الأوبرا،‮ ‬وبالتالي كانوا يتفننون في كيفية عرقلة مسيرتي،‮ ‬لأنهم تصوروا أن نجاحي يهدد بقاءهم،‮ ‬وباعتبارهم أصحاب المحل فعلوا ما أرادوا،‮ ‬لكنني مازالت متواجداً‮ ‬والحمد لله‮.‬

‮< ‬في كثير من ملامح كلامك أشعر بحزن ومعاناة؟

‮- ‬تعرضت لكل ألوان المعاناة منذ قدومي من أمريكا،‮ ‬في البداية عندما ذهبت للمسئولين عن ماسبيرو وعرضت تقديم برنامجاً‮ ‬عن الجاز كانوا ينظرون إلي‮ ‬علي أنني مجنون،‮ ‬وعندما حققت حفلاتي نجاحاً‮ ‬كبيراً‮ ‬بدأ أبناء المسئولين‮ ‬يتابعونها،‮ ‬وبالتالي بدأ المسئولون أنفسهم يعرفونني،‮ ‬فوافقوا علي البرنامج،‮ ‬ثم فجأة وبعد فترة عدت لنفس المعاناة‮. ‬البرنامج بعد أن كان‮ ‬يقدم في العاشرة مساء الخميس،‮ ‬أصبح الأحد ثم الثلاثاء ثم الأربعاء ومن منتصف الليل وصل إلي الساعات الأولي من النهار،‮ ‬وتكررت المعاناة في الأوبرا،‮ ‬لأن فاروق حسني كان قد وقع علي عقد ينقل تبعية فرقتي لدار الأوبرا،‮ ‬لكن القرار تم تجميده،‮ ‬ما تحملته منذ عودتي من أمريكا لا يتحمله بشر،‮ ‬لكنني سعيد بهذا،‮ ‬لأنني من اليوم الأول في حياتي قررت شيئاً‮ ‬واحداً،‮ ‬وهو ألا أفعل ما لا أحب،‮ ‬وأنا أحب الجاز،‮ ‬وأجمل شيء في الحياة هو أن يكون الإنسان نفسه،‮ ‬ومهما حاول البعض سرقتي فلن يستطيعوا لأن الجازهو روحي،‮ ‬وبالتالي لا يمكن لأحد أن يسرق روحك‮.‬