رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المسرح الغنائى أغلق أبوابه بعد انقلاب محمد نوح

مسرح

الاثنين, 03 سبتمبر 2012 22:23
المسرح الغنائى أغلق أبوابه بعد انقلاب محمد نوح
كتب - نادر ناشد :

في أعقاب هزيمة 1967، مثل كل المثقفين الملتزمين، تغيرت مفاهيم محمد نوح وأحس أن فنه لابد أن يكون للعامة في المحافظات والمقاهي والقري والنجوع ولم يكتف بجولات المثقفين ولكنه اقترب نفسيا من مسرح الشارع خاصة أن هذه النوعية لاقت نجاحا كبيرا في نيويورك الأمريكية علي يد كثيرين؛

ومنهم من اكتفي بالجولات الداخلية ومنهم من تشبث بالمفهوم التقليدي لمسرح الشارع الذي يختلف عن المسرح المتجول وحدث أن استمر مسرح برتوليوتش في إحدي ضواحي نيويورك بنجاح كبير منذ يناير 1957 حتي آخر الثمانينيات من القرن الماضي، وتوالت المسرحيات من الكلاسيكي حتي الفانتازيا حتي التجريدي ولكن السائد كان الانتقاد الساخر خاصة من تأليف الشاعر اليساري چون بيلادوري والشاعر أدولف برايل وهو أحد المشاركين في حرب أمريكا في ڤيتنام.
وكان معارضا صريحا ضد سياسة رؤساء أمريكا بدءا من چونسون حتي توالت انتقاداته في قصيدة السفاح التي وصف بها نيكسون بأنه سقطة أمريكية لا يصلحها سوي غيابه عن الساحة.. وكان المسرح التقليدي قد تأثر بمسرح الشاعر برغم أنه بدأ نافيا له تماما، ولم يعترف به إلا بعد أن فازت مسرحية «اعتراض اعتراض» تأليف وليم ريجارد وإخراج ساندي براون، عام 1979 حيث وصف رؤساء أمريكا بالماڤيا، وبعد مشاركة المسرحية في مهرجان برلين المسرحي وفوزها بالجائزة الأولي تم عرضها في أكبر مسارح نيويورك عام 1980 وبدأت مسارح أمريكا تستضيف النصوص التي كانت مرفوضة من هذه النوعية سواء من نوعية النقد

الاجتماعي أو الذاتي أو ما يسمي بالكباريه السياسي.
في مصر حاول مجموعة من المسرحيين اقتحام مسرحهم في القري ودخل يوسف إدريس في السامر الشعبي وبدأ محمود دياب في مسرح القرية ونجح ناجي چورچ في تكوين فرقة مسرح القهوة مع الفنان الكبير عبدالرحمن أبوزهرة وخلاله قدما أعمالا مسرحية ناجحة اتسمت برفض السياسات المطروحة ونقد سلسلة القرارات التي وصلت بمصر الي هزيمة 1967 وفي هذه الأوقات شارك محمد نوح في هذه النوعية التي رأي أن عائدها سيكون ناجحا وأكثر فائدة في الوصول لأكبر عدد من الجماهير ولعل قصيدة نزار قباني «هوامش علي دفتر النكسة» كانت سباقة في نشر هذا الإحساس بالرفض وتم تهريبها من شاب لآخر حتي صارت هي قاموس الاعتراض في هذا الوقت، لكن محمد نوح لم يشأ أن يعلن رفضه بهذا الأسلوب المعاصر فقط بل رأي أن يدعم فنه بتراث سيد درويش الذي عشقه وتعلم منه واعتبره أبوالتجديد في موسيقي العرب الحديثة.
كان محمد نوح ثائرا لا يري أن فنوننا يمكن أن تتطور بدون البعد التراثي والتراث الشعبي، وقد بدأ محمد نوح حياته الفنية بإحياء تراث سيد درويش من خلال مسرحية استعراضية غنائية كبيرة هي «سيد درويش» قدمها عام 1966 وسافر بعدها الي
الولايات المتحدة الأمريكية ليدرس في جامعة ستانفورد قسم التأليف الموسيقي، وعرف هناك بأنه أخلص حفيد لسيد درويش فقد اعتنق فكرة التجديد من خلال الموروث وهي الفكرة التي تعاظمت بعد 1967 في كل فنوننا بدءا بالقصيدة الشعرية وصولا للمسرح والرواية والسينما والأغنية.. ولهذا فحين عاد محمد نوح من أمريكا بعد النكسة أراد أن يعيد تقديم مسرحية «سيد درويش» وإحياء مسرح الشارع وتقديم مسرحية من الشعر الانتقادي «شدي حيلك يا بلد» ولكن أعلي مشاريع محمد نوح المسرحية كانت فوق مسرح الفنان الكبير جلال الشرقاوي حين أخرج له مسرحية «انقلاب» في أوائل التسعينيات بطولة نيللي وإيمان البحر درويش.
عن نص الشاعر الراحل صلاح جاهين وهو نص انتقادي صارخ ولعل هذه المسرحية إحدي ثمار عزلة صلاح جاهين بعد هزيمة 1967 حيث اعتزل الحياة العامة والسياسة وخطط للعودة الي قريته ليعيش فيها حتي نهاية عمره، لكن القدر لم يمهله وتناثرت أيامه بين تكرار المرض والسفر للعلاج حتي رحل يوم 21 أبريل عام 1986 تاركا في تراثه الي جانب اشعاره الخالدة سبع مسرحيات شعرية ما بين خفة ظله وبين النقد السياسي الساخر إلا أن «انقلاب» كانت قمة ما كتب وكان محمد نوح عاشقا لهذا النص المسرحي ويتوق لتنفيذه ويذكر أنه لحنه في شهور قليلة ولكنه لم يسجل اللحن إلا بعد أن اطمأن أن الفنان الكبير جلال الشرقاوي قد شرع بالفعل لإخراج هذه المسرحية الصعبة الذي حولها الشرقاوي الي عمل مسرحي غنائي عالمي، لاتزال أصداؤه تعيش بيننا وإن كنت أتمني من المخرج الكبير أن يعيدها فوق مسرحه ليعرف الأجيال الجديدة كيف كان الذوق المصري في زمن الفن الحقيقي.
رحم الله محمد نوح (8 يناير 1937 - 5 أغسطس 2012) فقد كان ثائرا بكل ما تحمل الكلمة من صدق وأعمال خالدة تتجدد لأنها من لحم ودم.