رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ماجد الكدوانى "اللى يخاف من العفريت يطلعله"

مسرح

الخميس, 08 مارس 2012 10:00
ماجد الكدوانى اللى يخاف من العفريت يطلعله
كتبت: ماجدة خيرالله

كانت عربات الأمن المركزى تقف أمام باب مسرح ميامى، لتتصدى لوقفة  احتجاجية من موظفى وعمال إحدى شركات المقاولات الكبرى التى تقع مكاتبها فى منطقة وسط البلد، الشارع

مزدحم والمتظاهرون يفترشون الأرصفة والمرور شبه متوقف، ومع ذلك فلم ينقطع تدفق الجمهور على مسرح ميامى لمشاهدة مسرحية «فى بيتنا شبح»!! هل هو الشغف بمتابعة عمل مسرحى تشتم جودته من أسماء صناعه؟ هل هو سحر نجومية المؤلف أم المخرج أم نجوم العرض؟ لا أعرف أيهما الإجابة الصحيحة، ولكن أنا شخصياً لا أذكر آخر مرة حضرت فيها عرضاً مسرحياً أضاف لى هذا الكم من المُتعة «والانبساط» وفوقهم حالة من الارتياح والاطمئنان، لأنه لايزال لدينا من الفنون ما نستطيع أن نقاوم به الأمواج المُتلاطمة من الإحباط ومظاهر التخلف، وخفافيش الظلام التى انطلقت فجأة من كهوفها لتملأ حياتنا رعباً وتهدد بإعادتنا إلى زمن سحيق ليس فيه أثر لأى شكل حضارى! تعجبت عندما قرأت أن لينين الرملى كتب تلك المسرحية فى عام 2005، وأن ظروفاً عدة حالت دون تنفيذه، ولكنك سوف تشعر كما شعرت وكأنه كتبها من أيام قليلة، وضمنها تفاصيل ما يحدث منذ قيام ثورة يناير وحتى اللحظة الراهنة!
< هل لديك أى شك فى أن هناك من يحاول أن ينشر الرعب فى نفوس الشعب المصرى، الُرعب من مجهول، شبح غير واضح المعالم الكل يتحدث عنه، ولم يره أحد ولكن عوامل الجهل والخوف مضافا إليها التآمر جعل الشبح وكأنه حقيقة لا تقبل الشك، وعليك أن تقنع بالاستسلام للخوف وتترك مكاسبك وكنوزك وحقوقك لينعم بها من أثار فيك كل هذا الرعب،بينما تطلق سهام غضبك وكراهيتك على من يحاول أن يُفيقك ويلفت نظرك لأن هذا الشبح الذى يخيفونك به ليس له وجود إلا فى مخيلتك! قصر الجد الراحل هو الديكور الأساسى، للمسرحية التى أخرجها عصام السيد من تأليف لينين الرملى، يصل محامى العائلة للقصر الفخيم المهجور،

الذى يعتبر من التحف الأثرية النادرة، الذى يبدو أن وجوده فى حد ذاته فاضحاً لتخلف ما حوله من مبان، حيث تمت إقامته فى مرسى مطروح، وقد هجره الجد إلى سويسرا التى عاش بها حتى وفاته، ويصل الأحفاد إلى القصر تلبية لدعوة محامى الجد، ليقرأ عليهم وصيته، ويقدم لهم ما تركه من إرث، ورغم أن الأحفاد يكاد أحدهم يعرف الآخر بصعوبة فقد فرقتهم الحياة، لسنوات طوال، وربما بعضهم لم يلتق بالآخر طيلة حياته ولم يفكر فى البحث عنه أو الاهتمام لأمره، ولكنهم اجتمعوا على كل الأحوال من أجل تقسيم ميراث الجد فيما بينهم! سبعة أشخاص تدل أسماء بعضهم على صفته، أو ضد صفته فحازم كاتب سياسى ليس له لون ولا يُحدد أبداً وجهة النظر التى يميل إليها أو يؤمن بها! أما شقيقه الأصغر «فخر» فهو يعانى من هلاوس ومخاوف تحيل حياته جحيماً ويعتقد أن أشباحاً تطارده وتتربص به، وهو نقطة الضعف التى من خلالها تسلل الخوف لبقية الورثة لأنه الوحيد الذى يدعى أنه يرى أشباحاً، بالقصر وخوفه المفرط انتقل بالإيحاء للآخرين حتى صار الشبح وكأنه واقع لا مجال لإنكاره، أما عز «أشرف عبد الغفور» فهو رجل أعمال شره وانتهازي، نهب من البنوك مئات الملايين فى صورة قروض، لم يردها، ومع ذلك فهو أكثر الطامعين فى ميراث الجد، محاسن «سلوى عثمان»، تركت قيادة أمرها لزوجها درويش «سامى مغاورى» الذى يدل اسمه على طبيعته، فهو قادم من الخليج مشبعاً بأفكار عفى عليها الزمن، لم تأخذ من الدين إلا مظاهر عفى عليها الزمن، وهو يناطح الجميع للحصول على نصيب زوجته فى ثروة جدها
التى ستئول حتماً إليه باعتباره وصياً عليها! وفيق «ياسر الطوبجى» شاب روش ليس له هدف واضح فى الحياة وينتظر أن يقوده الآخرون، ولكنه فى أوقات الشدة كى يميل إلى الحق والمنطق، وحده منصور «ماجد الكدوانى» الذى يحمل روحا ثورية، صافية عذبة، يرى الدنيا جميلة، رغم كل القبح الذى يحيط به، ولكنه يؤمن من داخله بأن القادم لابد أن يكون أفضل، يحب ابنة عمه «أمل» ويتمنى أن يتزوجها، ويشاركها أحلامه الصغيرة، المنطقية، مفعم بالحياة والحب والنقاء، وحده الذى يقاوم فكرة وجود أشباح فى منزل الجد، وهو الأمر الذى دفع لفكرة محاولة بيع القصر، أو تأجيره أو تركه مهجوراً، ليُدار لمصلحة بعض البدو، المسلحين، الذين أشاعوا الخوف والذعر فى نفوس الورثة لدفعهم لليأس والقبول بترك القصر، ولما وجدوا مقاومة من جيل الشباب من الأحفاد، قرروا التعامل بضراوة وحرق القصر لدفعهم للهرب، ويبقى منصور يقاوم ويستصرخ الجميع للمساعدة فى إنقاذ قصر العائلة الأثرى!
لم يحاول الكاتب لينين الرملى أن يشرح أفكاره أو يبرر مواقف أبطاله، أو حتى يضع خطوطا عريضة تحت المواقف الدالة على المعنى ولكنه ترك الأمر لذكاء المُشاهد، ليلتقط من بين الأحداث الرسالة التى أرادها أن تصل، وقدم المخرج عصام السيد عرضاً مثيراً وممتعاً للغاية، واستخدم ألواناً من المؤثرات السمعية والبصرية لخلق حالة من الرعب ليس فى نفوس شخصيات المسرحية فقط، ولكن انتقل الرعب للمشاهدين أيضا، وتعتمد المسرحية على الضحك الذى ينطلق نتيجة الشعور بالرعب، خاصة عندما تكتشف أن ما كان يثير خوفك هو محض خيال، أو نتيجة خدعة تعرضت لها، الانتقال السريع بين مشهد وآخر أدى إلى سرعة الإيقاع، وتدفق الأحداث واستخدم المخرج بعض الأساليب السينمائية للتعبير عن مرور الحدث «فوتومونتاج» وذلك أثناء تفقد الأحفاد لمكتبة الجد، وقراءة مذكراته بحثاً عن مكان الكنز الذى تركه! ومن العناصر التى ساهمت فى إنجاح العرض الديكور والموسيقى والإضاءة، التى تم استخدامها بعناية لزيادة جرعة التوتر والتشويق، أما الممثلون فقد برز من بينهم سلوى عثمان» رغم زيادة حجمها بشكل ملفت»، وأشرف عبدالغفور، وياسر الطوبجى وكان سامى مغاورى مفجراً للكوميديا ببساطة وعذوبة وتلقائية، أما ماجد الكدوانى فقد أضاف للعرض بسحر أدائه وتألق موهبته وخفة حركته، وتقلب مشاعره بين الثقة الشديدة بالنفس، والاستسلام للضعف والخوف، وقدرته على الأداء الغنائى السليم، إنه يُؤكد مع شخصية منصور أنه لديه مخزون هائل من الموهبة لم يكشف عنه حتى الآن!