رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قدمت السينما "العاهره" دون ابتذال!

"ركلام"يستنسخ مشاهد من السينما المصرية والأمريكية

مسرح

الأربعاء, 22 فبراير 2012 16:38
ركلاميستنسخ مشاهد من السينما المصرية والأمريكية
كتبت: ماجدة خير الله

تجارة الجسد أقدم مهنة فى التاريخ، وهى تجارة تعتمد فى المقام الأول على جسد المرأة التى يطلقون عليها أسماء متعددة الكثير منها غير مهذب والمقبول تداوله

أنها بائعة هوى، أو عاهرة وهى تبيع جسدها لراغبى المتعة «الجنسية» الحرام لمدة زمنية محددة مقابل أجر، يقتسمه معها الوسيط، والغريب أن هذه التجارة تنتشر فى البلدان المنتعشة اقتصاديا، التى تؤمن بالحرية الشخصية بلا قيود ومنها الحرية الجنسية، كما تنتشر فى البلدان الفقيرة، التى تمارس كل ألوان القهر على مواطنيها «السياسى والدينى والشخصى»، وطرفا العلاقة امرأة فى حاجة للمال، ولاتجد سبيلاً للرزق غير المتاجرة بجسدها، ورجل يريد ان يفرغ طاقته الجنسية بشكل عابر، وهو فى الغالب يعانى من أزمات نفسية وانحراف سلوكى، يمنعه من إقامة علاقة طبيعية فى إطار مشروع! وقد اهتم الأدباء الفنانون بشخصية العاهرة، وقدموها فى عشرات بل مئات الأعمال الفنية والأدبية، فى محاولة للغوص فى الظروف القهرية التى تدفع المرأة الى إهانة جسدها، والحط من قيمة نفسها، وقد مالت معظم المعالجات الفنية الى التعاطف مع هذه النوعية من النساء على اعتبار أن ظروفاً قهرية هى التى دفعتهن الى ذلك، ومن أشهر الأعمال الأدبية العالمية التى تناولت شخصية العاهرة، غادة الكاميليا ألكسندر دوماس، والمومس الفاضلة «جان بول سارتر»، وفى أدبنا العربى قدم نجيب محفوظ شخصية العاهرة فى أكثر من رواية كانت أشهرهن «نفيسة» فى بداية ونهاية، و«ريرى» فى السمان والخريف.

أما السينما فقد تعاملت مع نموذج المرأة العاهرة فى أفلام عده تفاوت مستواها بين الفنى الراقى الذى يقدم الحالة بدون ابتذال، وبين الفجاجة المفرطة التى تكاد تتشابه مع العهر نفسه، وللسينما المصرية باع كبير مع تلك النوعية من الأفلام وكانت الميلودراما هى الإطار السائد لمعظمها، وربما يكون المخرج حسن الإمام صاحب ريادة فى تقديم تلك الأفلام وأشهرها فيلم الجسد الذى قدم من خلاله الفنانة الراحلة هند رستم، وإن كانت أفلامه لا تخلو من موعظة أخلاقية تؤكد أن النهاية «السودة»، هى النتاج الطبيعى «للمشى البطال»، ولكنه لم يهتم فى افلامه برصد الظروف الاجتماعية والسياسية التى تؤدى الى انتشار تجارة الجسد فى مجتمع ما، غير أن الراحل صلاح ابو سيف من خلال تعامله مع روايات نجيب محفوظ كان أكثر عمقاً وحرفية، وفى واحد من أروع أفلامه «القاهرة ثلاثين» عقد مقارنة موضوعية بين تجارة الجسد، وتجارة المبادئ من خلال شخصية «إحسان» التى قدمتها سعاد حسنى، وشخصية محجوب عبد الدايم «حمدى أحمد»، وفى هذا الفيلم يصعب أن تدين سلوك إحسان، دون أن تدين المجتمع نفسه الذى أفرز تلك الشخصية، وحول فتاة جميلة وبريئة الى امرأة تبيع جسدها لرجل ثرى مقابل أن تتمتع بحياة مرفهة تنقذها وأسرتها من الفقر المُدقع!

ويختلف أداء كل ممثلة لشخصية بائعة الهوى، باختلاف ثقافتها ودرجة وعيها وموهبتها، فَمّن تفتقد الموهبة تعبر عن الشخصية بفجاجة وقحة تؤدى للتقزز والقرف، والعكس صحيح، فهناك ممثلات قديرات لعبن تلك الشخصية بدون أى ابتذال، ولاتملك إلا أن تتعاطف مع شخصية نفيسة كما قدمتها القديرة سناء جميل فى بداية ونهاية، أما فاتن حمامة فقد قدمت تلك الشخصية فى أكثر من فيلم منها طريق الأمل إخراج عز الدين ذو الفقار وبطولة شكرى سرحان ورشدى أباظة، ثم عادت وقدمتها بدرجة أكثر نضجاً و«شياكة» فى فيلم الخيط الرفيع!

مناسبة المقدمة السابقة كانت ضرورية قبل الحديث عن فيلم «ركلام» للمخرج على رجب، وهو الفيلم المُرتقب، الذى تضع عليه غادة

عبد الرازق كل أحلامها، معتقدة أنها سوف يدخلها تاريخ السينما من أوسع الأبواب، ولكنه غالباً سوف يكون سبباً منطقيا لخروجها منها بأسرع ما كانت تتخيل! وفى رأيى الشخصى الذى ذكرته  فى أكثر من مناسبة، أن غادة عبد الرازق تتمتع بموهبة حقيقية، كانت تؤهلها لمكانة أفضل، ولكنها قررت بمحض إرادتها، أن تسير فى طريق بلاعودة، معتقدة أنها يمكن أن تكون النموذج المعدل من نادية الجندى، دون أن تضع فى الاعتبار فرق التوقيت، والمتغيرات الكثيرة التى حدثت فى المجتمع المصرى، الذى يجعل من طريقة نادية الجندى فى التمثيل مجرد فولكلور! يشابه فن الأراجوز المُنقرض، بالإضافة إلى أن نموذج الأنثى القاتلة «FEMM FATAL» قد انتهى من السينما العالمية فما بالك بالسينما المصرية، يعنى نموذج المرأة المثيرة لم يعد صوفيا لورين ومارلين مونرو، وجينا لولو، بأجسادهن واضحة التضاريس الأنثوية، ولكن أنجيلينا جولى التى تشبه العصا، أو جوليا روبرتس وآن هيثواى، ونتالى بورتمان فالإثارة  تقدم فى السينما المعاصرة بملامح الوجة، والأمر لا يحتاج للأحجام الضخمة، بتاعة زمان فقليل من اللحم يكفى، إلا أن غادة عبد الرازق استهلكت موهبتها فى أعمال تليفزيونية أقل من المتوسطة فنياً، وأغراها بعض النجاح الجماهيرى الذى صادفته فى الباطنية والحاجة زهرة بالاستمرار فى تقديم تلك النوعية، وأعتقد أن دورها فى كف القمر أفضل مائة مرة من ركلام، رغم اعتراضها وغضبها على مساحة دورها فى الأول، وإعجابها بدورها فى الثانى، والأمر لا يختلف مع رانيا يوسف التى تجاهلت موهبتها التى أعلنت عن نفسها فى مسلسل «الحارة»، وأعجبتها لعبة الإثارة مُعتقدة أنها سوف تفتح عكا، بمثل تلك الأدوار التى لاتحتاج فى الحقيقة الى موهبة فى التمثيل، ولكن إلى مجموعه من الملابس الساخنة، وشوية رقص وماكياج صارخ!

واضح أن السيناريست مصطفى السبكى، قد تأثر كثيراً ببعض أفلام السينما المصرية القديمة، ولم يلحظ أن تلك الأفلام يحفظها المشاهد عن ظهر قلب من كثرة مشاهدتها، وفكرة نقل مشهد من فيلم ناجح مثل «غروب وشروق»  يدل على درجة عالية من الاستسهال، والاستعباط خاصة ان ذاكرة المتفرج المصرى لا يمكن ان يسقط منها مشهد إبراهيم خان وهو يدخل حجرة نوم صديقه رشدى أباظة، ويجد زوجته سعاد حسنى فى فراشه، فتصيبه الصدمة بحالة هيسترية تدفعه لسحبها من الفراش وهى بقميص النوم، للشارع ويلقى بها أمام والدها «محمود المليجى» مدير القلم السياسى «المخابرات» فى سنوات ماقبل ثورة يولية! ولأن الموقف فى فيلم ركلام مفتعل اصلاً، فلا يمكن أن تشعر بأى تعاطف مع رانيا يوسف التى كانت تلعب شخصية فتاة متحفظة، تتمنع على خطيبها ولاتتركه يقترب منها أو يلمس يدها، فإذا بها تتحول الى بغى، وتقضى ليلة فى قصر أحد الأثرياء الذى يعمل خطيبها سائقاً لديه، ويكلفه الثرى بأن يصطحب الغانية الى منزلها، فيصعد الخطيب الى حجرة نوم سيده، حيث يجد فى فراشه خطيبته صاحبة الصون والعفاف تتقلب فى الفراش محاولة تقليد سعاد حسنى التى أدت نفس المشهد ببراعة، وطبعا

لايؤثر فيك هذا المشهد بأى درجة اللهم أنه يثير داخلك كماً هائلاً من الشفقة على من اعتقد أنه يستطيع أن يحاكى واحداً من أهم مشاهد السينما المصرية فى عصرها الذهبى! ولايكتفى السيناريست بالنحت من كلاسيكيات السينما المصرية ولكنه أيضا يسرق مشهدا من فيلم امرأة جميلة لجوليا روبرتس وريتشارد جير، وذلك عندما يلتقط صبرى فواز رجل الأعمال  غادة عبد الرازق من الشارع، ويطلب منها أن تمكث معه ثلاثة أيام، فلا تمانع ولكن تقول له ببراءة محاولة تقليد جوليا روبرتس أنا بآخد فى الساعة كذا يبقى لو قعدت معاك ثلاثة أيام يبقى آخد كذا، فيضحك الرجل ولا يمانع ويخرج كل ما فى جيبه، ثم يقدم الفيلم مشهدا الخالق الناطق ماقدمته جوليا روبرتس فى امرأة  جميله وهو مشهد البانيو الذى ملأته بفقاقيع الصابون وأخذت تمرح فى سعادة وكأنها عمرها ما استحمت، أضف الى ذك مشاهد ذهابها مع الثرى الى أغلى محلات بيع الملابس المخصصة للطبقات الراقية!

تدور أحداث فيلم «ركلام» حول أربع فتيات يتحولن الى عاهرات، يعملن لحساب صاحبة ملهى ليلى «علا رامى»، تعتبرهن بضاعة تتاجر فيها لتحقق
أكبر المكاسب، وتبدأ الأحداث بالقبض على الفتيات فى قصر أحد الأثرياء ويتم اصطحابهن وكل منهن ملفوفة فى ملاءة السرير الذى كانت تمارس عليه الرذيلة، وعن طريق الفلاش باك نتعرف على طريقه سقوط كل منهن، شادية «غادة عبد الرازق» يدفعها الفقر وتسلط زوج الأم، الى الزواج من رجل لاتطيقه وتنتهى علاقتها به الى الانفصال وتخرج من الزيجة بطفل يموت، ويترك فى قلبها حسرة، ولاتجد أمامها سوى طريق الغواية، بعد أن ضاقت بها الدنيا، وفى مشهد آخر منحوت بتصرف من فيلم «ليلة ساخنة» للمخرج الراحل عاطف الطيب، تذهب «شادية» مع شاب يصطحبها فى سيارته لقضاء ليلة حمراء، مقابل مائة جنيه، وعندما تذهب لشقته تجد لديه شلة من الأصدقاء، فلا تمانع فى التعامل معهن بشرط ان يدفع كل منهم المائة جنيه، وعندما يفرغون منها، ينهالون عليها ضربا وركلاً ويستولون على نقودها ويلقون بها فى الشارع! طبعا لايمكن مقارنة هذا الموقف كما جاء فى ركلام، بالأصل الذى قدمته لبلبله مع حسن الأسمر فى فيلم «ليلة ساخنة»! أما رانيا يوسف فهى تتحول الى عاهرة بعد أن تلتقى بصديق لها، كانت تعرفها من أيام الدراسة، فإذا بها تمتلك سيارة فاخرة، وترتدى أغلى الثياب، وعندما تسألها ببراءة من أين لك كل هذا، تخبرها الصديقة أنها تعرفت على أحد الاثرياء، وتنصحها الصديقة بأن تعمل ركلام فى أحد الملاهى الليلية، وتطمئنها أنها لن تخسر شيئاً وكل ما عليها أن تقوم تهز وسطها هزتين اثناء غناء مطرب الكباريه! وطبعا تنزلق الفتاة الى الخطيئة بعد الهزتين عندما تكتشف ان المقابل المادى يستحق التضحية بالشرف! أما الفتاة الثالثة فهى ابنة أسرة كانت ميسورة إلا أن والدها يتعرض لأزمة مالية فلا تجد أمها «مادلين طبر» فى ان تعمل هى وابنتها فى الدعارة! وفى نهاية تتشابه إلى حد كبير مع نهاية فيلم «احنا التلامذة» للمخرج عاطف سالم تقف بطلات الفيلم فى قفص المحكمة بالملابس البيضاء ليستمعن الى حكم القاضى الذى «يطُُُسُهن» أربع سنوات للواحدة!

كنت قد شاهدت مؤخرا الفيلم الأسترالى «الجمال النائم» للمخرجة جوليا لى  وبطولة «إيميلى بروونج» وهو الفيلم الذى شارك فى الدورة الاخيرة من مهرجان كان التى أقيمت فى مايو الماضى، وتدور أحداث الفيلم حول «لوسى» وهى فتاة جامعية، تتمتع بجمال ساحر وبراءة، وتعمل فى عدة أماكن لتجنى بعض المال الذى يساعدها على دفع مصاريف الجامعة والشقة التى تشارك فيها إحدى زميلاتها، وذلك نظرا لفقرها الشديد، وانفاصلها عن أمها، وتستجيب لوسى لإعلان نشرته سيدة مجتمع تطلب فيه فتاة لها مواصفات خاصة، وعندما تذهب لقصر السيدة تكتشف انها تدير مكاناً لممارسة الدعارة، ولايرتاده إلا رجال من علية القوم، معظمهم عجائز، وتقبل الفتاة لوسى أن تعمل لحساب السيدة، ويتم تدريبها وكأنها تتلقى دروساً فى كيفية التعامل مع الكمبيوتر، مع ملاحظة أن الفيلم لم يقدم أية مشاهد تثير التقزز، وتشترط السيدة أن تعطى الفتاة أقراصاً منومة، حتى لا تتعرف على شخصية الرجال الذين سوف يتعاملون معها، المهم أن الفيلم الذى تدور أحداثه فى مكان مخصص لممارسة الرذيلة، لا يشعرك بأي متعة بصرية، وهو الفرق الكبير بين فيلم مثل «ركلام» وآخر مثل الجمال النائم!