فى هلاْ لوين

الرجال يشعلون الحروب والنساء تطفئها!

فن

الخميس, 05 يناير 2012 10:00

كتابة عمل فنى للسينما أو للتليفزيون يختلف تماماً عن الكتابة للصحافة، فالأخيرة تحتاج الى السبق وملاحقة الأحداث، وربما التفرد، أما العمل الفنى

فهو يحتاج الى تأمل العلاقات الإنسانية بين مجموعة من البشر يجمعهم المكان أو الزمان أو الاثنان معاً، وقد يليق أن تتعامل مع حدث مر عليه سنوات أو قرون، وتنفعل به وتقدمه فيبدو أكثر صدقاً من التعامل مع حدث مر عليه أيام أو ساعات، قياس جودة  العمل الفنى يحكمه درجة الإبداع والصدق وليس السبق! هذا رد على سؤال يتردد بإلحاح يؤكد عدم إدارك السائل لطبيعة العمل الفنى، وهو متى نشاهد فيلماً أو مسلسلاً يتناول أحداث ثورة يناير؟ وإن كنت ناسى أفكرك أن أول فيلم يتعامل مع ثورة يوليو 1952، جاء بعد ثلاث سنوات من قيام الثورة، وكان «رد قلبى» المأخوذ عن رواية ليوسف السباعى هو الأسبق فى التعامل مع الحدث، ولكنه ليس الأفضل، حيث غلب عليه الطابع المليودرامى الدعائى، وسذاجة الطرح، ولكن من فرط عرض الفيلم فى كل عيد للثورة، ابتلعنا ما به من مبالغات، يضحك عليها الجيل الجديد، ويتندرون بحوار الفيلم وشخصياته، التى يصعب بل يستحيل أن تتخيل وجودها على النحو الذى قدمه المخرج «عز الدين ذوالفقار»، أما أجمل فيلم  قدمته السينما المصرية عن ثورة يوليو فقد تم إنتاجه بعد اثنى عشر عاماً من  قيامها وهو «غروب وشروق»، للمخرج كمال الشيخ، وبطولة سعاد حسنى ورشدى اباظة ومحمود المليجى!
وعلى هذا لا تنتظر أن تشاهد فيلماً عن ثورة يناير 2011 قبل عام أو اثنين على الأقل، وعدا ذلك فتوقع محاولات ساذجة لملاحقة الحدث، ولكن فى الفن لا يصلح أن تطبق مقولة «اللى سبق كل النبق» ولكن يمكن أن تقول اللى صدق وأبدع وإن كنت أرى أن النبق، ليس المكافأة المناسبة للإبداع!
فى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، بدأت أول ملامح الحرب الاهلية فى لبنان، هذا البلد الجميل الذى

كنا نعتقد ان أهله لا يعرفون إلا الغناء والرقص، وإذا بحالة من العراك والاقتتال والصراع الطائفى، تدمر لبنان وتحول أراضيه التى اشتهرت بأشجار الأرز والصنوبر، إلى برك من الدماء، وبدا أن السلاح أصبح متاحاً فى أيدى الصغار والكبار، بعد أن صار القتل على الهوية، وخرجت من لبنان بعد سنوات الحرب، بعض الأفلام التى تقدم وجهات نظر مختلفة ومتباية حول تلك الكارثة القومية، منها الفيلم الجميل الذى شاهدته مراراً بيروت الغربية، تأثرت الفنون والآداب بحرب لبنان، ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فمازالت المحنة تلقى بظلالها على بعض المبدعين فيقدمون من حين لآخر لمحة تستعرض مرارة ما فات خوفاً مما هو آت!


فيلم «هلا لوين» للمخرجة نادين لبكى، صرخة جديدة ضد الحرب التى تأكل الأخضر واليابس وتحول النساء الى أرامل أو ثكالى، ويفقد الأطفال براءتهم ويصبحون قتلة أو مشروع شهداء فى حرب بلا منطق، يرتفع فيها صوت الرصاص عن الحوار الذى يتلاشى، تدريجياً ولا يبقى بعد ذلك إلا سكون الموت وبرودته! «هلا لوين؟» هو كلمة لبنانية أرى حرجاً فى ترجمتها كى يستوعب معناها القارئ المصرى، والآن إلى أين؟ أو وبعدين حا نروح لفين؟ وهنا يجب أن أبدى بعض الدهشة لعدم استيعاب البعض للهجة اللبنانية التى لابد من أن نكون قد اعتدناها، من كثرة استماعنا للأغانى اللبنانية، ومتابعتنا للمسلسلات التركية الطويلة المدبلجة بأصوات سورية ولبنانية؟ ومع ذلك فالجمهور الذى حضر الفيلم فى دور العرض المصرية، وجد بعض الصعوبة فى متابعة الحوار، الذى يتسم بالطرافة الشديدة، والسخرية اللاذعة، وإن كانت المواقف التى نسجها السيناريو تعوض عدم ملاحقة بعض جمل الحوار!
تبدأ الأحداث فى إحدى القرى اللبنانية، التى عاشت ويلات الحرب الأهلية الطائفية، وفى مشهد افتتاحى بليغ، تظهر نساء القرية وهن يتشحن بالسواد، ويتحركن فى خطوات جنائزية حيث تحمل كل منهن على صدرها صورة لزوج أو ابن أو شقيق لقى حتفه، ثم تتفرق الجنازة حيث تذهب المسلمات الى قبور شهدائهن، وتتجه المسيحيات الى قبور الشهداء المسيحين، وتبدو نساء القرية اكثر رجاحة عقل وحنكة من الرجال الذين يشعلون حرائق الفتنة بين لحظة وأخرى لأسباب واهية، بين النسوة نتابع «آمال» او نادين لبكى وهى تمتلك مقهى يجتمع فيه أهل القرية، يبدو الجميع فى وئام مؤقت، ومع أول خبر يأتى من خارج القرية عن صدام طائفى يشتعل العراك، وتلجأ نساء القرية للحيلة فيخفين الجرائد، ويحطمن جهاز التليفزيون، تجنباً للمعارك، بل يتفتق ذهن بعضهن للاستعانة بفرقة رقص أوكرانية، لإلهاء رجال القرية عن القتال، ثم يتصاعد الأمر فى محاولة تبدو عبثية لعمل عجائن وشطائر معجونة بالمخدر، حتى يفقد الرجال القدرة على مواصلة الحرب ضد بعضهم البعض، مع إخفاء الاسلحة، فالمرأة هى التى تقاسى من ويلات الحرب وتفقد الابن والزوج، وحتى توقف هذا النزيف كان عليها أن تلجأ للحيلة!


فيلم «هلا لوين» لا يقدم رؤية واقعية، للحرب الأهلية اللبنانية، ولكنها الواقعية السحرية التى استخدمتها نادين لبكى التى شاركت فى كتابة السيناريو أيضاً، بحيث تطغى السخرية على مرارة الموقف، متحررة إلى حد كبير من «تابو» الدين، حيث يبدو الشيخ والقسيس فى حالة يرثى لها من الارتباك، وعدم القدرة على وقف الصدام الدائم بين المسلمين والمسيحيين، وفى واحد من أقوى مشاهد الفيلم وأكثرها دلالة تصرخ إحدى الأمهات التى فقدت لتوها ابنها المراهق وهى تصرخ فى تمثال العذراء داخل صحن الكنيسة، تعاتبها لأنها لم تقم بحماية ابنها. ولكنه صراخ المحب الضعيف الذى يشكو قلة حيلته وعجزه لمن يحبه ويعشقه.
استخدمت نادين لبكى خبرتها فى مجال إخراج الفيديو كليب فى تقديم بعض المشاهد الغنائية الجماعية، التى يختلط فيها الواقع بالخيال، فى إيقاع لاهث، وكانت موفقة لدرجة عظيمة فى اختيار شخصيات الفيلم، الذى يعطينا نموذجا لفكرة أن الفيلم الجيد لا يحتاج دائما الى نجوم بل إنه قادر على صناعة نجومه، ورغم أننا لا نعرف ايا من ابطال «هلا لوين» إلا أننا تفاعلنا مع حكاية كل منهم وعايشناها وكأنها قصة كل منا، وهو الأثر الذى تحدثه الاعمال السينمائية الجميلة فى نفس المتلقى مهما كانت لغته أو ثقافته.