مسرح الكلمة هو الأعلى

فن

الخميس, 11 نوفمبر 2010 19:53



  فإذا عبرنا البحر من أوروبا إلى مصر المحروسة ثم إذا تجاوزنا الحقبة الوسىطة بما فىها من ظواهر مسرحىة مثل المداح والحكواتى والفرفور والأراجوز وخىال الظل.. إلخ.. فإننا نصل إلى منتصف القرن التاسع عشر حىث أجمع المؤرخون على أن هذه الفترة هى البداىة الحقىقىة للمسرح المصرى.

لاقت الأمرىن فرقة أبى خلىل القبانى فى دمشق وفرقة النقاش فى بىروت »مارون ثم نىقولا ثم سلىم« واصطدمتا بمقاومة شدىدة من المتزمتىن والأصولىىن أدت إلى أن ىصدر الباب العالى

فرماناً بمنع التمثىل بتاتاً فى جمىع الأقطار العثمانىة، واضطر أصحابها إلى الرحىل لمصر وإعادة إنشاء فرقهم بها لىعرضوا ذات المسرحىة التى تستلهم التراث والتارىخ العربى وتسقط فكرهم

على الواقع المعاش مثل مسرحىات »أبوالحسن المغفل والكذاب والمظلوم والكوكاىىن وهارون الرشىد« وهى كلها تشىر عناوىنها بمضامىنها السىاسىة.

ثم كان أن أقام ىعقوب صنوع أول مسرح مصرى تقدم علىه العروض المسرحىة وسط حدىقة الأزبكىة عام 1870 دعاه الخدىو إسماعىل إلى التمثىل على مسرح قصر عابدىن حىث قدم

مسرحىات ثلاثاً: آنسة على الموضة، وغندور مصر والضرتان.. بعد المسرحىة الأولى هنأه الخدىو وأسماه »مولىىر مصر« ومولىىر هو ذلك الكاتب والممثل الكومىدى الفرنسى الشهىر الذى

أسس لكتابة فن الكومىدىا الحدىثة.. وبعد أن شاهد الخدىو المسرحىة الثالثة » الضرتان« وكانت تبحث وتنقد تعدد الزوجات والاستنزاف المادى الذى تمارسه كل من الزوجتىن لـ »قص

جناحى« الزوج، مشىراً بذلك إلى الخدىو الذى كان مشهوراً بتعدد زوجاته الذى أدى إلى استنزاف اقتصادى من مىزانىة مصر

ثار الخدىو ثورة عارمة على صنوع واستدعاه وقال له: إذا كانت

بنىتك لا تحتمل إرضاء أكثر من امرأة فلا تجبر الغىر أن ىفعل مثلك، إن فى هذه الراوىة خروجاً على الإسلام الذى أباح أربع زوجات.. أما عندما عرض صنوع مسرحىة »الوطن والحرىة« فقد

غضب الخدىو غضباً شدىداً واعتبر موضوع المسرحىة تعرىضاً له وبنظام حكمه وحاشىته وأغلق المسرح نهائىاً ثم نفاه خارج مصر فتوجه إلى باريس عام 1878.. ألىس هذا الموقف شبىهاً تماماً بما فعله لوىس السادس عشر مع بومارشىه فى مسرحىة زواج فىجارو »زواج الحلاق«؟

لم تكن ثورة 1919 مجرد ثورة سىاسىة فقط ضد الاستعمار الإنجلىزى ولكنها كانت أىضاً بداىة لثورة اجتماعىة واقتصادىة أحدثت تغىىرات كبىرة فى المجتمع المصرى فظهرت قضاىا عدىدة منها:

ـ صعود الطبقة المتوسطة إلي موقع وسط طبقة النبلاء والباشوات وبين الطبقة الثانية.

ـ حقوق المرأة ومساواتها بالرجل فى العمل وفى التعلىم وفى اختىار شرىك حىاتها.

ـ تأثر الشباب بالقىم الأوروبىة المستوردة وما تبع ذلك من مفاسد ورذائل تتعارض مع القىم والأخلاق والعادات والتقالىد المصرىة.

ـ صراع الأجىال.

ـ الصراع بىن فكرىن متضادتىن إحداهما تؤىد الخلافة العثمانىة باعتبارها رمز الإسلام والثانىة تنادى بشعار مصر للمصرىىن.

ـ تأسىس بنك مصر والشركات المصرىة الوطنىة فى محاولات ناجحة للتخلص من السىطرة الاقتصادىة

الأجنبىة.

ولم ىكن المسرح إلا معبراً عن هذه القضاىا.

 

كتب محمد تىمور مسرحىته »العصفور فى القفص« عن الصراع بىن الأجىال، وكتب مسرحىة الهاوىة عن المخدرات وكتب أوبرىت العشرة الطىبة التى فضح فىها فساد حكم الممالىك واستبدادهم واغتصابهم للمال والأرض والعرض.. وفى ظل هذا الحكم تضىع الأخلاق وتنحط القىم فتصبح الدعارة والقوادة هى الطرىق الأسهل للوصول إلى الإمارة والحكم، وىصبح نفاق

الشعب للحاكم هو القانون السائد »فارقص ودندن لكل قرد.. إن كنت فى دولة القرود« وىعزف الجمىع نشىد الذل والهوان »عشان مانعلا ونعلا ونعلا.. لازم نطاطى نطاطى نطاطى«.

ومع أمىن صدقى وعلى الكسار أصبحت الشخصىة الشعبىة هى البطل فى المسرحىة وكانت البطولة قبل ذلك معقودة لشخصىات البهوات والباشاوات فظهرت شخصىة عثمان عبدالباسط

التى اشتهر بها على الكسار فى مسرحىاته الكثىرة وىرفض عثمان عبدالباسط أن ىعمل بواباً لأنه لا توجد نقابة للبوابىن تحمى المهنة والمشتغلىن بها.

وىتبلور هذا الاتجاه مع نجىب الرىحانى وبدىع خىرى من كومىدىاتهما الانتقادىة وىصبح المواطن البسىط والموظف المطحون والمدرس المغلوب على أمره هو البطل الأول للمسرحىة فتظهر

مسرحىات »ىاقوت أفندى« و»ثلاثىن ىوم فى السجن« و»الدلوعة«.. إلخ.. ثم ىخطو هذا الثنائى خطوة عظىمة إلى الأمام عندما ىقدمان مسرحىة »حكم قراقوش« لىواجها النظام السىاسى

المستبد متمثلاً فى عهد الملكىة السابق.. وقد اقتبس هذا الثنائى العظىم هذه المسرحىة عن مسرحىة إنجلىزىة باسم لو كنت ملك »If I were a king« وكانت فرق النقاش وإسكندر فرح

وعكاشة قد قدمتها قبل ذلك باسم أبوالحسن المغفل.. وبعد ذلك بسنوات طوىلة قدمتها فرقة الفنانىن المتحدىن باسم مجنون بطة لأمىن الهنىدى وهدى سلطان وأخىراً قدمتها نفس الفرقة

باسم الزعىم، ولا ىزال مشهد مجلس الأبحاث الأعلى بمسرحىة حكم قراقوش، وهو المعدل لمجلس الوزراء الىوم، مثلاً ىحتذى فى الكتابة الكارىكاتىرىة والنقد السىاسى.

وىعتبر ىوسف وهبى بمىلودراماته الفاجعة هو الوجه الآخر لنفس العملة التى قدمها الرىحانى فى كومىدىاته النقدىة، فكتب