إسرائيل وسلاح الفراغ الأمنى بسيناء

فكرية أحمد

الجمعة, 19 أغسطس 2011 14:14
بقلم - فكرية أحمد:

ما يحدث الآن على الحدود المصرية الإسرائيلية سيناريو متوقع منذ نجاح ثورة 25 يناير فى اسقاط النظام الحاكم السابق، ونجاح الشعب فى ان يقول كلمته لأول مرة منذ عقود طويلة من القهر والظلم والفساد، منذ نجاحه فى ان يرفع شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية،

بديهى ان اسرائيل ومن خلفها آخرين بالمنطقة، لا يسعدهم ان تستنشق مصر أنفاس الديمقراطية، اسرائيل التى تتشدق بين العالم بمزاعم انها الدولة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الاوسط، رغم ابتعادها الفعلى عن كل ما يمس الديمقراطية بصلة، يصدقها العالم الغربى ويروج لديمقراطيتها المزعومة، ولا ترغب اسرائيل فى ان ترى اى صورة حقيقية للديمقراطية فى اى من دول  المنطقة، حتى لا تتكشف مزاعمها الباطلة فى هذا الإطار .

اسرائيل خائفة ومنزعجة ومتوترة منذ خرج شعب مصر للتحرير، اسرائيل مرتبكة الخطوات منذ رفض الشعب المصرى استنزاف مزيد من ثرواته الطبيعية متمثلة فى الغاز، وتقديمها لإسرائيل على طبق من ذهب بأبخس الاسعار، لتنتعش اسباب التنمية لديها على حساب قوت ودماء الشعب المصرى، مرعوبة من المرحلة السياسية المقبلة على مصر، تخشى ان تشهد مصر استقرارا وانتعاشا، وشعبا واعيا متمتعا بديمقراطية حقيقية، تخشى ان يأتى رجل يحكم مصر، لا يفكر إلا فى مصلحة الوطن، ولا يكون عميلا صهيونيا او وسيطا دوليا لإسرائيل فى الخفاء .

إسرائيل كارهة للثورة المصرية وآثارها التى امتدت الى تل ابيب، حين رفع الإسرائيلون قبل ايام شعارات الثورة المصرية وخرجوا فى شوارع تل ابيب، وهم يصرخون " مصرية مصرية " منادين برحيل نتنياهو، وبالعدالة الاجتماعية، وبتحسين الاوضاع الاقتصادية، متيمنين فى ذلك صوب رياح الثورة المصرية، وهو ما اطلق عليه ثورة الخيام بإسرائيل .

وبدأت اسرائيل منذ خروج الشعب المصرى للتحرير وضع اكثر من سيناريو، للتعامل مع " مصر الجديدة" فى ثوبها الجديد، حتى وإن لم تتضح بعد الملامح النهائية لمصر الجديدة، إلا انه بدأت كعادتها فى تحصين جبهات الدفاعات، بل ترسيم خطوات للهجوم، من اجل تحصين نفسها من نتائج الثورة المصرية، التى بدت بنذر شؤم عليها فى ملف الغاز، وسارت النذر الى اتفاقية كامب ديفيد للسلام، والتى برزت اصوات مصرية تنادى بإعادة النظر فيها، بما يشمل ذلك عمليات التطبيع التى فرضها علينا النظام السابق فرضا، فكان اول ما روجت له إسرائيل

كسلاح لها، مزاعم الفراغ الامنى فى سيناء، وانشغال الجيش بالأوضاع الداخلية المصرية، وتركه المنافذ الحدودية بلا حراسات حقيقية، مما يطرح فرضية تهريب السلاح عبر الحدود لغزة وحركة حماس وفقا للاتهامات الاسرائيلية، ويزيد من فرصة العمليات الانتحارية الفلسطينية والتى تصنفها بالإرهابية، وذلك فى محاولة اسرائيلية مكشوفة ومفضوحة من اجل توريط مصر، وجر رجلها فى صراع جديد معها، لإلهاء الشعب المصرى ومن خلفه الجيش عن اصلاح الجبهة الداخلية، بالانشغال بتأمين الجبهة الخارجية لمواجهة اسرائيل .

وتزعم اسرائيل ان الجيش ترك فراغا امنيا فى سيناء، وكأن افراد الجيش المصرى الذين نزلوا شوارع القاهرة هم قوات الجيش المرابضة على الحدود، وكأن المشير طنطاوى سحب كل القوات على الحدود وزرعها فى قلب القاهرة، وهذا كلام هراء، فالعاقل الواعى بحقائق الاموروتقسيمات الجيش المصرى، يعرف تماما، ان الجنود التى نزلت الشارع المصرى شىء، وجنودنا على الحدود وتأمين الجبهة الخارجية شىء آخر، واسرائيل تحاول استغلال جهل البعض فى مصر بهذا الوهم، بالترويج بانشغال الجيش المصرى عن تأمين سيناء، وانخراطه فى الامور السياسية الداخلية، فى محاولة مكشوفة للوقيعة .

وأنا لا أستبعد نظرية المؤامرة، فى العمليات الاخيرة التى تشهدها اسرائيل على الحدود المصرية، ولا أستبعد ان اسرائيل نفسها تختلق تلك العمليات وتصطنعها، وتدفع لها تمويلات لتحدث، من خلال العملاء السريين، وملفات الموساد القذرة عبر تاريخها، فبين الفلسطينيين انفسهم بل بين حركة حماس نفسها عناصر خائنة وعملاء لإسرائيل، وكان يتم كشفهم بين وقت وآخر واعدامهم، وهو امر لا يمكن معه استبعاد التآمر والتواطؤ الاسرائيلى لاختلاق الاحداث وتفجيرها على الحدود المصرية ومع غزة،  لتجد من الذرائع  المعلنة ما يمكنها من جر مصر فى مشكلة الحدود، والترويج للفراغ الامنى بسيناء، وترسيخ العلل لاستكمال السياج الحدودى الفاصل على الحدود بينها وبين مصر، وهو سياج لا يلقى قبولا مصريا .

إن ما يحدث على الحدود المصرية الاسرائيلية الآن جد خطير، أخطر من اى حادث سابق وعابر، فلا ينسى احد أن إسرائيل

سبق وأطلقت النيران الحية على جنود مصريين وحرس للحدود فى مرات سابقة، وقتل من قتل وجرح من جرح، إما بزعم الخطأ، إما الاشتباه ، إما لأسباب اخرى غير منطقية، غير ان تلك الاحداث الماضية شىء، وما يحدث الآن شىء آخر، فإسرائيل الآن تتعمد تصعيد التناوش مع مصر، لإلهاء شعبها بالداخل عن الاستمرار فى ثورة الغضب والسير على خطى الثورة المصرية، ولاستلاب طعم النجاح الذى بدأ يستشعره المصريون بخطوات حثيثة فى نجاح ثورتهم، وإلهاء مصر فى مشكلات خارجية واستنزاف الجهد والطاقة والمال على حساب الاصلاحات الداخلية التى يمكن ان تعود على مصر بالخير والرفاهية، ولا ننسى فى ذلك فقدان إسرائيل لحلم هائل كانت تعوله على الغاز المصرى، حتى انها بدأت تلوح بحرب مع لبنان مؤخرا بسبب حقول الغاز التى تنازع لبنان خاصة حزب الله على ملكيتها، وأرجعت تقارير اسرائيلية ان تراجع واردات الغاز المصرى قد تكون سببًا فى حرب اسرئيلية مع لبنان مستقبلا على حقول الغاز .

لذا علينا جميعا ان ننتبه لما تحاول اسرائيل ان تجرنا اليه، فليس السبب الحقيقى فراغ امنى فى سيناء او على الحدود، بل الواقع هو كل الاسباب الاخرى الى سبق سردها، والتى تجعل من اسرائيل عدوا حقيقيا للثورة المصرية، وتجعل منها شيطانا يحاول سرقة نجاحات هذه الثورة، فإذا كانت العلة الفراغ الامنى، فالجيش المصرى موجود، وسيتم حشد المزيد من القوات والحرس على الحدود، وإذا كانت العلة وجود ثغرات امنية وأنفاق سرية، فمصر تعمل منذ سنوات على إغلاق هذه الأنفاق ومصادرة اى اسلحة تضبط خلالها، واذا كانت تتعلل بهروب المسلحين من المتطرفين عبر الحدود من سيناء، فالجيش والأمن المصرى يقوم بأدوار هائلة فى ضبط السلاح والمسلحين، والمتطرفين، ولن يدخر جهدًا فى اعتقادى لمواصلة ذلك، سيفعل الجيش وقوات الامن المصرية كل ما يمكن من اجل اغلاق اسباب التهديد الاسرائيلى، لإحباط النوايا والخطط الطموحة بالتوسع الاسرائيلى فى سيناء مسافة 7 كيلو مترات او اكثر وهو ما تردد بقوة مؤخرا .

 الشعب المصرى على ثقة فى ذكاء قواتنا المسلحة بأنها لن تترك الفرصة لإسرائيل لإثارة مشكلة حقيقية على الحدود لسرقة وتحويل مسار الثورة،  وعلى ثقة أن الجيش المصرى لن يجعل اسرائيل تستخدم من مشكلة الحدود فرصة لإجهاض حلم الدولة الفلسطينية المرتقب على الأبواب، والذى تلعب فيه مصر دورا حيويا خاصة مع دور مصر فى الوفاق الوطنى بين فتح وحماس فى ابريل الماضى، فإسرائيل ترى فرصة ذهبية الآن بإثارة صراع الحدود لضرب اكثر من عصفور بحجر واحد فى هذا التوقيت الحساس لمصر ولفلسطين، وانا وملايين  الشعب المصرى ايضا على ثقة بأن مصر لن تترك دماء شهداء الحدود لتذهب هباءً، كما ضاعت دماء شهدائنا على الحدود فى عهد النظام السابق، لأن المصرى لم يكن له ثمن امام إسرائيل، والآن يجب ان يكون ثمن دماء المصريين غاليا .