أوراق مسافرة

رسالة.. إلى ولدى العاق

فكرية أحمد

الثلاثاء, 17 مارس 2015 21:33
بقلم: فكرية أحمد

يا ابن قلبى.. باكتبلك وانا غضبانة.. ضاعت منى فرحة اللمة والعيلة حقيقى زعلانة، عيد ورا عيد عدى عليا من غير فرحة ولا شكر، شايفة الأولاد الطيبين ماشين فى الزحمة طوابير، ومحتارين، يشتروا ايه لامهم فى يوم عيدها، لا يابنى لا.. مش طالبة منك هدية، ولا حتى وردة بجنيه، انا محتاجة منك كلمة حب.. لمسة حنية، محتاجة بين وقت والتانى تيجى خمس دقايق تونسنى فى وحدتى وعجزى، محتاجة مكالمة تقولى انك فاكرنى، سنين عدت من عمرى، وانا من غيرك مش حاسة بفرحة، البيت بقى من غيرك «قبر» بارد، شايفة الولاد فى حضن أمهم، وانا كأنى بقيت أرض بور وما خلفتش، خايفة أموت من غير ما أشوفك، وتعرف خبرى من الجيران.. بعد فوات الآوان، خايفة حتى ما تزورش قبرى ولا تقرأ عليا قرآن، زى ما نسيت عنوانى من زمان، عنوان بيتك اللى اتربيت فيه، وعشت فى دفء جدرانه أجمل سنين عمرك.

يابن قلبى أكتب لك وإيديا بترتعش من المرض، الحروف تايهة ومهزوزة مع دمع عيونى، ومهزوزة جوايا الكلمات، أتردت كتير قبل ان أكتب لك، اكتبلك ايه ما أنا تعبت من حيل الكلام، زى ما تعبت معاك فى تربيتك وماكانش بينفع معاك عطاء ولاحنان، سنين طويلة يا ابنى وانا هنا وحدى، باحلم انك بتدق بابى، أو اسمع صوتك فى التليفون، اقف ساعات فى الشباك الضيق اراقب اللى رايح واللى جاى، ابص فى وشوشهم يمكن يكون وشك بينهم، ولما تيجى الضلمة وعنيا التعبانة ما تشوفش، أفضل واقفة وأنا فاكرة ان جاى مع أى شبح أو ظل إنسان، وانك افتكرت فجأة أمك فى وحدتها وجيت، ولكن الليل يعدى وانا نايمة نصه على شباكى الضيق، ونصه التانى فى تعب وانا بصلى وادعيلك، ان ربنا يحميك ويحنن قلبك ويهديك.
يابنى، ازاى نسيت اللى كانت سبب وجودك، ازاى نسيت اللى شالتك فى حشاها وهنا، ووضعتك وهنا، وارضعتك رغما، حقيقى نسيت كل الليالى الطويلة التى سهرتها قصادك وانت نايم، اشيل عنك الحمى «بكمادات» بليت

فيها «قماشة» بدموعى، حقيقى نسيت اللى علمتك الكلام، اللى طحنت لك الأكل وانت لسة من غير اسنان، اللى مسكت بايدك تعلمك المشى وانت بتخطى على الأرض أول خطوة، وسمت عليك لما وقعت وبكيت، ومسكت ايدك تعلمك كتابة الكلام، حقيقى نسيت سنين الطفولة والشقاوة، وايديك الصغيرة بتكسر وتخرب اثاث البيت واللعب، عشان تكتشف تركيب الحاجات، وانا صابرة بكل حب بعلمك واهديك، فاكر اول يوم ليك فى المدرسة، لما بكيت وصرخت وتعلقت بهدومى، ده كان اول فراق بيننا، بس كان فراق لمصلحتك، ساعتها اترجيت مدرستك، تخلينى معاك فى الفصل، لحد ما راحت عنك رهبة المكان، فاكر تعبى وانا سهرانه جنبك بذاكر لك، وألخص لك سطور الكتب فى ليالى الامتحان، كنت انا اللى بامتحن، مش عايزة اقولك ازاى جعت عشان اوفرك اكلة حلوة، ازاى نسيت كل احتياجاتى عشان اشتريلك لبس حلو وجزمة غالية، ازاى استلفت وعملت جمعية بنص مرتب ابوك عشان ادخلك مدرسة نضيفة، واشتريلك عجلة تروح بيها المدرسة بدل ما تتبدهل فى المشى ولا تتشعبط فى ميكروباص.
حقيقى نسيت انى ماكنتش بس امك، كنت خدامتك، اشيلك الشنطة وانت راجع معايا من المدرسة، واجرى وراك بالسندويش اللى مش عايز تأكله وفى اوضتك خبيته، واوديلك الكتاب فى المدرسة اللى باهمالك نسيته، حقيقى نسيت كل المشاكل إلى عشتها عشانك، ذلى ودموعى قدام ناظر مدرستك، وانا بارجوه يسامحك، وما يفصلكش فيضيع مستقبلك، فاكر يومها كنت اتخانقت مع زميلك وعورته، وكسرت كام كرسى فى فصلك، وسامحك الناظر لما اعتذرت انا لاهل زميلك، ودفعت من قوتنا تمن اللى كسرته، حقيقى نسيت انى كنت بامشى وراك كل يوم لحد المدرسة، عشان ما تهربش منها وتضيع، وانه كان يوم أسود فى حياتى لما شفت
فى ايدك سيجارة، وازاى ناديت خالك وعمك عشان يساعدونى ويقنعوك ان الرجولة مش بالسجاير لا بالرعونة والفتونة، حقيقى نسيت اعتذاراتى للجيران ومسكنتى ليهم، عشان يسامحوك، وماحدش فيهم يضربك ولا يؤذيك، لانك ضربت ده وشتمت ابن ده، نسيت مشكلتك مع بنت الجيران، وغيرها، نسيت انى كنت ليك انا وابوك جبل صد بنحميك من كل ريح، كنت الإيد الحانية اللى بتبطبطب عليك وقت الضيق، القلب الكبير اللى بيسامحك و يغفر كل بلاويك.
اقول لك ايه يابنى، اقولك اللى خبيته عليك، انك من «صغر سنك وانت تاعب قلبى، فى اكلك، فى لبسك فى مذاكرتك، فى غضبك الدايم من غير سبب و ثورتك، ماكانش بيعجبك العجب، ماكنتش باعرف ازاى اراضيك، مهما اجيبلك واحايل فيك، كنت اداديك، ادوس على نفسى لأجل اراضيك، واصبر نفسى واقول، بكرة يكبر ويعقل ويفهم، يعرف تعبت قد ايه عشان اربيك، وأوفر لك كل اللى يسعد ويهنيك ، قد ايه حرمت نفسى، ونسيت ألمى ويأسى وانا شايفاك بتتعلم وتكبر، وأُمنى نفسى انك هتحقق اللى ما قدرتش اعمله، والحلم اللى انا فشلت فيه، بكرة انت هو هتوصله، بكرة توصل للسما ولو على كتافى».
اقولك ايه ولا ايه يابنى، حزنى وغمى لما كنت تجيب درجة وحشة، ولا فرحة عمرى وانت جايب شهادة نجاحك، اقولك، دى سنين عمرى كلها وهبتهالك، كل ركن فى بيتنا بيحكى حكاية حب وعيلة، ازاى قلبك قسى ونسى، يابنى خلاص الصحة راحت والشيب ملا رأسى، ضهرى انحنى، قلبى غضبان، لكنه لسة بيدق بمحبتك، ولسانى لسة بيدعى ربنا، يحرسك ويسعدك ويهنيك، والشقى اللى شفته فى تربيتك ما يحصلش ابدًا ليك، مش عايزة من الدنيا غير انى اشوفك، تطبطب عليا زى ياما طبطبت على كتافك، تضمنى بحنيه، ما انا ياما ضميتك، وحشنى فيك حتى غضبك وعبوسك، حقيقى بافرح لما باعرف انك سعيد، وابكى لما اعرف انك شقيان، بس يابنى انت واحشنى قوى من زمان، غضبانة بس ما قادرش ادعى عليك، ما هو لسة قلبى بينزف لما شكه ابره تيجى فى ايديك، وباموت ألف مرة لما احس انك، بكرة تبقى أب وتعرف انى وابوك اتعذبنا قد ايه، بكره تكتب بدموعك رسالة لابنك فيها نفس كلماتى، ولا اقولك لا يا رب ما تشوف فى دنيتك اللى عملته فيا، يا رب سامحه واهديه، ده دنيتى حتى لو ما شافتوش عنيا، تفتكر رسالتى هتقراها، ولا تقطعها وترميها.. انا لسة مستنياك.. مش عايزة ربنا يكتبك ولد عاق، ده العقوق وحش يابنى بيقطع الأرزاق، ويردلك عملك ويغضب عليك الخالق الرزاق.

[email protected]

ا