رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

«مقلب» السياسة وإعادة تدوير القمامة

فكرية أحمد

الثلاثاء, 26 نوفمبر 2013 22:18
فكرية أحمد

سألتنى صديقتى بلهجة مستنكرة وهى طبيبة مخضرمة قائلة: «تكتبين مقالاً عن القمامة وقذارة الشوارع، ولا تكتبين عن قطار دهشور ولا عن لجنة الخمسين التى لا تزال غارقة فى الدستور، ولا عن الإرهاب الذى يقتل جنودنا؟»..

قلت لها: كتبت عن هذه القضايا عشرات المرات فى مناسبات مماثلة وأحداث متطابقة، أحداث اصطدام السيارات بالقطارات عبر المزلقانات المفتوحة ومقتل العشرات من الأبرياء بها، تبكي المزلقانات التى فشلت كل حكوماتنا السابقة والحالية وجميع وزراء النقل فى حلها وكأنها معضلة أو مسألة «لوغاريتمات» يصعب فهمها وحلها رغم أن الحل بسيط بعمل مزلقانات الكترونية تفتح وتغلق بعيداً عن أخطاء البشر أو عيونهم التى تنام فى ساعات العمل، مع وجود مراقب أو اثنين للتصرف حال تعطل الأجهزة الالكترونية لإغلاق المزلقان بصورة يدوية بديلة حال انقطاع الكهرباء أو حدوث عطل تقنى، وفى كل دول العالم متقدمها ومتخلفها، توجد مثل هذه المزلقانات، ولم نسمع قط عن حوادث قطارات كما تحدث فى مصر، ويمكن أيضاً عمل كبارى علوية صغيرة فوق المزلقانات لعبور المارة والسيارات وإلغاء مرور السيارات تماماً عبر المزلقانات.
وكتبت عن التطرف والإرهاب الذى يغتال أمننا ويحصد أرواح جنودنا شرطة وجيشاً، وقد بحت أصواتنا فى كشف أسباب هذا الإرهاب والتطرف، والعمل على اجتثاثه من جذوره، وقلت آلاف المرات إن الفقر والجهل هما السبب الأول فى استقطاب الصبية والشباب وشراء ضمائرهم أو حتى غسل عقولهم ليتحولوا إلى الأيادى الخائنة التى تحمل السلاح وتضرب قلب الوطن، ولكن المثقفين والمستنيرين, ورجالات المال والأعمال، والدولة بكل مؤسساتها لم تتعاون أو تتحرك لتقدم شيئاً لبؤر الفقر والجهل

والجريمة التى تعشش فى أركان مصر، وكان أن تركت سيناء لتتحول إلى أوكار للإرهاب ومخازن للتسلح بسبب إهمال تنميتها، واعتبارها جزءاً منسياً من الوطن كما هو الحال فى النوبة وفى قرى مصر كلها بحرى وقبلى، فهل يخفى أن معظم الإخوان والمتطرفين والمغسولة عقولهم ممن يطيعون المرشد أو الأمير هم من أهل القرى البسطاء، نتيجة لغياب الوعى والتنوير ومركزية الإدارة فى كل شيء.
قلت هذا وقاله غيرى مئات من الكتاب المحايدين الذين ليس لهم مصلحة فى هذا ولا ذاك ولا مصلحة الوطن، الوطن الذى أحلم بأن أراه مشرفاً يرفعنا ونرفعه، ونتباهى به أمام العالم فى التقدم والعلم والحضارة والرفاهية، فقد تعب الشعب المصرى كثيراً ومن حقه أن يشعر بأى حصاد.
ولكنى حين كتبت عن القمامة، وفشل كل حكوماتنا وإدارتنا المحلية فى حلها على مر السنين، إنما كنت أتحدث ضمنياً عن كل أوضاعنا التى فشلنا فيها، كما فشلنا فى علاج قاذوراتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية والفنية، لقد فشلنا فى التخلص من القمامة فى شوارع مصر، ويتعمد البعض إلقاء «القاذورات» على الأماكن التى تم تنظيفها، وفشلنا فى إعادة تدويرها واستغلالها رغم أنها مصدر ثروة هائلة أن أعيد تدويرها بكفاءة وتقنية، كما فشلنا تماماً فى التخلص من خلافاتنا السياسة من أجل الوطن، وإعلاء مصلحة مصر فوق المصالح السياسة لكل حزب أو فصيل سياسى،
فى مرحلة حرجة يترنح فيها الوطن بين مؤامرات من الداخل وأعداء يتربصون به من الخارج، وما أراه صار أمامى إعادة تدوير فاشلة للسياسة لا تثمر ولا تغنى، فباتت تطالعنا وجوه قديمة مهترئة أعتقدنا أنها راحت فى سلة المهملات السياسية بعد أن فضحتهم الأحداث وكشفت مآربهم، فإذا بهم يعودون «بنفس القذارة» ويحاولون فرض أنفسهم على الواجهة السياسية ويحتلون الفضائيات بالسنة جديدة، وكلمات تناسب المرحلة وتتلون معها.
نقلب القنوات لنرى نفس الضيف الذى كان فى قناة أخرى قبل ساعة ونبيت على صوته ونصحو على صوته، وقد أصبح فجأة عارفاً بكل الأمور، فكان هو أول من تنبأ بالثورتين الأولى والثانية، وكان معارضاً شريفاً للنظام «المنزوع» وما قبله رغم أنه كان لصيقاً بهذا وذاك وعارفاً ببواطن أموره، وكان وكان.. حتى صرت أتصور أن هؤلاء يحمل كل منهم مقعداً، يجلس أمام ماسبيرو «وردية» وأمام مدينة الإنتاج الإعلامى «الوردية الثانية» ليكون تحت الطلب فى كل دقيقة وفى كل مناسبة، وكأن ذاكرة الشعب ضعفت من هول ما رأت على مدى 3 أعوام تقريباً، وكأن مصر أصيبت بالعقم لم تنجب غيرهم، فيما أبطال الثورتين 25 يناير و30 يونية لا نجد لهم أثراً إلا لماماً، فقد ذهبوا مع الريح، واختفت معهم أصواتهم الجديدة وفكرهم المستنير المتطور فى كل المجالات، وأصبح فرضاً علينا أن نرى نفس الأفكار القديمة المترهلة ونفس الأطروحات التى أبقت مصر فى المؤخرة عقوداً مضت وأخرى لا نعرف متى ستنتهى.
فهل بتنا حقاً شعباً لا يعرف كيف يتخلص من «قاذوراته» لا يعرف كيف يستغنى عن «الأشخاص» والأشياء إذا بليت واستهلكت وأصبح وجودها أكثر ضرراً من نفعها، هل بتنا شعباً لا يعرف حتى إعادة تدوير القاذورات إذا فرضت عليها بكمها وكيفها، أن يعيد تدويرها باقتدار ليستفيد من البقايا النافعة، ويدفن ما لم يعد منه فائدة، هل كتب علينا أن نعيش فى هذا «المقلب» من المخلفات السياسة والاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكننا التخلص منه أو تنظيفه، هذا هو المضمون يا صديقتى الطبيبة.. وللحديث بقية.