راقصة وطنية .. ولا رئيس حرامى !

فكرية أحمد

الثلاثاء, 17 مايو 2011 11:45
بقلم : فكرية أحمد

 

لأن أيام ما بعد الثورة صارت " سمك .. لبن .. تمر هندى " اختلطت فيها الرؤي، والحابل بالنابل ، سقطت رؤوس كنا نعتقد لو لبرهة انها شريفة فإذا بها قمة الفساد ، وأطلت رؤوس كنا نكن لها احترام التدين أوالزهد فى متاع الدنيا ، فإذا هى تلهث الى كرسى السلطة ولو على دماء العباد ، واذا برجال الامن يساوموننا بين أن نبوس اقدامهم ، أو نبقى فرائس للبلطجة التى ضجت بها الشوارع فجأة وبلا أسباب واضحة ، واذا بمسلمين وأقباط يغرسون سيوفهم فى قلب الوطن لاقتطاع جزء منه ، والفوز ببعض المكاسب ، حتى لو سكت النبض وماتت الأم للأبد .

لأن كل هذا حدث ، تحت عباءة الثورة المجيدة التى علقنا ولا زلنا نعلق عليها طموحات الخلاص والمستقبل الباسم ، لم أندهش حين خرجت راقصة تدلى بحوار ساخن ،  لا يقل سخونة عن بدلة الرقص الخاصة بها ، وتفتينا بمفهومها عن الحرية التى خلقتها الثورة فتقول ، ان العصر القادم سيتسم بالحرية الاكبر للرقص الشرقى فى مصر ، وانها " أى الراقصة " ستعمل على انعاش الحالة الاقتصادية فى مصر ، بتشجيع السياحة فى " النايت كلوب " خاصتها ، والذى سيجذب مزيدا من السياح لمصر.

وإنى والله لأشكرها على وطنيتها ، رغم رفضى لتفسير الحرية لديها ، ورفضى لمصدر اموالها ـ وأعتقد أن غالبية  شعب مصر يوافقنى الرأى ـ ، والله الغنى اذا كانت هذه الاموال ستنعش اقتصاد مصر ، وتساعد المواطنين الغلابة فى المأكل والمشرب ومدارس الاولاد ، لكنها على اية حال مصرية وطنية ، تعبر عن وطنيتها من منطلق مفهومها ، ومن خلال وضعها وعملها ، وهى فى رأيي " مع كل تحفظاتى "  وطنية افضل من رئيس دولة حرامى ، بكل ما نهبه وسرقه من  مصر هو وعائلته وخلاها على الحديدة ، بل وباع أحد رجاله حتى هذه الحديدة  .

شكرا للراقصة لأنها فهمت أن عصر الثورة هو عصر الحرية ، ولكنه ليس عصر حرية فتح " الجلابية " او بدلة الرقص ، كما انها ليست حرية فتح الصدر والبلطجة لدى الآخرين الآن ، شتان بين الحرية والاباحية ، بين الحرية وتجاوز حدود الله والتعدى على حدود الاخرين ، ولكنى على اى حال أقدر إحساسها بالوطنية وإدراكها لأزمة مصر الاقتصادية  ، ويا ليت كل بنى آدم على أرض مصر لديه وطنية مثلها ، من خلال عمله لمساعدة مصر ولكن بعيدا عن الرقص بكل أنواعه ، الشرقى ، السياسى ، الدينى ، الاجتماعى ، الثقافى ، لأن الرقص زادت أنواعه فى احتفالية الثورة.

ولا أعلم لماذا أعادت الى تصريحات الراقصة "مع كل الفوارق " ، ما حدث فى مصر ابان عهد جمال عبد الناصر بعد هزيمة 67 ، عندما كانت مصر منهكة عسكريا واقتصاديا ، وجدت أم كلثوم ان قوتها لمساعدة مصر فى الشئ الذى تمتلكه عن جدارة ، فانطلقت فى حفلات ببلدان عربية لصالح المجهود الحربى ، فى تونس ، ليبيا ، لبنان المغرب ، السودان ، الكويت  ، وقدمت الكثير من مالها ضمن حملة التبرعات لتسليح الجيش ، كما سافرت لباريس لتغنى على مسرح الاوليمبيا بأغانى الحماسة الوطنية ، لتقول بصوتها " لا للهزيمة او الاستسلام " فألهبت الشعور الوطنى ، كما أيقظت الشعور الفرنسى تجاه مصر ، بل الشعور العالمى ، وذهبت الى موسكو لتغنى الاغانى الوطنية  لمن وقفوا معنا حينها .

وقالت فى هذا " لم يكن أمامى إلا أمرين امام النكسة ، اما ان التزم الصمت وأقبع فى ركن الانهيار النفسى ، او أن أمضى بسلاحى وهو صوتى ، وأبذل ما استطيع أن أجمع من عدة وعتاد ، من أجل المعركة ، لعلى أرد بعض جميل مصر .

وبالفعل ، خصصت ام كلثوم ريع كل هذه الحفلات بالملايين  لخزانة مصر ، وعبرت عن وطنيتها بمفهومها وإمكانياتها .

واتساءل ، اين وطنية ام كلثوم من وطنية الفنانين المصريين الان ، الذين ملأوا جيوبهم وخزائنهم من خير مصر على مدى الاعوام الماضية ، مصر التى ساندتهم وصفقت لهم فى الداخل ، ودفعتهم الى الشهرة بالعالم ، بل اين الفنانون العرب الذين فتحت لهم مصر ابوابها واحتضنتهم ، ليردوا بعض الجميل ، ألم يفكر هؤلاء فى إقامة حفلات بالخارج يخصص دخلها لخزانة مصر .

اين الليالى السياحية التى يمكن ان تتبناها الشركات ووزارة السياحة خارج مصر ، لتشجيع السياحة ، وإقامة المعارض السياحية بالدول الاوروبية والعربية ، وتخصيص دخل هذه الليالى لخزانة مصر .

اين لاعبو كرة القدم الذين كسبوا الملايين ولا حسد ، وحصلوا على الشقق والفيلات والسيارات الفارهة من النظام السابق ، الم يحن الوقت ليردوا جزءا مما عليهم لمصر ، بإقامة مباريات ودية بين الفرق المصرية من اهلى وزمالك وغيرهم  بالخارج ، او باقامة مباريات ودية بين منتخبنا ومنتخبات دول اخرى افريقية ، عربية ، اوروبية ، ويتم  تخصيص دخل هذه المباريات لخزانة الدولة .

اذا كانت معظم دول الخارج تقف متفرجة فقط على مصر دون مد يد مساعدة حقيقية  لنا فى هذا الوقت ، وكأنها تراقب المارد المصرى الذى خرج من القمقم ، هل سيحقق انتصارا حقيقيا ، ام سيصاب بكبوة لا نهوض بعدها ، بسبب الاوضاع الاقتصادية القاسية ، وإرث الفساد الذى ذهب بكل ما هو أخضر وترك لنا اليابس فقط .

ألا يجدر بأبناء مصر انفسهم مد يد العون لبلدهم ، لمواجهة عجز الموازنة ، لسد جانب من المديونيات الداخلية والخارجية ، ألا يجدر بالمهاجرين بالخارج أن يحولوا مدخراتهم لمصر لتنتعش الاوضاع المالية بالبنوك المصرية ، وتنتعش تمويلات الاستثمارات والمشروعات الجديدة ، ألا يجدر بالمهاجرين العودة الى مصر للاستثمار على أراضيها ، وتبنى مشروعات الشباب من إسكان ، مصانع ، ورش ومشروعات صغيرها وغيرها ، من المجالات التى تفتح فرص العمل للشباب العاطل وتحقق  بعضا من طموحات الثورة .

انه سؤال أوجهه للجميع ، كل فى مجاله أوجهه وتلك الكلمات " تطنطن " فى اذنى منذ ايام ، بصوتها القوى الهادر بكلمات الشاعر حافظ ابراهيم ، وكأنها تشرح حالتنا المصرية منذ اندلاع ثورة 25 يناير فى الداخل والخارج ، فتقول عن دول الخارج خاصة الغرب  " وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبنى قواعد المجد وحدى ، وبناة الاهرام فى سالف الدهر كفونى الكلام عند التحدى ، انا تاج العلاء فى مفرق الشرق ، ودراته فرائد العقد.

نعم ، الدول تقف فى اغلبها مكتفية بدور المتفرج على شعب مصر ، وهو يبنى قواعد المجد

والاصلاح وحده ، امريكا تجود بفتات الفتات ، اوروبا تراقب بعيون النمر التحرك الامريكى ، لتتحرك من خلفها ببعض الفتات ، او لا تتحرك ، الدول العربية منها من مشغول بانتفاضات شعبه وممارسة قتل الشعب ، لاعنين فى ذلك الثورة المصرية ، ومنها من هو حاقد اوخائف من وصول شرارة الثورة اليه ، وكلاهما يحجم ويتفرج على مصر ، وهى تنهض من عثرة الفساد ، بل منهم من اوقف استثماراته ، واشترط العفو عن آل مبارك ، كى يمد يد العون ويفتح صنابير الاستثمار ، وليقعوا بذلك فى خطأ كبير ، فمصر هى الابقى بشعبها ، وليس بحكامها او رؤوس السلطة بها .

اين المعونات التنموية التى توقف دول أوروبا وامريكا سيولتها على شرط الاصلاحات الديمقراطية ، اليس ما تمر به مصر هو اصلاحات ديمقراطية تحتاج الى دعم هذه المعونات ، ولم الاحجام والتقاعس العربى عن مساعدة مصر .

نحن لا نتسول ، بل نطالب بحق الجيرة ، حق العلاقات المترابطة والصداقة ، حق وقوف مصر بجانب اخوتها العرب فى المواقف الحاسمة سابقا ، بدءا من التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقلال مرورا ، ببناء الهياكل التعليمية والتثقيفية والاعلامية ، كنا يدا بيد بجانب اشقائنا العرب فى كل لحظات البناء ، فلا يجب أن يتخلوا عنا الآن ونحن نرمم البناء ، لأن التاريخ المصرى سيذكر لهم ذلك .

الله الله يا ست  " انا ان قدر الاله مماتى ، لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدى ، مارمانى رام وراح سليما من قديم عناية الله ...

الا يعلم العرب ان مصر ان قدر الله عثرتها للابد وكان مماتها كقوة عربية ، فلن يرفع اى عربى بعدها رأسه ، الا يرى العرب صحوة المصريين لمد الايادى نحو افريقيا   وما سيعود بهذا المد على العالم العربى والافريقى ككل من استقرار وسلام وتكامل وتعاون ، الا يرون تحريك القضية الفلسطينية ، وحدوث مصالحة وطنية فلسطينية ، لم تتم من قبل على مدى سنوات طويلة فى عهد النظام المصرى المخلوع ، الا يرون الربيع العربى ينتشى عبر الرياح المصرية الى جميع الشعوب العربية ، بغض النظر عن تمسك انظمة ديكتاتورية بالسلطة .

الله الله يا ست ... اننى حرة كسرت قيودى رغم انف العدا وقطعت قيدى ، اترانى وقد طويت حياتى فى مراس لم ابلغ اليوم رشدى .

نعم لقد كسر الشعب قيده ، وخرج المارد المصرى من القمقم ليهدم جبال الفساد ، لكن هذا الشعب الذى عاش عقودا تحت القهر والفقر ، يحتاج الى بلوغ سن الرشد ليدرك معنى الحرية والديمقراطية الحقيقية ، دون رتوش او تزييف ، ان يدرك الفرق بين الحرية والفوضى ، بين الافراط فى الحرية اوالتفريط بها ، بين قول الرأى بتحضر ، وبين فرضه بقوة البلطجة ، بين دولة القانون واستخدام " السنجة " لانتزاع الحق ، وان حرية الانسان تقف عند حد حرية الاخرين ، ان نبلغ الرشد مع ثورتنا .

الله الله يا ست ...  نظر الله الى فارشد ابنائى فشدوا الى العلا اى شد ، قد وعدت العلا بكل ابى من رجالى فانجزوا اليوم وعدى ، وارفعوا دولتى على العلم والاخلاق ، فالعلم وحده ليس بجدى .

نعم لقد اهدى الله مصر ثورتها كهبة من السماء  ، ليعيدها الى العلا ، والدور الان يقع على عاتق رجال مصر الشرفاء للسير بالثورة الى بر الامان ، وعدم الاستسلام لما يحاول رؤوس وأذناب النظام السابق فرضه علينا ، او ممن كانوا يسترزقون وينتفعون من هذا النظام ، فانقطع رزقهم الحرام ، على رجال مصر الشرفاء أن يرفعوا مصر فوق اكتافهم علما وخلقا وعملا .

 

الله الله يا ست ... نحن نجتاز موقفا تعثر الاراء فيه وعثرة الرأى ترديا ، فقفوا فيه وقفة حزم وارسو جانبيه بعزمه المستعد .

هذه الابيات لحافظ ابراهيم وصوت ام كلثوم  اهديها للمجلس العسكرى وحكومة عصام شرف ، فمصر ستجتاز معكم وبكم عثرتها ، وعليكم توحيد الصف والرأى لفصائل الشعب ، فالفرقة والخلاف تردى ، عليكما الوقوف وقفة حزم للدفاع عن الثورة وشعب مصر ، من كل من يحاول النيل منهم وهدم نجاحات الثورة .

وأخيرا ، ليت كل مصرى يشعر بوطنيته كما شعرت الراقصة إياها ،  وان يسعى لإنعاش الاقتصاد فى بلدنا الحبيبة ، ولكن ليس عن  طريق" النايت كلوب ".