رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عندما أصدر الملك مرسوما لإحالة ابنه للنيابة ..!

فكرية أحمد

الجمعة, 22 أبريل 2011 10:58
بقلم - فكرية احمد:

 

كان يوما حالكا، لم تطلع له شمس على بلجيكا، قلب اوروبا النابض وعاصمتها السياسية, التى تحتضن اهم مؤسساتها بجانب مقر حلف الاطلنطى، واختص القصر الملكى لألبرت الثانى ملك بلجيكا بالنصيب الاكبر من التوتر والضجة التى ثارت فى البلاد بشقيها الفلاندرين الناطق بالهولندية، والفالونى الناطق بالفرنسية، واحتبست انفاس الساسة والشعب، والنبأ المشؤم يتسرب لوسائل الاعلام التى لا تخشى فى قول الحق لومة لائم، لينقلب القصر الملكى رأسا على عقب .

وكان سبب الظلام النفسى والتوتر الذى خيم على البلاد، تفجر فضيحة تورط الامير لورانت " 43 سنة فى حينها " الابن الثالث للملك ألبرت فى فضيحة استغلال نفوذ " يا نهار اسود ابن الملك استغل نفوذه " فى سابقة لم تعرفها البلاد فى تاريخها الملكى الذى يرجع الى عام 1831 وتقلب عليها 5 ملوك من ذات العائلة.

وجريمة الامير لورانت يا سادة انه كان يبنى فيلا خاصة به، وعجز دخله عن استكمال تشطيب الفيللا " تخيلوا ذلك معى " لأن الامير يعمل على ادارة مؤسسة لرعاية التنمية المستدامة، ولا يتربح منها كثيرا مما يمكنه من استكمال الفيلا، فوسوس له احد مستشاريه بامكانية الاستفادة من منحة يقدمها صندوق البحرية العسكرية، وبالفعل وقع الامير فى شرك المستشار، سواء كان هذا فخا لتوريطه، او لمجاملته من قبل احد بطانة السؤ لأنه ابن الملك، وبالفعل تم استكمال الفيللا من صندوق البحرية العسكرية بمبلغ 185 الف يورو .

" اى والله " هذا هو كل المبلغ الذى حصل عليه الامير، وفضحته فيه الصحافة وكل الاعلام، وطأطأ الملك ألبرت رأسة خجلا من "العملة السودة " لابنه الذى يأتى ترتيبه الثانى عشر فى وراثة العرش الملكى، واذا بالملك يصدر مرسوما فى يناير 2007 ، يسمح فيه باستدعاء ابنه امام النيابة للتحقيق معه فى قضية الفساد هذه، رافعا بذلك الحصانة الملكية عنه التى يتمتع بها وفقا للدستور، كما تم استجواب الامير امام الشرطة الفيدرالية .

وكشفت التحقيقات ان الامير تورط فى قبول هذه المنحة او الهدية لاستكمال فيللته بدون قصد، وان مستشاره هو الذى ورطه، ولم يكن " الامير "  يعلم تماما ان الامر غير قانونى، حيث اعتقد ان هناك بنودا يمكن من خلالها الحصول على هذا المال من صندوق البحرية .

وأيا كانت دوافع الامير وحججه التى دافع بها عن نفسه، الا انه بات متورطا بشكل او بآخر فى عملية فساد، ولأنها الغلطة الاولى كما يقولون فى القانون لهذا الامير، فقد تم التصالح، وتعهد لوران رسميا بإعادة المبلغ، واشرف على التعهد رئيس الوزراء ايف ليترم، لإعادة المبلغ على اقساط كبيرة لموازنة البحرية، واكرر ان المبلغ كان 185 الف يورو .

وكانت هذه القضية سببا لأن قرر الملك التنكر لابنه الامير ومعاقبته معنويا، واستبعاده من كافة البرتوكولات والحفلات والمناسبات العائلية، وهذا القرار

سار حتى الآن، كما تسببت الفضيحة فى فتح ملف انفاقات الاسرة المالكة السنوية التى تحددها موازنة يتم مراجعتها من الحكومة والبرلمان، نصيب الامير لوران  السنوى من هذه الموازنة الملكية  306  آلاف يورو .

وخرجت اصوات شعبية تطالب بخفض الموازنة الملكية التى تمثل عبئا على دافعى الضرائب، وكأن الشعب ينتقم من الملك الذى مد ابنه يده على اموال من صندوق البحرية، وبالفعل كانت تلك القضية سببا فى خفض موازنة الاسرة المالكة بنسبة 10% جملة واحدة .

ورغم ان الاسرة المالكة البلجيكية لها الآن دور فخرى فقط، بوصف بجليكا دولة ملكية دستورية، لها حكومة ووزراء وبرلمان حر منتخب، الا ان الاسرة المالكة كان لها فضل تاريخى عظيم على الشعب البلجيكى، منذ اختار الشعب اول ملك فى هذه العائلة وهو ليوبولد، احد اخوال فيكتوريا ملكة بريطانيا فى ذلك الحين  فى عام 1831، عقب قيام البلجيك بطرد الاستعمار الفرنسى والاستقلال عن المملكة الهولندية، فقد قام الملك ليوبولد بتحقيق نهضة صناعية كبرى فى بلجيكا، حتى اصبحت الدولة الصناعية الأولى في القارة الأوروبية بين عامي 1870:1830، و تطورت الصناعة الثقيلة، وتوسعت التجارة الخارجية لهذه الدولة بصورة هائلة، اى ان الاسرة المالكة لها الفضل حقيقة فى بناء بلجيكا التى يعيش شعبها الذى يفوق الآن 10 ملايين نسمة رفاهية هائلة، لذا يكن الشعب للاسرة المالكة كل الولاء والحب ولا يفكر فى إلغاء الملكية، لكن لا يمنعه ولاؤه من محاسبتها اذا اخطأت فى مال الشعب.

ولم يختلف موقف الملك ألبرت مع نجله لوران " والذى يبدو انه ابن مشاغب " لم يختلف موقف الملك، عندما تم توقيف لوران وسحبت الشرطة رخصة قيادته فى فبراير من العام الجارى،  بعدما ضبط وهو يقود بسرعة تفوق السرعة المسموحة بثلاثين كيلومترا بوسط العاصمة بروكسل، ولم يتحرج القصر الملكى فى ان يخرج متحدثه الرسمى " بيار ايمانويل " ´للاعتراف بالواقعة واعلان سحب الرخصة، ولم يتدخل الملك بجلالة قدره لإنقاذ نجله،  كما لم يقف الامير نفسه رافعا رأسه فى تكبر امام الشرطى ليصرخ فى وجهه " انت مش عارف انا مين ؟ "، لأن الامير والملك  وكل المسئولين، الكل يدرك ان البلد " فيها حكومة " وان الكل سواسية امام القانون .

ورغم التاريخ الاستعمارى لبلجيكا، وكل خطاياها السابقة فى جنوب افريقيا، وتورطها فى تجارة الماس الدامى بالكونغو وغيرها من المستعمرات الاوروبية السابقة خاصة التى كانت تقع تحت سيطرتها، الا ان بلجيكا

لم تسجل حالات فساد داخلى ارتكبه المسئولون بالحكومات والوزارات فى حق الشعب، شأنها شأن دول اوروبية كثيرة، بسبب النظام البرلمانى العظيم الذى يمثل رقابة شعبية قاسية على الساسة .

وفعلا فساد عن فساد يفرق، الفساد فى عهد مبارك لا يمكن وصفه إلا بقول  الشاعر " طمى السيل حتى غاصت الركب " اما فسادهم فى تلك الدول  يمكن تطهيره بسهولة، لأنه يتكشف بسرعة بسبب الرقابة الشعبية وحق الشعب فى كشف الفساد عبر برلمان لا يتورط فى الفساد ولو بالصمت، فسادهم لا يفقر الشعوب ولا يجوعها، ولا يراكم الديون الداخلية والخارجية، فسادهم ليس على حساب صحة الشعب ولا تعليمه، قد يطمع وزير فى عمولة لصفقة ما، او يدير شركة ما من الباطن، او يطمع فى تعيين قريب له هنا او هناك، او قد يبصبص رئيس وزراء لحسناء ويعشق التجول سرا معها فى احد المواخير، وقد يسرف وزير فى نفقات على احتفاليات لافتتاح طرق كما فعل وزير هولندى مؤخرا، الا ان فسادهم ليس للركب، لأن الجهات الرقابية القوية تفضح تلك الفسادات الصغيرة، ويضج الشعب، ويسقط مرتكبوها او تسقط الحكومة كلها .

ولأن السلطة مفسدة وتخرب نفس صاحبها اذا ما كانت بلا رقابة، سواء من ضميره او ممن حوله، ناهيك عن بطانة السوء من المنتفعين، ومزينى الطرق الحرام من اخوات الشياطين، ولأن النفس البشرية ضعيفة وامارة بالسوء ، فحري ان يكون فوق كل صاحب سلطة جهة رقابية ترصد تحركاته واعماله، قراراته ومكاسبه، وايضا رصيده البنكى، وهو ما نجح الغرب مع  الاسف فى تحقيقه مع الحكومات والمجالس الوزارية التى تحكمهم ولم ننجح نحن العرب والمسلمون فى تحقيقه فى انظمتنا على مدى عقود.

فالبرلمان بأوروبا رقيب على اعمال الحكومة، لانه يضم ممثلين من كل الاحزاب وطوائف الشعب على مختلف توجهاته، يتم انتخابهم بشفافية ونزاهة، برلمان يقف للحكومة بالمرصاد فى كل قرار وخطوة تتخذها ، يحيل اليه فى لحظة اى من الوزراء للمحاسبة والاستجواب لتحقيق الشفافية، والبرلمانات يا سادة فى هذه الدول ليست لتطيب خواطر الحكومة، او مجرد " إمعة " ينام اعضاؤها بالمجالس ليصحو آخر الجلسة رافعين ايدهم بالموافقة على كل ما طرح مما لم يسمعه هؤلاء الاعضاء، لأنهم كانوا نياما، او بلا رأى، او اصحاب مصلحة فى تمرير القرارات او " سلق " القوانين .

وهناك غرفة محاسبة يعمل لتقاريرها الف حساب " قلبى مع جهازنا المركزى للمحاسبات "، وهذه الغرفة ترصد موزانه الدولة، وتراقب عن قرب الإنفاقات، لتضمن وضع كل " سنت " فى مكانه من القطاعات والجهات الخدمية والمشروعات التنموية التى تصب كلها فى مصلحة المواطن، وتفضح غرفة المحاسبة امام البرلمان اى تجاوز او تلاعب بالموازنة .

إن غياب الرقابة الحقيقية، وتواطؤ البرلمان المنحل، هو الذى سار بشعب مصر كما يسير بشعوب عربية اخرى  الى ما نواجهه الآن، من جوع وفقر، جهل وتخلف، والآن قتل على ايدى الاشاوس من الزعماء العرب الذين استعبدوا الشعوب، وعاثوا في البلدان فسادا.

واعود الى قصة البداية لأقارن بين ما حدث فى بلجيكا وبين ما حدث فى حبيبتى مصر، وانا أتمزق مع ابناء وطنى حزنا وألما على قدر الفساد العائلى الذى تمتع به مبارك واعوانه، مع الفارق بأن مصر لم تكن مملكة فى عهد مبارك، ولم يكن جمال او علاء نجليه ورثة للعرش، رغم ذلك تصرفت عائلة مبارك فى مصر وكأنها اقطاعية لهم، وأن للشعب ان يرى لحظة القصاص العاجل والعادل، وتحية منى خاصة لملك بلجيكا، رغم تحفظى على كل التاريخ البلجيكى الاستعمارى فى افريقيا .