رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

غداً سأفقد ذاكرتي.. وأحلق مع طائرة من ورق!

فكرية أحمد

الأربعاء, 24 أكتوبر 2012 00:08
بقلم: فكرية أحمد

لا أذكر عمري وقتها، حين اشتري أبي كعادته من كل عام خروف العيد، كان هذا الخروف ذا طابع يتسم بالكوميديا «أو هكذا أعتقدنا»، فقد كان يأتي بحركات بهلوانية تضحكنا، وكنا نمسك له بورق الكراريس، فيقفز في الهواء ثم «ينطحه» بقرنيه ويثقبه، فتعلق به الورقة،

ويأخذها ويجري، ونجري خلفه، وليلة العيد، أصيب الخروف بحالة غريبة من الهياج والمأمأة، وكأنه يشعر بمصيره الذي يرتقبه في الغد، وفجأة غافلنا وقطع الحبل الملفوف علي قدمه في تلك الغرفة بسطح البيت، وجري إلي الشرفة وقفز منها قفزة انتحارية هائلة، وسقط علي الأرض بلا حراك، هرب خروفنا من سكين الجزار وقفز قفزته الأخيرة في موت اختياري، وحزنا عليه كثيراً، خاصة أن ظروف أبي لم تسعفه لشراء خروف آخر، تذكرت بالأمس قصة خروفنا، وأنتابتني حالة مقارنة غامضة بين قصة الخروف الذي هرب من الموت إلي الموت، وبما نفعله في أي عيد، فنحن نستقبل العيد في توتر وقلق وتفكير من سندعو ونولم له الولائم، نقضيه في إنفاقات هائلة ترهق كاهل الأسرة، وقد تبقي عبئاً وديناً لأشهر طويلة بعد العيد، بجانب كم الأحزان التي نجترها في لمة العيد، وكأن كل منا يلقي بأشواك آلامه في جعبة الآخر ليفرغ هو منها، فلا يصبح العيد عيداً، وبدلاً من أن نهرب من متاعبنا في العيد إلي الفرحة نهرب إلي الاحزان والمسئوليات الإضافية.
لذا قررت أن يكون هذا العيد مختلفاً، حتي وإن اقتسمت أيامه مع زملائي لدواعي العمل، قررت

أن أحصل بمشيئة الله علي هدنة، هدنة تريحكم من قصة الأمس الدامية التي عاشها مسلموا البوسنة والهرسك، ولا يزالون يعيشون علي أصدائها، هدنة أتلمس فيها نسمات هادئة في صباح حقيقية، فلا أحارب زحام الشوارع قرابة الساعتين صباحاً وبعد الظهيرة ذهاباً وإياباً للجريدة، ولا أري مشاجرات علي جانب الطريق بالسنج والمطاوي، أو حادث سيارة من تلك التي أراها كل يوم تقريباً مع دماء علي الطريق، أو أسمع سباب سائق ميكروباص لا يعجبه تمسك إشارة المرور باللون الأحمر فيقطعها في تحد دون إكتراث بعسكري المرور الزاعق خلفه، استراحة سأفقد معها بصورة عمدية ذاكرتي ومسئولياتي وأحلق فيها بخيالي مع طائرة ورق، استراحة سأقضيها مع ابتسامة ورشفة شاي في صباح بلا كدر، لا أسمع فيها خبراً يحرق دمي، ولا اقرأ جريدة توتر أنباؤها أعصابي.
سأدعوكم اليوم في استراحتي للبقاء بالمنزل، لاستنشاق عبير الأسرة ولمتها، لاستلهام الذكريات المبهجة فقط، دعونا لا نخرج اليوم إلي الطريق، دعونا بعد صلاة العيد نوقف سيارتنا الخاصة، ونريح القاهرة وسائر مدن مصر من هذا العادم، يوماً واحداً فقط، تلتقط فيه مصر أنفاسها دون دخان أو دون بعضه، دعونا نجلس معاً اليوم في بيوتنا حتي لو لم يكن هناك مائدة عامرة بالثريد، حتي  لو لم يسعنا
ما في الجيب لنذبح الأضحية، فالله يأخذ بالنوايا، حتي لو لم يسعنا الرزق أو الحظ لنسافر إلي الأهل في المدن البعيدة بسبب زحام القطارات واختفاء تذاكر السفر، لا تحزنوا ففي التواصل آليات أخري بديلة متطورة تقرب المسافات.
ادعوكم معي إلي إغلاق كل صنابير الأحزان، يوم لا تستمعوا فيه إلي ترهات الساسة وحروبهم العنترية أو الورقية، اغلقوا قنوات التوك شو وبرامج المكلمة، ولا تستمعوا إلي أخبار الحرب وقتل الأخ لأخيه والرئيس لأبناء شعبه من أجل سلطة كرسي زائل، اجعلوا لهذا اليوم طعماً مختلفاً وعبقاً كورد برائحة الربيع، وتناسوا أن الخريف يبعثر أوراق أشجارنا الخضر ليعصف بها الريح، عيشوا هذا اليوم كأنه يوم حب طويل في عالم لا يعرف البغضاء، انزعوا أشواك الغضب من خاصرة الساعات القوا بأحزانكم كلها بعيداً بعيداً، وانتزعوا من قلب المدن الحجرية ضحكة رنانة، ضحكة من القلب لم تزرنا منذ زمن بعيد.. سنعد معاً طعاماً بسيطاً بلا كلفة، ربما نحمله معنا ونسلم أجسادنا للريح.. للهواء، ونستلقي علي الخضرة في أي حديقة عامة، نراقب قفزات الصغار حولنا كعصافير ملونة اكتشفت وجود الريح فتحركت لديها الأجنحة بعفوية، اليوم لا تحكي عن المشكلات المتراكمات ولا تدع غيرك يحشو بها رأسك المشحون، انس، واجعله ينسي ولو ليوم كل أسباب العذاب، لا تستسلم اليوم لحزن وارد أو دفين، لا تجعل نفسك كظلام لا يستقبل الضوء، ولو لليلة.. ليلة واحدة تفرغ فيها النفس والقلب والعقل مما كان، لتصبح اليوم إنساناً جديداً، طفلاً وليداً، يمكنه أن يبدأ الغد من جديد، حتي يحتمل ما هو قادم بعد أن تخلص مما كان.
اليوم ادعوكم لنحلق مع الأحلام، مع طائرات الورق، مع رائحة البحر، مع الابتسام، بعيداً عن الكلام عن لغة اللوم والأنين والعتاب، لنقضي يوماً واحداً بلا كدر، حتي لو طاردتكم أسباب هذا الكدر عرضاً فاهربوا منها، اهربوا إلي الحياة.