أمن الدولة ... أم خراب الدولة

فكرية أحمد

الأحد, 06 مارس 2011 13:27
بقلم - فكرية أحمد:

يا الله .. يامنجى يا الله، يا لطيف بالعباد، ما هذا الكم من الفساد، من رءوس هرم النظام إلى القاع، ترى كم تبقى شريفا فى مصرنا مع هذا الزخم من الأوغاد، كنا نعلم جميعا بوجود فساد، ولكن أكاد أقسم أنا وغيرى كثيرون أننا لم نكن ندرك أن الفساد بهذا الحجم اللامعقول، وأنه تغلغل فى الثنايا وحتى النخاع ، إن الفساد صار الأساس والقاعدة، وأن الشرف هو الاستثناء .

كنا نعلم ما يدور دخل جدران الأبنية العتيقة لأمن الدولة فى القاهرة وبمدن المحروسة،  كنا نعلم بالكيف لا الكم، نعلم بوجود سجون سرية وسراديب لتعذيب من يرفع وجهه فى السماء ويعترف بوجود الله، لتعذيب من سجد وأخضع جباهه للخالق دون العباد، كنا نعلم أنه فى كل مصلحة حكومية أو مؤسسة عمل مجندين من الجهاز، ينقلون الأخبار إليه ويلفقون الملفات، حتى المؤسسات الإعلامية لم تسلم من هؤلاء العملاء، كنا نعرف بعضهم بالأسماء، ونعرف سر ترقياتهم الغامضة على أكتاف من هم أحق وأكفأ وأفضل خبرة، ولكننا لم نعلم بكل هذا الكم، فقد كان التعتيم الإعلامى يحيط جنبات الأبنية وما يدور خلالها، وكان من يدخلها ويخرج منها حيا،  يخشى التفوه وكشف ما تعرض له إلا بعضهم القليل،  خشية أن يعودوا مرة أخرى بداخلها ولا يخرجوا أبدا للنور، انتقاما منهم لفضح الحقائق التى تجرى بالجحور، وكانت صحف المعارضة القليلة الشريفة، هى التى تجرؤ فقط وتنشر ما يصل إليها من فضائح أمن الدولة، وما يتعرض له أصحاب الفكر والرأى وحتى من يؤدون فقط الصلاة بانتظام  .

ونظرا للتعتيم، وخوف المواطنين، بقيت معظم جرائم أمن الدولة طى الكتمان، ومنحتهم السرية والتعتيم مزيدا من الجرأة للعمل فى الظلام، وأصبح هذا الجهاز عاملا مساعدا فى خراب الدولة، خرابها على طريقته،  بإهدار كرامة و قتل انتماءهم وحبهم لمصر، بمحاولة تحويلهم إلى مجرد فئران خائفة مذعورة، تسير تحت الجدار، لا تلتفت يمينا ولا يسارا خوفا من المصيدة، ولكن رغم ذلك لم يخضع آلاف من شعب مصر للتخويف والتهديد والقهر والتعذيب،  وخرج كثيرون من مقار أمن الدولة لقول آراءهم مجددا بلا خوف، ولإداء شعائر الله ورفع كلمته عالية، وليرفعوا رءوسهم فى وجه الظلم والاستعباد .

لقد ساهم جهاز أمن الدولة فى خراب الدولة، باستقطاع ملايين من الأموال،

كنسبة لهم من الوزارات والهيئات فى صورة رواتب ومنح يملأون بها جيوبهم من حرام، ضمانا للفوز بحمايتهم، وعدم إضرارهم بهذه المصالح والوزارات، ولتقديم تقارير طيبة حول الذمم والأداء للعاملين بهذه الجهات إلى أولى الأمر، وأصبحت الوظائف المرموقة والأعمال والمشروعات الاستثمارية وغير الاستثمارية، لا تمر من تحت أنوفهم مرور الكرام، إلا بعد قبض الثمن، لمنحها تقرير " إيجابى " والسماح بها، وما كشفه الشعب على مدى الأيام الماضية من فضائح بعض ولا أقول كل العاملين فى جهاز أمن الدولة باقتحام المقار والحصول على بعض المستندات والوثائق، يبدو أنه قليل من كثير، بعد أن نجح ضباط أمن الدولة والقيادات فى إحراق وإتلاف أطنان من الملفات، وما أتلفوها إلا لأنها تدينهم فى زمن ثورة قامت لتطهر مصر من الفساد .

لقد اعتقد زبانية أمن الدولة أنهم خالدون، باقون ليوم الدين، لن يموتوا أو حتى تخمد جذوتهم وتذهب قوتهم مع الزمن بالمشيب، أو حتى بالرحيل فى عصر قادم بالتغيير، فتربعوا على أنفاس الشعب بالحديد والنار، تحولوا إلى دراكولا، يخيف الشعب بأشباح الرعب إذا ما حل الظلام، وينشبون أنيابهم فى دمائه إذا ما وقع فريستهم، وبين هذا وذاك، يسلبون أموال الشعب بالباطل لتطول قامتهم ويتسع ثراءهم على حساب الأبرياء .

هذا الجهاز أحد صنائع النظام البائد الذى أسقطته ثورة 25 يناير، حلقة فى سلسلة العذاب التى عانى منها الشعب الطيب على مر 3 عقود، رغم أن هذا الجهاز له تاريخ  أيضا لم يتسم  أبدا  بالطهارة ولا النقاء، فقد عرفته مصر عام 1913 فى عهد الاستعمار الإنجليزى لمصر، وأنشئ فى حينه تحت اسم " القسم المخصوص "، وكانت مهمته ملاحقة الشباب الوطنى المناهض للاحتلال، وبقى هذا القسم المخصوص مع تغيير ببعض مهامه بعد توقيع معاهدة  1936، وأصبحت تبعيته تابعة للقصر الملكى بمصر، يتلقى أوامره من القصر للتأمين والحماية من أى مؤامرات تحاك ضده .

ولم ينفرط عقد هذا الجهاز مع ثورة يوليو 52، فقط تغير اسمه

وأصبح المباحث العامة"وتم تكريس جهده لحماية رءوس الثورة الذين انفردوا بالسلطة، وتصفية المعارضين والخصوم، بما فيهم نفر من أبناء الثورة أنفسهم، وحين جاء السادات قام بتغيير اسم هذا الجهاز إلى " مباحث أمن الدولة " ثم أخيرا إلى جهاز أمن الدولة، وظلت أيضا أعماله تدور على ذات المحور، لحماية النظام، والانتقام من المعارضين والخصوم، بجانب دور ملاحقة الجواسيس والعناصر المندسة على مصر .

وأخيرا أصبح اسمه جهاز أمن الدورة، ولم يتغير دوره المتوارث فى ملاحقة معارضى النظام والقضاء عليهم .

لقد فقد جهاز أمن الدولة منذ البداية مشروعيته، فكلمة أمن دولة معنى بها حماية هذا الجهاز للدولة، والدولة بمفهومها السياسى المتعارف عليه تعنى ثلاثة عناصر الحكومة والشعب والإقليم أو الأرض، أى أن هذا الجهاز مفترض وجوده لحماية العناصر الثلاثة المكونة للدولة، وانقطاع مهامه لحماية عنصر واحد فقط وهى الحكومة، يفقده المعنى الحقيقة لوجوده والشرعية، فلا يمكن لأحد قول إن هذا الجهاز قام بعمل ما لحماية العنصر الأهم والأقوى والأبقى وهو  الشعب، بل على النقيض عمل جاهدا للقضاء على حرية وأمن وفكر هذا الشعب .

المطلوب الآن، محاكمة العناصر الفاسدة من جهاز أمن الدولة، والإبقاء على العناصر الشريفة، وأن تتم إعادة هيكلة هذا الجهاز، وإعادة النظر فى مهامه، أن يتم الاستغناء عن اسمه الحالى لأنه بات يرتبط فى أذهان الشعب بالمآسى والمهانة والجبروت، شأنه شأن اسم الحزب الوطنى، علينا أن نطلق عليه أى اسم آخر كالأمن المصرى العام، أو أمن الشعب أو أمن مصر، لا يهم الأسماء، المهم الأداء، أن يكرس هذا الجهاز مهامه لحماية مصر من الدسائس الخارجية، من الجواسيس والدخلاء والمتآمرين الذين يستهدفون البلاد فى المقام الأول، وألا يعود دورهم لاستهداف أبناء مصر الشرفاء، لمنع عباد الله من الصلاة أو حضور دروس الدين، أو منع النشطاء السياسيين من الترشح فى اتحادات الطلاب  أو من الوظائف، أو تلفيق القضايا والتهم للمعارضين .

أن تكون هناك رقابة أمينة محايدة على اداء هذا الجهاز، رقابة لا تتردد فى الكشف أولا بأول عن أى تجاوزات أو ممارسات مرفوضة لعناصر هذا الجهاز، ولا يستبعد أن يكون هناك إشراف من وزارة العدل، أو إشراف قضائى .

مطلوب أن يتنفس هذا الشعب هواء حرا نقيا باختفاء الوجه القديم لهذا الجهاز، وأطالب أيضا بأن يتم تغيير أماكنه وبناياته التى باتت الآن كخارطة عذاب محفورة فى عقول وقلوب الشعب المصرى، وأن تتحول مقاره الحالية إلى مؤسسات وشركات، وألا تتضمن بناياته الجديدة أى سجون سرية أو سراديب، على أن تخضع هذه البنايات لتفتيش مفاجئ من النيابة ومن المستشارية القضائية، وألا يحق لهذا الجهاز احتجاز أى متهم دون عرضه على النيابة فى غضون ساعات، المطلوب أن يغسل العاملون بهذا الجهاز ممن لم يقعوا فى براثن الفساد وجوههم بماء الثورة، استعدادا لمرحلة شريفة نظيفة، لا تلوث فيها أيديهم وضمائرهم بدماء الشعب أو غضبه .