رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

دموع بين شقى «الرحى»

فكرية أحمد

الأربعاء, 18 أبريل 2012 08:12
بقلم: فكرية أحمد

أستميحكم عذرا ان توشحت السواد والحقول الخضر بالثمار اليانعات تحفل بالربيع، عذرا أن حملت زهرا أصفر بلون وجه الموت لا لأهديه لأحبائى، بل لأوسده قبور بعض رفاق الطريق وكثير من الأصدقاء، منذ اعوام واعتاد الربيع ان يقسو علينا «أسرة الوفد»،

فاذا ما جاء الربيع اختطف من روضنا «زهرة»، ورحل فى جفاء لم نعتده وولى ظهره، فبتنا ان حل الربيع نتحسس الخطا ارتعاشا رغم دفئه، ونراقب الجدران البيض بالمبنى العتيق «ببولس حنا» خشية أن نلقى سوادا قد تسلق الجدران وتمنطق بشريط ينعى احدنا أو شخص يمسنا.. عزيز علينا بجملة الرحيل «البقاء لله».
الموت حق، ولكن للموت رهبة، ولفراق الأحبة والرفاق ألف رهبة تزداد عمقا.. تزداد وحشة لو حبسنا الدمع الحزين، وفى مهنتنا القاتلة.. المهاجمة لشرايين قلوبنا والمسببة لجلطات «مخنا» والانزلاقات بفقراتنا.. لا وقت للأحزان ولا وقت للدموع، يفاجئنا خبر الموت ونحن موزعون بين المهام الملزمات، أما فى أماكن الأحداث والأخبار، أو قابعون خلف المكاتب وبين ايدينا الأوراق او شاشات الكمبيوتر، كما يفاجئنا خبر مرض احدنا ونقله للمشفى فى حالة خطرة، فلا نتوقف كثيرا امام الخبر، نختصر «آدميتنا العميقة» فى دمعة وزفرة عاجلة، نبحث عن اى وقت نختلسه لنزور المريض، نلقى عليه نظرة وكلمات «حب» فى عجالة،

تتمزق مشاعرنا بين الألم الإنسانى وبين الواجب المفروض، ليس امامنا إلا دقائق معدودات لنبكى، دقائق لنواسى، دقائق لنزور مرضانا، دقائق لنربت على اكتاف بعضنا البعض، وعلينا ان نكتم الآلام لنواصل العمل، فموعد المطبعة لا يرحم، وموعد صدور الجريدة محاصر بالتوقيت.. ولا يرحم، ولا يمكننا إصدار صفحات بيض أو سود من أجل أحزاننا أو مرضنا، بل مطالبون بان نقدم أفضل وأجمل ما لدينا للقارئ، لنكون فى الصدارة أو فى موقع المنافسة مع عشرات المطبوعات والصحف اليومية.
لا وقت للدموع، قلتها ودمعى ينزف على الورق وأنا أسمع نبأ رحيل عونى الحسينى، لا وقت للاحزان، قلتها وأنا أنزف ألما لرحيل سعيد عبدالخالق، عادل القاضى، ومجدى حنا، وبالأمس القريب زوج صديقة دربنا السيدة فاطمة فتحى سكرتيرة رئيس التحرير التى فقدت زوجها المحامى أمير وهو فى ريعان الشباب، نتلقى ضربات الموت وسقوط الرفاق والاصدقاء ونحن ممسكون بأقلامنا، متشبثون بأوراقنا، كالجندى الواقف على الجبهة، لا عليه ان يخفض الرأس ليجفف دمعه، ولا حتى يبتسم لقدوم عيد، بل عليه ان يقف جامدا صامدا، على أهبة
لاستعداد الدائم لأداء الوجب، فلا وقت للأحزان، ولا وقت للأفراح أو احتفالات الاعياد، ايام العيد نتقاسمها بين عمل وإجازة خاطفة، فنقضى العيد نصف عيد.
بين شقى الرحى تجرى دموعنا، أحزاننا، تنثرها بقسوة احرفا وكلمات واسطر تحكى كل الانباء إلا أنباءنا، كل أحداث العالم أفراحه وأحزانه هنا وهناك إلا أحداثنا، نحمل هموم مصر على اكتافنا. وفى ضمائرنا..وننسى همومنا، لاننا مجرد حبيبات بين شقى رحى لا ترحم ولا تتوقف، رحى تطلب دوما المزيد لتقدم الطحين والخبز والقصة والخبر الفريد، رحى تطحن أيامنا...اعمارنا، رغم هذا نحن راضون.. قانعون، بهذا الدور الذى اختاره لنا القدر فاخترناه وأحببناه، فجرت الصحافة مجرى الدماء فى عروقنا، ننام والأعين نصف مغمضة، خشية ان يفوتنا شئ من حدث، نلوك انباء العالم على ألسنتا فى جلسات سمرنا النادرة، وحتى على فراش نومنا او مرضنا، نتلقف فى المساء أولى طبعات الصحف الأخرى لنقارنها بصحيفتنا، وفى الصباح تكون المفاضلة الصحفية أول احاديثنا، نغوص فى الأوراق والكتب لنوثق الكلمات، وهواتفنا تحت الخدمة المفتوحة 24 ساعة، ليس من حقنا اغلاقها أو أراحتها، نتمنى ونحن بين شقى الرحى التى لا تتوقف أو تهمد ان نموت كالاشجار واقفين..فجأة، لاننا نعلم مسبقا انه لا وقت للاخرين حولنا ليزورونا او يواسوا المنا، وان زاروا سيكونون على عجالة، وسنعذرهم ، فاللهم ارحم جميع موتانا، واشف مرضانا، وارحمنا لترحمنا رحانا، وعذرا لكل من انتظروا فى الربيع ان يقرأوا منى بهجة أو ابتسامة، فأنا حزينة لانى لا أملك وقتاً شخصياً للحزن، فجاءت كلماتى إفراز لضيق حزنى بوقتى، و... كل عام وأنتم بألف بخير .