حكايات من تاريخ الظلم

مصطفى عبيد يكتب: السفاح الذى لا يعرف أباه

فقه الصيام

الأربعاء, 16 مايو 2018 21:25
مصطفى عبيد يكتب: السفاح الذى لا يعرف أباهمصطفى عبيد

لا نملك غير الحكى. السرد والتكرار وفضح الظلمة. الكل يرحل، القاتل والقتيل، الأقوى والأضعف، والظالم والمظلوم. لكن تبقى الكلمات شاهدة على كل آهة وجع وكل حسرة انكسار فى ألعاب الساسة حول السُلطة.

فى تاريخ المسلمين، مظالم عديدة، ومشاهد من عذاب وألم وفزع نحاول قراءته بأسلوب مُبسط، علّنا نُقدم صيحة استنكار ضد الظُلم تكون لنا شاهداً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.

بانتقال الحُكم إلى بنى أمية سنة 41 هجرية بعد الصلح بين الحسن بن على ومعاوية بن أبى سفيان بدأ الحُكم الوراثى وتحولت دولة المسلمين إلى مملكة مُستبدة. كان من المؤسف أن يطل مُتسلفنون وأدعياء يرفضون توجيه أى نقد للخليفة معاوية بن أبى سفيان باعتباره واحداً من الصحابة، بل زاد بعضهم أنه من كتبة الوحى، ولا يجوز إنكار فعل له أو انتقاده.والقراءة الواعية لعهد معاوية تؤكد أنه كان سياسياً ماهراً وأنه استطاع الحفاظ على شعرة السياسة بينه وبين الناس حتى صار

مثلاً يحتذى فى ذلك استناداً لقوله «لو بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت أبداً». ورغم ذلك فإن عهد أول خلفاء الدولة الأموية لم يخل من مشاهد ظُلم قاسية بسبب مقعد الحكم نفسه.

منها اختياره جبارين وقتلة لا يتورعون عن زهق نفس أو سفح دم تحت لافتة «وأد الفتنة» ليكونوا عماله وأمرائه على بعض الأقاليم. وكان أحد أخطر هؤلاء زياد بن أبية الذى يُسمى أمير الدهاة العرب. وقد أطلق عليه البعض ابن سمية لأنه لا يعرف له أباً.والغريب أن زياد كان أحد أمراء على بن أبى طالب، وقد ولاه فارس، وسعى معاوية إلى استمالته لكنه أبى حتى قُتل على، فأقبل على معاوية مُسانداً مُعضداً. وفى سنة 45 هجرية ولاه معاوية البصرة وخراسان بعد أن لمس فيها بوادر تمرد وعصيان.

وتنقل لنا كُتب التاريخ أعنف خطاب سياسى لوالى إلى أهل ولايته، وهى خطبة «البتراء» التى قالها زياد فى مسجد الكوفة. مضمون الخطاب أنه لا عدل وإنما حذر، ولا عفو وإنما حزم، والدم كل الدم مجانى من أجل الاستقرار. إننا نجد بعض العبارات مغرقة فى التجبر مثل «لآخذن الولى بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصى» و«أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة نسوسكم بسلطان الله وتذود عنكم بفيئة». ومنها أيضاً «وايم الله إن لى فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل منكم من صرعاى».

وأمر زياد قاد شرطته أن يؤخر صلاة العشاء وينتظر بعدها زمنا يفى بعودة الناس إلى منازلهم ثم ينظر فى الطرقات إن رأى رجلا قتله. وفى يوم جاء صاحب الشرطة برجل إلى زياد وقال إنه وجده يسير فى الطريق فسأله زياد إن كان قد سمع أمره، فنفى الرجل وقال إنه أخذته نومة وعندما صحا لم يعلم بأمر الأمير حتى قبض عليه. وقال زياد وقتها «والله إنى أعلم أنك صادقاً، ولكن فى قتلك صلاح الأمة «وأمر بقتله، ففعلوا».

وقال المؤرخون «فكان زياد أول من أخذ بالظنة وعاقب على الشبهة». وفرح به معاوية فأضاف إليه ولاية الكوفة سنة 50 هجرية.