رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الشاهد

عوامل تغير الفتوي إجمالاً

بقلم: فضيلة الإمام علي جمعة مفتي الجمهورية

تختلف الفتوي باختلاف الجهات الأربع - الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ولا ينكر أحد تغير الأحكام بتغير هذه الجهات. والمراد بالأحكام هنا: الأحكام المبنية علي الأعراف والعادات، والأحكام الاجتهادية التي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية وإنما نسب التغيير لتغير الزمان في كلام بعض أهل العلم، لأن الزمان هو الوعاء الذي تجري فيه الأحداث والأفعال والأحوال، وهو الذي تتغير فيه العوائد والأعراف، فنسبة تغير الفتوي لتغير الزمان من هذا الباب، وإلا لو ظل العرف كما هو عدة قرون لم يكن أحد مستطيعًا أن يغير الفتوي.

أما الأحكام التي لا تبني علي الأعراف والعوائد، والأحكام الأساسية النصية بالأمر أو النهي، فإنها لا تتغير بتغير الأزمان، ولا بتغير الأماكن، ولا بتغير الناس، كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والأمانة والصدق، وإباحة البيع والشراء، والرهن والاجارة، ووجوب الميراث وبيان أنصبتها، وغيرها من الأحكام المأمور بها، ومثل حرمة الزنا وشرب الخمر وحرمة القمار وشهادة الزور والخيانة، وتحريم الفرار من المعركة، وتعاطي الكهانة وادعاء معرفة الغيب، وغيرها من الأحكام المنهي عنها.

قال ابن عابدين: «أعلم أن المسائل الفقهية أما أن تكون ثابتة بصريح اللفظ وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي.. وكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث

لو بقي الحكم علي ما كان عليه أولا، للزم عنه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية علي التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم علي أتم نظام وأحسن أحكام» «انظر رسائل ابن عابدين 2/125».

وقال ابن القيم: «الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة والأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع علي الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه، والنوع الثاني: ما يتغير فيها بحسب المصلحة».

ويقول الدكتور بدر المتولي عبدالباسط في مقال له «نشر بمجلة الأزهر: فالأحكام الذي اعتمدت علي دليل قطعي في ثبوته، كالقرآن الكريم والأحاديث المتواترة والاجماع الذي توفرت شروطه ونقل إلينا نقلا متواترا، وقطعيًا في دلالته علي الأحكام، بمعني أن النص لا يحتمل إلا هذا المعني الواحد، الأحكام التي اعتمدت علي هذا الدليل أحكام ثابتة لا تقبل التغير ولا التبديل مهما تعاقبت الأزمان وتغيرت الأحوال، كقوله تعالي: (وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) «الإسراء: 23»، وكقوله جل شأنه: (وأحل الله البيع وحرم الربا) «البقرة: 275»، فهذه الآية

قاطعة في حل البيع وحرمة الربا، ولكن ما هي البيوع التي أحلها الله تعالي، وما هو الربا الذي حرمه الله تعالي، فهذا مجمل تكفلت السنة ببيانه، بما أعطي الرسول صلي الله عليه وسلم من حق البيان، ومثل ذلك ما أجمع عليه علماء الإسلام من أحكام، كحرمة زواج المسلمة بغير المسلم، وإن كان كتابيا، وكتوريث الجد والجدة عند عدم الأب والأم، إلي كثير من الأحكام التي أجمع عليها ونقل إلينا هذا الاجماع نقلا متواترا.

والأحكام القطعية الأصلية، سواء الأمر أو النهي، وهي التي لا تتبدل بتبدل الأعراف والعادات، يمكن أن تتغير أساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها باختلاف الأزمان، فمثلا حماية الحقوق المكتسبة حكم قطعي كان يقوم به القاضي الفرد، أما في عصرنا هذا فقد تعددت درجات المحاكم من قاضي الصلح إلي محكمة ابتدائية أو محكمة الاستئناف أو محكمة النقض وغير ذلك، فتغير الأسلوب ولم يتغير الحكم الأصلي.

والفقهاء لم يفتوا بمبدأ تغير الأحكام المترتبة علي العوائد بما خالف المروي عن الائمة، وإنما أفتوا بمخالفة النصوص الشرعية المعللة بالعرف إذا تغير العرف للضرورة والمصلحة، وعللوا ذلك بالحاجة واختلاف الزمان وتغير الأحوال، وأن الحكم يتبع علته وجودا وعدما.

ومن الأمثلة علي ذلك تجويز فقهاء الحنفية التسعير عند الحاجة مع ورود النهي عنه ومنع الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه من التسعير، وورد عن فقهاء المالكية القول بجواز التسعير إذا كان فيه رفع للضرر وضبط لسير التعامل بين الناس بلا اجحاف بالبائع أو المشتري.

هذا اجمال لعوامل تغير الفتوي الأربعة وهي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وإدراك هذه العوامل أمر مهم لفهم أسباب تغير الفتوي من جيل لآخر من العلماء المجتهدين الأجلاء، نفعنا الله بعلومهم وحشرنا في زمرتهم.