رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الشاهد..

خطأ المفتي ومنهج الفتوي

بقلم فضيلة الإمام علي جمعة مفتي الجمهورية

ينبغي أن ينظر في خطأ المفتي ويعلم مصدره، فإن كان خطؤه لعدم أهليته، أو كان أهلا لكنه لم يبذل جهده بل تعجل، يكون آثماً، وذلك لقول النبي صلي الله عليه وسلم: »إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتي اذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا« (البخاري ومسلم).

أما إن كان أهلا واجتهد فأخطأ فلا إثم عليه، بل له اجر اجتهاده قياساً علي ما ورد في خطأ القاضي، وهو قول النبي صلي الله عليه وسلم: »إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد« (البخاري ومسلم).

ويترتب علي مسألة خطأ المفتي ـ بعد ما علمنا هل يأثم أم لا ـ قضية اخري وهي رجوع المفتي عن فتواه، أو تغيير اجتهاده فيجب علي المفتي الرجوع عن الفتوي التي افتي بها اذا تبين له انه اخطأ في تلك الفتوي، فلا يجوز اعتماد قول لا يعتقد انه الحكم الشرعي، كما انه يعتقد انه خطأ ومخالف للشرع، واستأنس العلماء بما كتبه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الي سيدنا ابي موسي الاشعري رضي الله عنه حيث قال: »ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك، فهديت فيه لرشدك ان تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة

الحق خير من التمادي في الباطل«.

ويترتب علي هذه المسألة امور منها: هل يجب عليه إعلام المستفتي انه رجع عن فتواه، فهي مسألة خلافية، فقيل يلزم المفتي إعلام المستفتي بخطئه، وضرب ابن القيم علي ذلك مثالاً لما جري للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استفتي في مسألة فأخطأ فيها، ولم يعرف الذي افتاه به، فاستأجر منادياً ينادي ان الحسن بن زياد استفتي في يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان افتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه، ثم لبث اياماً لا يفتي حتي جاء صاحب الفتوي فأعلمه أنه قد اخطأ، وأن الصواب خلاف ما أفتاه به »إعلام الموقعين، لابن القيم«.

وقال القاضي أبو يعلي في كفايته: من أفتي بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده لم يلزمه اعلام المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلمه. والصواب التفصيل فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعاً لكونه خالف نص الكتاب أو السنة التي لا معارض لها أو خالف اجماع الامة فعليه إعلام المستفتي، وإن كان إنما ظهر له انه خالف مجرد مذهبه أو نص إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي« (إعلام الموقعين، لابن القيم).

وإن رجع المفتي عن فتياه، أو تبين خطؤه، فليس

للمستفتي ان يستند في المستقبل إليها في واقعة اخري مماثلة. وأما ما فعله ومضي فله أحوال:

1ـ إن تبين ان المفتي خالف نص كتاب أو سنة صحيحة لا معارض لها أو خالف الاجماع أو القياس الجلي، ينقض ما عمل فإن كان بيعا فسخاه، وإن كان نكاحاً وجب عليه فراقها، وإن كان استحل بها مالاً وجب عليه إعادته الي اربابه.

2ـ إن كانت فتياه الأولي عن اجتهاد، ثم تغير اجتهاده، فلا يلزم المستفتي نقض ما عمل، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، والفتيا في هذا نظير القضاء.

وينبغي ان يتبع المفتي منهجاً ثابتاً في الافتاء بحسب ترتيب الادلة الشرعية، فإذا سئل عن مسألة بحث عن حكمها في القرآن، فإن لم يجد ففي السنة، فإن لم يجد فيعمل القياس، حتي يستنبط الحكم الذي يطمئن إليه قلبه ويشترط في هذا الحكم ألا يخالف الاجماع.

وأما الادلة المختلف فيها كالاستحسان وشرع من قبلنا، فإن أداه اجتهاده الي صحة شيء منها افتي به، واذا تعارضت عنده الادلة فعليه ان يفتي بالراجح منها. وليس له ان يفتي في السعة بمذهب احد المجتهدين ما لم يؤده اجتهاده الي انه هو الحق، وليس له ان يفتي بما هو المرجوح في نظره.

ولعل ما ذكرناه يتناسب مع المجتهدين الاوائل الذين اسسوا المذاهب الفقهية المعتمدة، أما بالنسبة للعلماء بعدهم، فقد درسوا الفقه في تلك المدارس الفقهية، وكانوا يفتون بمذهب أئمتهم أو بغيرها بعد اطلاعهم علي اصول وأدلة المذاهب الاخري، وتكلم العلماء المحققون عن ذلك، فمن ذلك ما ذكره العلامة المحقق الحنبلي البهوتي في المبدع: قال أحمد في رواية المروزي: إذا سئلت عن مسألة لم أعرف فيها خبراً قلت فيها بقول الشافعي لأنه إمام عالم من قريش وقد قال صلي الله عليه وسلم »يملأ الأرض علما« (كشاف القناع، للبهوتي).