الشاهد

إدارة تراث الفتاوى بدار الإفتاء.. تجربة رائدة

بقلم: الدكتور على جمعة

فتاوى دار الإفتاء المصرية تراث عظيم يستمد مكانته من مكانة دار الإفتاء المصرية فى العالم الإسلامى بما تمثله من وسطية الأزهر ومنهجه القويم الذى ارتضاه المسلمون شرقاً وغرباً، ويزيد عدد هذه الفتاوى علي مائة ألف فتوى لثمانية عشر مفتياً وثلاثة مستشارين فى ثلاث فترات إنابة، بدءاً من فضيلة الشيخ حسونة النواوى حتى وقتنا الراهن، وتغطى هذه الفتاوى الفترة من 13/11/1895 ـ وهو تاريخ أول فتوى وجدت بالسجلات ـ إلى الآن.

وتعد هذه الفتاوى كنزاً فقهياً ينهل منه الباحثون والدارسون خاصة فى الفتاوى المتعلقة بالمسائل المستجدة والمعاصرة، كما ترصد وتبين تلك الفتاوى تغير الفتوى بحسب تغير الجهات الأربع «الزمان، والمكان. والأحوال، والأشخاص، بالإضافة إلى قيمتها في التوثيق للبحوث المختلفة، التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، فهى صورة صادقة عن الواقع الموجود فى المجتمع المصرى بل العربى والإسلامى.
لكن هذا التراث ـ للأسف الشديد  كان مهملاً لا يستفاد منه حتى امتد الاهمال إلى السجلات التى قيدت فيها الفتاوى فتمزقت أوراق بعضها وظهرت آثار الرطوبة على البعض الآخر حتى كادت تمحو ما كتب فيها، ولم تلق من العناية شيئاً إلا ما طبع منها من مختارات فى عشرين مجلداً بعناية فضيلة الإمام الأكبرك الشيخ جاد الحق على جاد

الحق شيخ الأزهر الأسبق ـ رحمه الله ـ، ثم طبع ثلاثة مجلدات أخرى فى عهد فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوى ـ رحمه الله ـ، وكان  هذا آخر ما نشر من فتاى دار الإفتاء المصرية.
ثم جاء فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب المفتى السابق وشيخ الأزهر الحالى ـ حفظه الله ـ وتم في عهده تصوير تلك السجلات تصويراً ضوئيا، ثم منَّ الله تعالى علينا وتنبهنا إلى ضرورة الحفاظ على هذا التراث الممتد لأكثر من مائة عام فحرصنا على العناية به فى رؤية شاملة ومشروع متكامل، فقمنا بتصوير السجلات ورقياً ورقمياً، وتمت كتابتها على أجهزة الكمبيوتر، وتم تجليد السجلات المصورة، وحفظت السجلات الأصلية بدار الوثائق وأودع عدد من النسخ الورقية والرقمية خزائن البنك المركزى المصرى.
ثم أصدر فضيلته أوامره بإنشاء إدارة خاصة للعناية بهذا التراث فأنشئت إدارة تراث الفتاوى التى يعمل بها سبعة عشر باحثاً من المتخصصين فى الفقه والمراجعة اللغوية وتحقيق ودراسة النصوص.
وتأتى أهمية هذه الإدارة من كونها داعمة لجميع الإدارات العملية الموجودة بدار الافتاء المصرية، كما
يستفيد من أعمالها الباحثون الدارسون للفقه عامة ولتراث الفتاوى خاصة والمستفيدون من إصدارات الدار المختلفة.
وكان جل عمل هؤلاء الباحثين العناية بهذا التراث تصحيحاً وتدقيقاً ومقابلة على أصوله الخطية، ثم تصنيف هذه الفتاوى على الأبواب الفقهية وخدمة نصوصها بما يسهل الاستفادة منها،ومن ذلك تخريج الاحاديث والآيات والتعريف بالأعلام والكتب والمصادر الواردة فى نصوص هذه الفتاوى وشرح غريب ألفاظها.. إلخ. وقد أسند الى هذه الإدارة أعمال المراجعة والتدقيق اللغوى لما يصدر عن دار الافتاء من مطبوعات ومن أهمها المجلة الفصلية التى تصدرها الدار،وكتب الصيام والحج والعمرة، بالاضافة الى الفتاوى اليومية والبيانات ومراجعة مواد وأبحاث الموقع.
كما أسند إلى الإدارة مشروعان من أهم المشروعات المتعلقة بالفتاوى بحيث يسد كل منهما فراغاً كبيراً فى بابه وفيهما فائدة عظيمة للباحثين والمهتمين بعلم الفقه ولعموم المسلمين.
الأول: إخراج مختارات من فتاوى الدار بلغت تسعة وثلاثين مجلداً قسمت الفتاوى فيها حسب التصنيف الفقهى ليسهل الوصول اليها وذيل كل مجلد منها بفهارس للآيات والأحاديث والكتب والمصادر الواردة فى النص بالاضافة الى وضع هذه المجلدات على أسطوانة مدمجة مع توفير خدمات البحث في النصوص أو حسب الموضوع أو المفتى.. إلخ، وقد تم الانتهاء من هذا المشروع بالفعل وهو قيد الطباعة الآن.
الثانى: بدأت الإدارة فى مشروع ضخم لجمع وخدمة نصوص كتب الفتاوى ويشمل هذا المشروع جمع نصوص الفتاوى لأعلام الفقهاء والمجتهدين من جميع المدارس والمذاهب الفقهية القديمة والحديثة ثم خدمة نصوص هذه الفتاوى بما سبق بيانه وتصنيفها على الأبواب الفقهية وجمع المتشابه منها والمختلف وذلك بغرض الدراسة والمقارنة بينها.

مفتى الديار المصرية