رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الشاهد

المفتي.. الشروط والآداب

بقلم: د. علي جمعة مفتي الديار المصرية

تعد شخصية المفتي من حيث شروطه وآدابه هي المحطة الأخيرة في طريق التشريع الاسلامي، فللإفتاء مكانة عظيمة، وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يتولي هذا المنصب في حياته، باعتبار التبليغ عن الله، وقد تولي هذه المكانة بعد النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم، فالمفتي خليفة النبي صلي الله عليه وسلم في أداء وظيفة البيان، وشبه القرافي المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالي.

أما عن الشروط الواجب توافرها في شخصية من يتولي منصب الإفتاء فهي عديدة، أولها الاسلام، فلا تصح فتيا غير المسلمين للمسلمين.
وثانيها العقل، فلا تصح فتيا المجنون، وثالثها البلوغ، وهو أن يبلغ من يفتي الحلم من الرجال، والمحيض من النساء أو يبلغ 15 عاماً أيهما أقرب، لانه لا تصح فتيا الصغير والصغيرة، والشرط الرابع هو العلم، فالإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب علي الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم، ويتضمن إضلال الناس ، وهو من الكبائر.
ويضاف إلي ما سبق شرط التخصص وهو شرط نضيفه في هذا العصر، نظراً لطبيعته، ونعني به أن يكون من يتعرض للافتاء قد درس الفقه والاصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة، وله دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعيش، ويفضل أن يكون قد نال الدراسات العليا من جامعات معتمدة في ذلك التخصص، وإن كان هذا الشرط هو مقتضي شرط العلم والاجتهاد، فإن العلم بالفقه والاجتهاد فيه يقتضي التخصص، ولكن طريقة الوصول إلي هذه الدرجة تحتاج ما ذكر، ولقد اعتبرت التخصص شرطاً منفصلاً رغم اندراجه في شرط العلم والاجتهاد لحسم حالة الفوضي التي تثار هنا وهناك ممن لم يتخصص

في علم الفقه والأصول، ويعترض ويناظر علي فتاوي ما درس مبادئها الفقيهة ولا أصولها، «راجع البحر المحيط للزركشي، ج8 ص362».
وهناك شرط الاجتهاد، وهي بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة وليس المقصود هو أن يبذل العالم جهداً ملاحظاً قبل كل فتوي، وإنما المقصود بلوغ مرتبة الاجتهاد، يضاف إلي ذلك شرط جودة القريحة: ومعني ذلك أن يكون كثير الاصابة، صحيح الاستنباط وهذا يحتاج إلي حسن التصور للمسائل، وبقدر ما يستطيع المجتهد أن يتخيل المسائل بقدر ما يعلو اجتهاده، ويفوق أقرانه، فهو يشبه ما يعرف في دراسات علم النفس بالتصور المبدع والشرط الاخير هو الفطانة والتيقظ فيشترط في المفتي ان يكون فطناً متيقظاً ومنتبهاً بعيداً عن الغفلة.
وهناك بعض الآداب التي يجب أن يتحلي بها المفتي مثل أن يراعي أن لا يفتي حال انشغال قلبه بشدة غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو ارهاق أو تغير خُلق، أو كان في حالة نعاس، أو مرض شديد، أو حر مزعج او برد مؤلم أو مدافعة الاخبثين ونحو ذلك التي تمنع صحة الفكر واستقامة الحُكم كما عليه الحفاظ علي حسن منظره من نظافة وتطهر، ونقاء سريرته باستحضار النية الصالحة عند الفتيا.
إلا أن من الاداب التي ينبغي أن يتحلي بها المفتي، والتي قد تصل إلي حد الشروط في أيامنا هذه، التيسير علي الناس، وإدخالهم في دين الله، والقاء الستر عليهم،
والعمل علي جعل الناس متبعين لقول معتبر في الشرع، فذلك خير لهم من تركهم للدين بالكلية، وإيقاعهم في الفسق، مما يعد صدا عن سبيل الله من حيث لا يشعر العالم، إذن فالمقصد الأساسي الذي يسعي لتحقيقه المفتي هو إحداث آلية شرعية للتعامل مع التراث الفقهي الإسلامي، بحيث لا تخرج عنه ولا تكون عائقاً للمسلم المعاصر، وأن ذلك لا ينبغي الإنكار عليه لأن الرأي الذي سينتهي إليه محل خلاف، وأساس هذا قاعدة: من ابتلي بشيء مما اختلف فيه فليقلد من أجاز.
والتيسير الذي نقصده وتتبع الرخص بشروطه هو ما نقل تعريفه ابن أمير الحاج حيث قال: أي أخذه من كل منها - أي المذاهب - ما هو الأهون فيما يقع من المسائل «ولا يمنع منه مانع شرعي» «التقرير والتحبير شرح التحرير، لابن أمير الحاج، ج 3 ص351»، ونستخلص من ذلك أن تتبع الرخص جائز، ولكن بشروط وقيود ولا ينبغي إهمالها، وهو مذهب أكثر العلماء، ومن أبرزهم العز بن عبد السلام، والقرافي، والعطار، وغيرهم من المحققين.
وجاء في ذلك المعني نقول أخري منها قول سفيان الثوري رحمه الله: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت تري غيره فلا تنته» «حلية الأولياء ج6 ص368» الروضة في أصول الفقه لا تنهه به المذاهب الفقهية الاسلامية، كمذهب الثوريين والإمامية والإباضية والظاهرية ضارتهم وقال الإمام أحمد بن حنبل: «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس علي مذهبه ويشتد عليهم» «الآداب الشرعية لابن مفلح ج1 ص166، وغذاء الألباب للسفاريني ج1 ص223»، وقال الإمام الحنبلي ابن قدامة المقدسي: «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الإعلام، مهد بهم قواعد الاسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة» «المغني، لابن قدامة، ج1،ص1».
إن التيسير علي الناس والترخص لهم لإدخالهم في الدين خير من التعسير عليهم وإلزامهم بالقول الشديد، لما في ذلك من مخالفة لمنهج النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم، وسبيل الصالحين من أسلافنا العلماء، ولما فيه أحياناً من صد عن سبيل الله سبحانه وتعالي، رزقنا الله الفهم والإخلاص.