صدمة النخبة

فتوح الشاذلي

الخميس, 29 ديسمبر 2011 11:50

عاتبنى العديد من الزملاء على تخصيص مقال الأسبوع الماضى كاملاً عن علاء الأسوانى طبيب الأسنان صاحب رواية الشذوذ والمعروفة باسم «عمارة يقعوبيان» والذى تحول بقدرة قادر الى روائى عالمى.. وكان اتفاقى معهم على أن الأسوانى لا يستحق أكثر من بضعة سطور فى مقال.. ولكن الذين صنعوه يستحقون أكثر من مقال، ومايروج له فى بعض الفضائيات إياها يستحق وقفة وتنبيهاً خاصة إذا كان ذلك فى إطار حملة يقودها نفر من النخبة روعتهم نتيجة الانتخابات فى مرحلتيها الأولى الثانية.

لقد أضحكنى ما أشار اليه الأسوانى فى مقال له باحدى الصحف اليومية أمس الأول من نشر خبر فى صحيفة قومية يومية يفيد وجود خطة لاغتياله، وأن مصدر الخبر هو أحد المسئولين بالبيت الأبيض، ولم يكتف الأسوانى بذلك بل قال انه ومجموعة من الذين ينتقدون المجلس العسكرى يتعرضون لحرب ضارية الهدف منها تشويه صورتهم وترويعهم حتى يخافوا ويسكتوا عن الحق.. ولعل هذه المضحكات تدعم ردى على زملائى الأعزاء وهو أن الأمر أكبر من الأسوانى.
وحتى لا تضيع الحقائق فإن الحق المسكوت عنه فى عرف الأسوانى هو أن الانتخابات البرلمانية لم تشهد إقبالاً من المصريين وأن نسبة التصويت لم تتعد 48٪، وأن شباب الثورة لم يجدوا أموالاً لخوض المعركة الانتخابية، وأنه ـ أى الأسوانى ـ لم يرصد أى انبهار من الصحف العالمية بالانتخابات المصرية، وهذا الكلام الذى يثير الضحك كان على الهواء فى احدى الفضائيات وقد كان الرد مفحماً للأسوانى فى مقال الأسبوع الماضى.
أما المحور الثانى من الحق المسكوت عنه فى نظر الأسوانى، تلك النظرية الوهمية التى يحاول الترويج لها وصدع رؤوسنا بها وملخصها أن الثورة المصرية تسير على نهج الثورة الرومانية التى انتهت بقتل الثوار بعد اتهامهم بالعمالة والخيانة، وقيام أحد مساعدى شاوشيسكو بالاستيلاء على الحكم، وهو يرى أن نفس السيناريو يجرى الإعداد له فى مصر، وأن الفريق شفيق سيكون «ايليسكو» رومانيا الذى أجهض الثورة واستولى على الحكم.. الغريب ان الأسوانى استمر فى حديث الإفك الذى يروج له مستغلاً تجاهل الكثيرين لما يكتب..
وأقول ان هدف الأسوانى واضح  وهو أنه يريد أن يشكك

فى المسار الذى نسير فيه والذى نال إعجاب العالم حتى أن الرئيس الأمريكى السابق كارتر قال من حق المصريين ان يفخروا بما حققوا من انتخابات نزيهة وشفافة.
فى البداية أقول للأسوانى إن رومانيا وغيرها من الدول التى تعرضت فيها الثورة لانتكاسة لم تشهد انتخابات حرة كالتى نعيشها الآن، ولا يوجد فيها شعب عظيم انتفض وكشف عن معدنه الأصيل ووقف فى طوابير وصلت الى أكثر من ثلاثة كيلو مترات ليشارك فى صنع مستقبل بلاده، وفى رومانيا وغيرها لم يكن هناك شعب واع وذكى وجه لطمة للنخبة التى انفصلت عنه عقوداً طويلة كما فعل الشعب المصرى، وفى رومانيا لم يكن هناك شعب قادر على أن يحمى اختياراته ويحمى الصناديق من أول لحظة فى التصويت وحتى انتهاء الفرز كما فعل الشعب المصرى، وفى رومانيا وغيرها من الدول التى شهدت انتكاسة لم يكن هناك نواب أمثال نواب الحرية والعدالة والنور والوفد. ولكن كانت هناك نماذج ماسخة مشوهة تصدرت المشهد السياسى رغم انها لو ترشحت فى انتخابات اتحاد ملاك العمارة التى يقطنون فيها لرسبوا بالثلث، وطبيب الأسنان علاء الأسوانى يعى ما أقول.. كما ان الدول التى يتحدث عنها لم يكن فيها جيش وطنى لديه الرغبة فى إجراء انتخابات نزيهة كالتى نعيشها فى مصر.
باختصار اطمأن طبيب الأسنان علاء الأسوانى أننا نقترب من قطع نصف الطريق بوجود برلمان منتخب وحكومة منتخبة ولن يبقى إلا رئيس منتخب وهو ما سنصل اليه بإذن الله رغم دعاوى الفوضى واسقاط الدولة التى يروج لها المخربون!
على أية حال أقول للأسوانى إن مصر لم ولن تكون الشذوذ الجنسى والسقوط الأخلاقى فى «عمارة يعقوبيان»..وإنما مصر هى الطهارة والنقاء.. هى المآذن والمساجد.. هى الحضارة والتاريخ.. هى الشموخ والكبرياء.. هى السواعد الفتية فى المصانع..والأيدى الخشنة فى الحقول،. والعقول المبتكرة فى المعامل
وأن مصر الجديدة الطاهرة قادمة لا محالة مهما كره الحاقدون.
لم يكن الأسوانى وحده فى ماراثون الهجوم على الانتخابات والنيل من التجربة المصرية.. بل كان هناك آخرون أخذوا يلطمون الخدود ويشقون الجيوب بعد الصدمة التى روعتهم فى أعقاب نتيجة المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات.. فقد استوقفنى تصريح غريب للدكتورة منى مكرم عبيد تقول فيه ان نجاح عمرو حمزاوى ومصطفى النجار بكل نواب الإخوان والسلفيين ياساتر! ومع احترامى للنائبين إلا أننى أقول للدكتورة الفاضلة إن أى نائب فى البرلمان الجديد سواء كان من الحرية والعدالة أو النور أو الوفد يمثل أمة بأسرها.. هل تعلمين لماذا يادكتورة؟ لأنهم لم يغيروا جلدهم بين الأحزاب كما فعلت مرات كثيرة،   هذه واحدة أما الثانية فلأنهم جاءوا من وسط الجماهير.. عاشوا آلام الشعب وآماله، ويعرفون كل حارة وزقاق فى دوائرهم ولم يفعلوا كما فعلت فى انتخابات 2010 الماضية عندمنا وقفت حائرة تبحثين عن دائرة تترشحين فيها وكان ذلك قبل غلق باب الترشيح بأيام وكأنك كنت تبحثين عن شىء ما. وفى النهاية ترشحت فى دائرة لا تعرفين اسم ميدان من ميادينها ولا شارعاً من شوارعها ولولا طوفان التزوير الذى لم يفرق بين دائرة وأخرى لانكشفت الحقيقة المرة.
وقد أدهشنى أن يخوض الدكتور محمد غنيم مع الخائضين ويعرب عن دهشته من نتائج الانتخابات وقال انها لم تتوافق مع الثورة.. ولأن الدكتور غنيم قيمة طبية وأسس صرحاً طبياً فى دلتا مصر وهو وطنى مخلص فاننى أدعوه الى مراجعة نفسه وأسأله عن أى ثورة تتحدث؟ إذا كنت تقصد ميدان التحرير فلقد شارك شباب الوفد منذ اللحظة الأولى بعد اجتماع تاريخى مع رئيس الحزب وهذا الأمر موثق بالصوت والصورة وكان علم الوفد هو العلم الوحيد الذى ارتفع بجانب علم مصر امام مقر الحزب الوطنى.. أما شباب الاخوان فقد حموا الثورة فى موقعة الجمل بشهادة القاصى والدانى..
أما إذا كنت تقصد الثورة العظيمة من السويس الباسلة التى انطلقت منها الشرارة وسقط فيها أول شهيد الى الاسكندرية الباسلة التى خرجت عن بكرة أبيها من أمام مسجد القائد إبراهيم ودلتا مصر الصامدة التى خرجت الى الشوارع والميادين.
اذا  كنت تقصد 15 مليون مصرى خرجوا فى مليونيات بمختلف محافظات مصر فإن الاجابة واضحة.. فالشعب هو الذى صنع ثورته، واذا قرأت نتيجة الانتخابات فى اطار هذه الصورة الشاملة ستدرك ان هناك علاقة وثيقة بين نتائج الانتخابات والثورة.
يبدو أن مشكلة الدكتور غنيم ومن يسيرون على نهجه أنهم يقصرون الثورة على ميدان التحرير.. ليس هذا فحسب بل يقصرون الميدان على فصيل أو حركة بعينها، وهذه صورة لا تعبر الا عن رأى النخبة المصدومة التى أسقطها الشعب من حساباته.