تجربة بدائل السجون بين الحكم الشرعي والرؤية الاجتماعية

فتاوى الحياة

الاثنين, 24 يناير 2011 16:41
كتبت-بدرية طه حسين:

تجربة جديدة لجأت إليها بعض الدولة العربية والاسلامية تأتي في مقدمتها السعودية ودبي والأردن وعدد غير قليل من الدول الاسلامية ، تتمثل في أن يتم تخفيف عقوبة السجن مقابل أداء المذنب لبعض الأعمال الدينية كحفظ القرآن أو الصيام او أداء مدة معينة في خدمة أحد بيوت الله. وهو ما دفع بوابة "الوفد" الالكترونية لمعرفة الحكم الشرعي تجاه مثل هذه المبادرات بإيجاد بدائل للسجن ومعرفة رأي علماء الاجتماع في تأثير هذا التصرف على شخصية المذنب.

في البداية يقول الدكتور عبد الفتاح ادريس أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، إن العقوبات التي يباح فيها التخفيف هي العقوبات التعزيرية مثل الحبس، موضحا أن مثل هذه العقوبات أمرها راجع لولي الأمر، خاصة في الجرائم التي يترتب عليها عقوبات تعزيرية مثل السرقة وإتلاف المال العام ، ولولي الأمر أن يخففها على من يرى أنه يستحق التخفيف والنزول في مرتبة العقاب .

ويوضح ادريس انه لايوجد ما يمنع من الناحية الشرعية النزول بالعقوبة الي درجة أخف أو أن يعاقب بنصفها مقابل أدائه لبعض الأعمال الدينية أو المجتمعية التي تعود على الفرد والمجتمع بالنفع .

ويرى ادريس أن تخفيف العقوبة جزئيا أو بصورة كلية مقابل أداء المذنب بالأعمال الشرعية مثل حفظ كتاب الله أو رعاية المساجد والقيام بشئونها والقيام بما يخدم المجتمع الذي قل من يخدمه في مثل هذه الأيام بصورة تطوعية، علاوة على أن أداء مثل هذه الأعمال للهدف المرجو من العقوبة هو إصلاح وتقويم للشخصية .

ويتفق معه في الرأي الدكتور يوسف البدري عضو المجلس الأعلي للشئون الإسلامية بقوله، إن تخفيف ولي الأمر من عقوبة المذنب مقابل قيامه بعمل الخير وطاعة الله بأي صورة كانت سواء متمثلة في حفظ القرآن أو مساعدة محتاج أو أداء العمل الاجتماعي بصورة تطوعية هو أمر عظيم يساعد الناس على الاستقامة ويصلح من حالهم، لافتا الى أن هذا الامر قد فعله عمر بن الخطاب مع سارق عندما عفا عنه ليعطيه فرصة للتوبة .

وأشار البدري إلي أن توفيق الحكيم قد دعا إلي تطبيق ذلك في كتابه الشهير في مطلع الخمسينيات "التعادلية في الاسلام" وطالب من خلاله لنفس الفكرة بأن الاصلاح من خلال تقويم الشخصية بأداء مثل هذه الاعمال يجعل المذنب لديه استعداد اكثر للاصلاح.

وفي نهاية الحديث وصف البدري هذه التجربة بالجيدة التي يجب أن تأخذ بها كل الدول الاسلامية والعربية وعلى رأسها مصر لما لها من دور في إصلاح البشر وتقويمهم واتخاذهم للطريق الصحيح .

الباحث الإسلامي الدكتور عبد الرحمن بن طالب أشار إلى أن الأصل في العقوبات أنها للتأديب وتكون بقدر ما يردع المخطئ، فإن حصلت العقوبة ولو بعمل فيه خدمة للمجتمع وفيه مصلحة وردع للمعزر فهو المطلوب.

وطالب بأن يختلف ذلك من حيث تخفيف العقوبة على من كانت جريمته كبيرة وخطيرة أو أنها تكررت منه

فلابد من عقوبة رادعة تمنعه من الوقوع فيها مستقبلا ولو بالحبس.

ولفت إلى أن ابتداء العقوبة بالسجن فيه مآخذ كثيرة، أحدها أن أطفال الجاني وزوجته وأهل بيته يحرمون منه، وربما أدى ذلك لانحرافهم فكأن العقوبة نزلت للمخطئ وعائلته، وكذلك ربما تعلّم من كبار المجرمين الذين نزلوا السجن وحكم عليهم بمدد طويلة أساليب جديدة للجريمة, قائلا: "فكم من نزيل لقضية بسيطة خرج بعدها من كبار المجرمين مع تكلفة الدولة بميزانيات باهظة.

وأوضح أن بعض الأعمال لا تتناسب مع حال المذنبين كما لو عمل المذنب حارساً للمسجد وهو من المدمنين للمخدرات، فالناس لا تتقبل ذلك وربما تتصرف مع المحيطين به تصرفا غير مناسب.. لكن لو تم فتح مجالات جديدة مثل الأعمال المتعلقة بالطرق وتنظيمها ومراقبة المطاعم ورعاية الحدائق ونحو ذلك فهو أولى".

وترى الدكتورة سامية خضر أن مثل هذه المبادرات التي تقوم بها بعض الدول هي أمر جيد وترحب به وتتمني أن يعمم في كل الدول والبلدان الاسلامية والمؤسسات الإصلاحية، ودعت أن يطبق ذلك على المسلم والمسيحي على السواء لأن الدين في أساسه جاء لإصلاح النفس وبث الهدوء والطمأنينة فيها ، والسماحة بها.

وأشارت إلي أن الدروس الدينية في المؤسسات الاصلا حية من تحفيظ قرآن أو قيام بأي أعمال دينية أخرى هو أمر يترك أثره في النفس فيجعلها أقل قلقا وأكثر استقرارا ولديه تقبل لذاته أفضل من إقامته في مجتمع السجن وتأثير ذلك عليه .

ويرى الدكتور خالد الربيعان أستاذ علم الاجتماع أن معنى الأحكام البديلة: استبدال عقوبة السجن بعقوبة تعزيرية أخرى ربما بدت أخف وطأة؛ كالغرامة المالية، أو خدمة المجتمع، أو غير ذلك من الأعمال مما يكون له فائدة عامة تعود بالنفع على المجتمع.

وفي نفس الوقت فإن تلك العقوبة تعد تأديبا للجاني وإصلاحا لحاله دون الإضرار به جسديا ومعنويا بحيث يكتشف ما لديه من طاقة خلاقة ومفيدة قد يوجهها للعمل النافع مستقبلا.

أهم الاخبار