عاطف الغمرى يكتب : مشكلة تواجه صناعة قرار السياسة الخارجية الأمريكية

غير مصنف

الأربعاء, 22 يناير 2014 11:53
عاطف الغمرى يكتب : مشكلة تواجه صناعة قرار السياسة الخارجية الأمريكيةعاطف الغمرى

 

تختلف طرق صناعة قرار السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، عنها في الدول الأخرى، بما في ذلك دول الديمقراطيات الغربية الأقرب إليها .

وهو ما يجعل قرارها يبدو أحياناً في نظر البعض محيراً .
وأذكر أثناء حضوري في الثمانينات لبرنامج دراسات أمريكي عنوانه "صناعة قرار السياسة الخارجية الأمريكية"، أن المحاضرة الأولى كانت بعنوان "كيف أن أمريكا مختلفة"، وشرح من المحاضرين لجميع جوانب هذا الاختلاف . وهو راجع إلى طبيعة النظام السياسي في الولايات المتحدة، الذي انطبع بصفات تخصه وتميزه، وأبرزها عدم تركز السلطة في الرئيس، بل توزيعها في عملية مشاركة يتصدرها الكونغرس، وإلى جوارها قوى الضغط، وجماعات المصالح، والنخبة في مراكز البحوث، والإعلام، والرأي العام . وهو ما أعطى مراكز البحوث Think Tanks على وجه الخصوص، وضعاً تنفرد به في الولايات المتحدة، دون سائر الديمقراطيات الغربية، فالنخبة النشطة فيها تتربع على مركز القيادة في المجال الذي تنشط فيه، سواء في السياسة، أو الاقتصاد، أو الثقافة والفنون وغيرها . وهي تضم النوابغ والمتفوقين، والذين يعوض دورهم، نقص ثقافة المواطن العادي، وقلة اهتمامه بالشؤون الخارجية، بعكس المواطن في أوروبا .
وتضع مراكز البحوث في مقدمة أهدافها التأثير في صنع السياسة الخارجية، بطرق شتى، بعضها مباشر، وبعضها غير مباشر، وذلك من خلال الصلة التي يقيمها خبراؤها وهم خارج السلطة مع صانعي القرار، حتى قيل إن هناك باباً دواراً يفصل بين مؤسسات الدولة ابتداء من البيت الأبيض وبين مراكز البحوث، فمثلاً، عندما يبدأ الرئيس المنتخب في اختيار وزرائه ومعاونيه، فهو يأخذ عدداً كبيراً منهم من المفكرين والخبراء بهذه المراكز، ثم حين تنتهي رئاسته، يعودون إلى مواقعهم في هذه المراكز، وهي تنتشر في مختلف الولايات مثل واشنطن،

ونيويورك، وشيكاغو، وسان فرانسيسكو وغيرها، وتعمل يومياً في إعداد دراسات وأبحاث، وإجراء مناقشات في مؤتمرات، وندوات، وورش عمل، تخرج منها "نظريات سياسية" تطرح كأشكال لسياسة خارجية، تتعامل بها الدولة مع مشكلة دولية تواجهها في حينه، أو مع مشكلة محتملة مستقبلاً، وقد لا تكون موجودة حينئذ . بعض هذه النظريات يمثل اعداداً لتوجهات قد تتطلبها الظروف مستقبلاً، ولذلك فهي تطرح، وكأنها بالون اختبار، أو مجرد فكرة، لكن الغرض منها أن تكون مثل بذرة، تبذر في الأرض، لكي تنمو على مهل، إلى أن تكون الظروف ملائمة لجني ثمرتها، وضعها موضع التطبيق عملياً .
ونلاحظ في أعقاب تحولات النظام الدولي، بانتهاء الحرب الباردة عام ،1989 أن مراكز البحوث في أمريكا، شغلت بالعمل المكثف، في صياغة نظريات تتعامل بها مؤسسات الدولة، مع الوضع الجديد . وتتابعت هذه النظريات التي حملت أسماء منها: "البحث عن عدو بديل للعدو السوفييتي السابق"، و"العدو المسلم"، و"الصين عدواً بديلاً" . لكن لم يقدر لهذه الأفكار أن يؤخذ بها في حينه، بسبب عدم استقرار الولايات المتحدة، على استراتيجية جديدة وبديلة، تبني عليها سياستها الخارجية .
وشهدنا أيضاً طرح نظريات منها: انتقال خط المواجهة إلى الداخل، والتدخل في شؤون الدول الأخرى لأسباب إنسانية، إضافة إلى نظرية "عالم للاستقرار وعالم للقلاقل"، والتي تصورت أن الدول الغربية ستنعم وحدها بالاستقرار، بينما ستعاني دول العالم الثالث من القلاقل . وأن هذا وضع حتمي لا مهرب منه .
وإن كان قد ثبت خطأ هذا التصور، نتيجة قفزات اقتصادية هائلة، في دول في آسيا، وأمريكا اللاتينية، جلبت لها أسباب ومقومات الاستقرار، والازدهار، والتقدم .
ولما كانت الولايات المتحدة قد بدأت تواجه تحديات لم تكن في حسابات مفكريها، بسبب التغيرات الجارية في العالم، وصعود دول صغيرة إلى دائرة التأثير إقليمياً ودولياً، وكلها تغييرات تهدد بإنهاء عصر تمتع الولايات المتحدة، بوضع القوة العظمى الوحيدة، فقد ظهرت ممارسات سياسية لنظريتين أساسيتين شهدنا تطبيقهما بوضوح في منطقتنا العربية، أولاهما: انتقال خط المواجهة إلى الداخل، مرتبطاً بفكرة مشاركة عناصر محلية مع التوجهات الأمريكية . والثانية، التدخل في الشأن الداخلي، باستخدام الضغوط، وهو الذي كان قد طرح عام ،1995 تحت مسمى التدخل الإنساني، مبرراً هذه المرة بالدفاع عن حقوق الإنسان، والديمقراطية . وزاد من التشدد في الممارسة السياسية للنظريتين، ما حدث في المنطقة العربية من أحداث أسماها الأمريكيون والأوروبيون بالربيع العربي، التي أفقدت صانع القرار في الولايات المتحدة، التأكد من النتائج التي ستنتهي إليها هذه الأحداث، ومخاوف متزايدة من تأثيرها السلبي في المصالح الاستراتيجية الأمريكية .
وقد اتفق محللون أمريكيون، على أن هذه التوجهات السياسية للولايات المتحدة، قد أفقدتها القدرة على الإمساك بزمام الأحداث، بعكس ما كان الحال عليه في الماضي، فضلاً عن أن ممارساتها سببت في ردود فعل محلية مضادة للسياسة الأمريكية، إضافة إلى ما جلبته من انقسامات داخل مؤسسات صناعة قرار السياسة الخارجية . وهو ما عبر عنه كثيرون، منهم عضو الكونغرس عن إلينوي، آدم كينزنجر، الذي وصف سياسة أوباما تجاه مصر، بأنها خاطئة، وأن منع المساعدات عن مصر، كان بمثابة رسالة سيئة جداً موجهة للشعب المصري .
وبالرغم من التحديات الجديدة أمام صانع القرار الأمريكي، وكذلك فقدان القدرة على توقع الأحداث، والسيطرة على مسارها، فإن خريطة النظام السياسي الداخلي، لا تزال تعمل بنفس أساليبها التقليدية، والتي تتميز بوجود قوى ضاغطة متعددة، تشارك في صناعة القرار، وفي نفس الوقت تحاول مراكز البحوث، الدراسة المتعمقة للتغييرات الجارية في النظام الدولي، واحتمالاتها المستقبلية، حتى يمكن التوصل إلى استراتيجية تتوافق مع هذه التغييرات، يعتمد عليها في صناعة قرار السياسة الخارجية .

نقلا عن صحيفة الخليج