رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

في حب عادل القاضي..

غادة سليم

الأربعاء, 01 يونيو 2011 10:54
بقلم ـ غادة سليم

 

كل من اقترب من عادل القاضي يعرف جيدا أنه جاء إلى الدنيا غريبا وعاش كعابر سبيل . كان يغرف من فعل الخير غرفا كمن يعرف أنه راحل على عجل. كان يجلد نفسه بحثا عن الكمال في الأقوال والأفعال والصفات ولم يكتف بنفسه كان يحفز الكون بما فيه من بشر وحجر على الاستقامة والاعتدال. يمدح بلا نفاق، ويعتب بلا زعل, ويشكو بلا ضجر, ويغضب للحق, ويهم للخير. لم يكن شخصا عاديا. كان رجلا لكن بلا زلات ولا نزوات. كان زميلا لكن بلا أحقاد ولا حسابات. كان صديقا لكن بلا أطماع ولا خصومات. كان أخا لكن بلا أرحام ولا قرابات.

جمعني بعادل مشوار حياة بدأ بمقاعد الدراسة في الجامعة. وتخرجنا وغاب وجهه عني سنوات طوال ثم عاد ليشرق من جديد في مكتبي بجريدة البيان بدبي. أبهجتني تلك الابتسامة النورانية البريئة والنفس الواضحة الجريئة والروح المرحة العفوية. وأصبحنا زملاء من جديد في بلاط العمل الصحفي. كنت أكتب آنذاك مقالا سياسيا ساخرا كل جمعة. فكان ينتظرني كل سبت وتساؤلاته الصاخبة تسبقه " أول مرة يا أستاذة أشوف حد يحط النقط قبل الحروف" فأجيبه وكأنني أمتلك مفاتح الحكمة " ولحد إمتى الحروف تفضل شايلة النقط يا عادل؟".

ومضت السنوات ثم عادت الأيام تشرق بنا

يوما وتغربنا يوما. فعاد إلى القاهرة وبقيت في دبي ولم ينقطع التواصل بيننا هاتفيا وأسريا وروحانيا. وذات يوم اتصلت به لأحكي له رؤيا. رأيتني أقاسمه رغيفا من الخبز وأخبرته تأويله بأننا سنعمل معا من جديد. وما هي إلا أيام وكان كلانا يعمل في جريدة الاتحاد. قضينا معا سنوات جميلة بكل ما فيها من زمالة راقية ومواقف نبيلة وتجارب إنسانية عميقة. وإذا كان يمكن أن أنسى شيئا قام به عادل من أجلي فلن أنسى ما حييت وقفة حق وقفها أمام مدير ظالم طالبه فيها برد حقي الذي بخسه ليس مرة واحدة إنما مرتان.

هكذا كان عادل دائما شاهرا سيفه في الحق. مجاهدا بمعنى الكلمة. جاهد من أجل نفسه فقومها وأصلحها، وجاهد من أجل أسرته فأكرمها ونعمها، وجاهد من أجل دينه فكان خير سفير لهذا الدين، وجاهد من أجل مبادئه فالتزم بها ونشرها بين الناس، وجاهد من أجل الصحافة فصنع صحافة محترمة واعية وهادفة، وجاهد من أجل أن يلقى الله فلم يدخر قولا ولا عملا للخير إلا سارع إليه. عشرات السنين التي جمعتننا

معا.. لم أر فيها عادل القاضي يوما واحدا في موقف ضعف أو مهانة، لم أره في موقف جبن أو استكانة، لم أره في موقف تنازل أو استغلال. كان دائما صوت الضمير الحي الذي يؤذن فينا ليوقظ غفلاتنا ويمنع كبواتنا ويصحح مساراتنا.

لم يمن الله علي بأخ فوهبني الله عادل القاضي. كانت أسعد أوقاتنا تلك التي نتزاور فيها. نذهب لزيارته فيعد أكلة سمك لا نظير لها ويطير بنا فرحا. ويأتي لزيارتنا فتفيض مشاعر الحب والإعجاب المتبادل بينه وبين زوجي فلا يتوقفان عن الحديث. أصبحنا أسرة واحدة زوجته الحبيبة صديقتي وزميلة دراستي وأخته وزوجها وأخيه وزوجته وأبنائنا جميعا. لا نعلم سر هذا الود. لا نعرف ما الذي يقربنا. لا نجد تفسيرا لهذا الرباط. إلى أن انكشف السر وافتضح الأمر.. إنه ذلك النبيل عادل.

عادل .. نم قرير العين، فمقامك في عليين. وأعدك أننا سنلتقي قريبا وسنفرح باللقاء. يوم ينادي رب العزة " أين المتحابون بجلالي؟" فتجدني معك ومن حولي جيش ممن عرفوك في الدنيا وأحبوك في الله. ومن يمكن أن يعرف شخصا مثلك من أصحاب الهمم العالية والجباه المضيئة ولا يحبه. وستبقي الرثاءات التي كتبت بشأنك شاهدا على حب الناس لك. صفحاتها تضم كلمات تعجز عن وصف مشاعر الحنين والفراغ والفقد. كتبها بعض محبيك ممن يجيدون التعبير ويمتهنون الكتابة. لكن هناك عشرات الكتب ومئات الصفحات التي تسجلها أكف تتضرع، ودموع تبلل أثر السجود، ودعوات لك بالمغفرة تصعد ليل نهار من البسطاء والفقراء والمهمشين الذين كان لهم النصيب الأكبر من عطاءك وحبك.

..  أفتقدك كثيرا وعزائي إنك في جنة الخلد يا عادل.