رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شاهد على العصر

هتافات الثوار لها تاريخ (2)

عمر بطيشة

الاثنين, 19 ديسمبر 2011 08:09
بقلم: عمر بطيشة

وصلتني العديد من التعليقات على مقال الأسبوع الماضي الذي دار حول تاريخ هتافات المصريين، وطلبت بعض هذه التعليقات الاستزادة من هذا التاريخ المهمل، وأنا أحيلهم الى تاريخ بن إياس «بدائع الزهور» وتاريخ الجبرتي.

ولكني ألخص ما سردته في عجالة توضح الحس الفني للمصريين حتى في هتافاتهم المسجوعة، ففي العصر العثماني هتف المصريون: «يا رب يا متجلي.. اهلك دولة العثمانلي».. وفي العصر المملوكي حينما أرهق البرديس المصريين بالضرائب هتفوا «يا برديسي يا برديسي إيش راح تاخد من تفليسي؟!» وحينما فوجئوا بمدفعية الفرنسيس على الجانب الآخر من النيل في الجيزة وهي تقصف بقنابلها هتفوا «يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف».. وحينما جثم عليهم الاحتلال الانجليزي هتفوا «يا عزيز يا عزيز كبة تاخد الانجليز» والكبة هي الوباء!
وتجلى في هذه الهتافات الروح المصرية الفنية الثورية والتزام السجع لسهولة الحفظ والترديد.. وهو تقليد مصري قد لا تلتزمه شعوب اخرى في هتافاتها، وأقرب مثل: ذلك الشعب التونسي الذي هتف في ثورته «الشعب يريد

اسقاط النظام» بلا سجع، وقد نقلنا هذا الهتاف عن تونس اعلانا لبدء التمرد على القوالب القديمة في لحظة انفجار الثورة.. وأعود الى السياق التاريخي وأصل الى ثورة 1919 العظيمة بقيادة الزعيم سعد زغلول حيث هتف الثوار: «يحيا الوفد ولو فيها رفد».. كما هتفوا «يحيا سعد».. وفي أحداث ثورة الطلاب عام 1935 وما تلاها هتف الشباب المصري «الاستقلال التام والموت الزؤام» وفي الأربعينيات  حينما أثارت انجلترا مشكلة السودان هتف المتظاهرون «مصر والسودان لنا.. وانجلترا لو أقلنا»! وهى هتافات التزمت الوزن والقافية بل والفصحى، ولكن بخفة دم تميز بها المصريون على مدى التاريخ.
وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 طغت شخصية الزعيم جمال عبد الناصر بكاريزمته المشهورة وشعبيته الطاغية على الثورة التي تم اختزالها في شخص الزعيم المحبوب، فهتف المصريون «مكتوب على قلوبنا.. عبد الناصر حبيبنا».. وحينما
حدثت هزيمة 5 يونيو 1967 هتف الملايين «بالروح بالدم هنكمل المشوار» وهو الهتاف المشهور الذي حوروه فيما بعد الى «بالروح بالدم نفديك يا جمال» تعبيراً عن رفض الهزيمة، وبعد انتصار اكتوبر العظيم بقيادة السادات تحول الهتاف الى «بالروح بالدم نفديك يا سادات»، ولكن في عهد الرئيس السابق مبارك بدأ النشاز يتسلل الى هتافات المصريين حينما أصبح الهتاف «بالروح بالدم نفديك يا مبارك» فهو مفتعل ومكسور الوزن والسجع.. وهذا الكسر في الوزن كان يعكس كسراً في الوجدان الوطني المصري.
وحينما قامت ثورة 25 يناير 2011 المجيدة تبنت كما قلت الهتاف التونسي «الشعب يريد اسقاط النظام» تلاه هتاف «الجيش والشعب ايد واحدة» وهو نثر غير مسجوع، ثم تلاه «ارفع رأسك فوق أنت مصري» ثم تفتق ذهن الثوار عن الهتاف الجامع المانع «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية» وفيه بلاغة شعبية وعودة الى السجع بعد تبلور ثورة يناير، كما أن الميدان لم يكتف بهذه الهتافات والشعارات، وانما كان مسرحاً تبارى فيه الشعب الفنان في ارتجال لافتات رائعة وأشعار وأزجال وأغان واسكتشات نقدية لاذعة.. وكلها قطع من الإبداع الشعبي ارجو أن يكون قد تم تسجيلها حفاظا على ذاكرة مصر.
بعدها جاءت الموجة الثانية للثورة في نوفمبر بهتافات جديدة.. فإلي الأسبوع القادم بإذنه تعالى.
[email protected]