بل انظر إلى الكوب الآخر!

عمرو صلاح الدين

الثلاثاء, 24 مايو 2011 14:39
بقلم ـ عمرو صلاح الدين

 

كم قضية أثيرت في ضوء الثورة أو كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لها؟ و كم مسألة طفت على السطح منذ اشتعال أولى شرارات الثورة وصولا إلى اليوم؟ الأحداث تلو الأحداث تتسارع و تتلاحق فوق رءوسنا ولا نكاد نقف برهة لنلتقط أنفاسنا حتى نجد أقدامنا و قد غاصت في وحل قضية أخرى هي في الغالب لم تطف وحدها ولم تشتعل بالصدفة، بل قادها إلينا أحدهم أو قادنا نحن إليها.

هناك حقيقة لا تحتمل الجدل أو تقبل الشك؛ وهي أن أغلب تلك القضايا ليست وليدة اللحظة، وأن لها في حياتنا قبل الثورة نصيب؛ فالاحتقان الطائفي و البلطجة مثلاً، قديمان قدم الحروب الصليبية و فتوات نجيب محفوظ، والتعامل مع قضيتين على قدر رهيب من الأهمية والخطورة كهاتين ينبغي أن يكون محط اهتمام شعبي ورسمي حتى يتم القضاء على جذورهما مع غيرهما من المنغصات التي قد تعصف بالوطن إلى هوةٍ لا قرار لها.

لكن الخطير والمثير للريبة في الأمر ليست تلك القضايا التي لا حديث للإعلام أو الشارع إلا عنها، بل القضايا التي لا يتم تناولها على أي صعيد في الوقت الذي تمس فيه الأمن القومي المصري في صميمه!

إذا أردت أن تتعرف على القضية الحقيقية، فابحث عما يتم تهميشه. وإليكم قطرة في محيط هامش قضايانا؛ مصر على شفير كارثة مائية، وعلاقتها بدول حوض النيل متوترة و تعرض أمننا المائي و هو عصب الحياة منذ خلق الله هذه الأرض إلى خطر داهم. حسنٌ، كلنا على علم بهذه المسألة، و لكن هل تساءل أحدكم عن مشروع "زمزم الجديد" أو "ترعة السلام" الذي دشنه السادات عقب توقيع معاهدة "كامب ديفيد" المخزية و التي بدأ التوتر في علاقاتنا الخارجية بدول الجوار العربي و القاري و منها بالطبع دول حوض

النيل كسبب مباشر لها! فبمقتضى مشروع السادات تبرعنا بنقل ماء نهر النيل إلى المحتل اليهودي بدعوى أننا "دعاة سلام" في الوقت الذي تعاني منه مصر أزمتين جارفتين؛ أزمة مياه و أزمة علاقات. بالطبع لم يتم تدشين المرحلة الأخيرة من المشروع بعد، لكن مياه النيل قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من صحراء النقب، و منها إلى المستوطنات اليهودية!

المرحلة الأخيرة من مشروع "ترعة السلام" تعد كارثة من أخطر ما يواجه مصر من كوارث، فبالرغم من عدم تحقيق حلم السادات كاملاً بتوصيل ماء النيل إلى قلب الكيان الصهيوني، و بالرغم من كون المشروع إلى الآن مشروع تنموي من شأنه أن ينهض على كافة الأصعدة بشبه جزيرة سيناء المظلومة، إلا أن بنيته الأساسية تقوم على أن تتنازل مصر التي تعاني مجاعة مائية عن جزء من حصتها في النهر! و ما نشهده الآن من ري للأراضي الزراعية الخصبة بمياه الصرف الصحي أو الصرف الزراعي و غيرهما من المصادر القذرة عوضا عن ماء النيل و الذي أصبح شحيحاً بحسب التقارير الرسمية المحلية و الدولية ينذر بدنونا من السقوط. و السؤال الآن، إذا كان السادات قد قام ببادرةِ شؤم كهذه، و إذا كان خليفته مبارك قد استكمل جزءاً كبيراً من مراحل المشروع الأخيرة، و بعدما قامت الثورة، لماذا لا يتم الإعلان عن الماهية الكاملة لـ"زمزم الجديد"؟ و لماذا لا يتم إطلاع الرأي العام على تفاصيل المشروع الكامنة التي لا يعرف السواد الأعظم من المصريين شيئا عنها؟ و كيف سينتهي

المشروع على أي حال؟ و متى؟

أسئلة لا حصر لها، كلها تدور حول المحور نفسه، و الصهاينة يعملون على قدم و ساق للسيطرة على منابع نهري النيل و الفرات، فبعدما اقترحت تركيا و هي الحليف "الإسلامي" الأكبر لدولة الاحتلال اليهودي عام 1994 وقف تدفق مياه نهر الفرات - و هي دولة المنبع- إلى العراق لتمد أنبوبا ضخماً إلى "إسرائيل" يحول مجري النهر إليها و هو ما اعترضت عليه العراق و سوريا بالطبع حينها، و بعد مشاريع السدود الإثيوبية، يتراءى لنا مشروع اليهود القومي الأكبر، دولة "إسرائيل"، من النيل إلى الفرات!

شواهد لا حصر لها تنذرنا بمغبة الوحش القادم ليجثم على أنهارنا، و قد قدم "إليشع كالي" رئيس هيئة تخطيط موارد المياه في "إسرائيل" دراسة بعنوان "المياه و السلام" عام 1974 موضحاً فيها بعضاً من خطط اليهود للسيطرة على نهر النيل و الذي يرون فيه المصدر الأفضل للمياه لكيانهم، و الآن  و قد قسمت السودان، و أصبح جنوب السودان دولة مستقلة حليفة لليهود، ففم اليهود مطبق اليوم بشكل مباشر على نهر النيل، أما الفرات، فقد سيطروا عليه فعلا بعد احتلال العراق من قبيل الحليف الأول لليهود، الولايات المتحدة، كل هذه الشواهد تصرخ في وجوهنا ألا تقفوا معصوبي الأعين مكممي الأفواه سادوا الآذان مدعين العجز أو الانشغال بما هو أهم!

هذا غيض من فيض، نبذة موجزة حول كارثة قومية ووطنية واحدة من عشرات الكوارث التي تواجه مصر و لا نقرأ عنها خبرا أو حتى نسمع عنها حديثاً يدور على قهوة و لو على سبيل الدعابة و السخرية التي اعتدنا عليها.

أتسائل عن أسباب تهميش قضايا على قدر كبير من الأهمية و الخطورة كتلك، في الوقت الذي ينبغي أن تكون قضية كهذه محط إهتمام الرأي العام؟ و مَن المستفيد من هذا التجاهل الصارخ؟! ظني أن الإجابة عن هذين السؤالين و غيرهما واضحة و ليست من الغموض في شيء.

و كما أسلفت، إذا أردت أن تتعرف على ما هو مهم، بل إذا أردت أن ترى الحقيقة فانظر إلى ما يتم تهميشه. لا تنظر إلى الجزء المملوء من الكوب فتتفاءل، و لا إلى الجزء الفارغ فتبتئس؛ بل انظر إلى الكوب الآخر، و لكن عليك أن تجده أولا.

www.facebook.com/amru.salahuddien