هولوكوست مصر

عمرو صلاح الدين

الخميس, 19 مايو 2011 10:16
بقلم: عمرو صلاح الدين

 

إذا كانت أوروبا المسرح الرئيسي للحربين العالميتين الأولى و الثانية، فإن الشرق الأوسط بلا شك هو ساحة الحرب العالمية الثالثة، و إن أنكرها العالم إلى اليوم. الأحداث بعينها تتكرر باختلاف التفاصيل، فالغرب بأسره شكل تحالفات عسكرية و انقض على كل أرضٍ يشكل المسلمون قوامها الأساسي. إلا أن حربنا - نحن المسلمين- لم تندلع منذ سنين أو عقود، بل تمتد جذورها إلى قرون قد خلت، فالحملات الصليبية الأولى و التي تلتها لم تنقطع و لم تنته، و الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين لم يكن إلا امتداداً لتلك الحملات.

ما يحدث في مصر اليوم من احتقان طائفي يستحضر في ذهني شيئاً من الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص - و إن كان جزءاً أصيلا من الحرب الثالثة-. قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية في أوروبا عام 1939، كان يهود القارة يسيطرون تماما على الاقتصاد و المنابر الإعلامية الأوروبية، كانوا أقلية ضئيلة في قارة تدين أغلبيتها الساحقة بالمسيحية، و كعادتهم؛ جعل اليهود أنفسهم عنصراً شاذاً غير مرحب به، فبعد أن تسببوا بشكل أو بآخر في اندلاع الحرب العالمية الأولى، و بعد أن غرقت أوروبا في مستنقعات الفقر و الجوع و المرض؛ رفع اليهود أيديهم عن بلادهم، و زادوا من سيطرتهم على الاقتصاد و البنوك، و استغلوا كل مورد أتيح لهم بفعل الفوضى التي نجحوا في تسخيرها لمصلحتهم في فرض هيمنتهم على مقدرات القارة.

 

المهم، اندلعت الحرب العالمية الثانية في أوروبا، و ما كان من مفجر شرارتها "أدولف هتلر" إلا أن يقضي على هيمنة اليهود على مقدرات ألمانيا بشكل خاص وأوروبا بشكل عام، و قبل أن يمس "هتلر" شعرة من رأس يهودي ألماني، علت أصوات يهود الولايات المتحدة بأن يهود أوروبا يتعرضون لمذابح و مجازر في شتى أنحاء أوروبا، و لوحوا كعادتهم بورقة سيطرتهم على الاقتصاد الأمريكي لو لم تتدخل الولايات المتحدة مع حلفائها لإنقاذ اليهود. لم تمض إلا شهور قليلة حتى بدأت معاناة اليهود وغيرهم من غير الآريين نظرا لسياسات "هتلر العنصرية"، و تعرضوا كغيرهم لصنوف من التنكيل و العذاب. بالنسبة لليهود بشكل خاص، كانت لهتلر مبرراته التي قد نتفق معها أو نختلف لقمعهم؛ فقد كان اليهود سببا رئيسيا في نكسة ألمانيا إبان الحرب العالمية الأولى، كما كانوا حجرا رئيسيا في بناء معاهدة فيرساي التي أعادت ألمانيا مئات السنين إلى العصور الوسطى.

في عام 1945 انتهت الحرب بنصر الحلفاء و هزيمة دول المحور، و بدأت محاكمات نوريمبيرج المخزية، و بغض النظر عن بشاعة

الجرائم التي ارتكبها الحلفاء في حربهم مع دول المحور، و بغض النظر أيضا عن جرائم دول المحور، كان البطل الرئيسي في المحاكمات هو "الهولوكوست"، أو ما يعرف بـ"محرقة اليهود". نسج يهود أوروبا القصص و الحكايات حول أفران الغاز و معسكرات الإبادة و اختلقوا أحداثاً و فظائع ليست من الحقيقة في شيء، تباكوا و نسجوا خيوط أكاذيبهم حتى أصبحوا هم الضحية الوحيدة للحرب العالمية الثانية، و كأن أكثر من 59 مليون روح  أزهقت في تلك الحرب ليست لها قيمة تذكر، و ظل اليهود إلى يومنا هذا يستنزفون الأموال الأوروبية كتعويضات لما لحق بهم من "عذاب" في حرب لم تفرق قذائفها بين مسلم أو مسيحي أو يهودي أو بوذي، ففي النهاية كل الجماجم تتشابه.

مسلمو مصر عانوا اضطهادا مماثلاً إبان حكم الطاغية مبارك، فكان الالتزام بتعاليم الإسلام فاجعة، و كانت الدعوة إليه جريمة، و كان جهاز أمن الدولة يطبق بقبضته على المساجد، حتى المعتكفون في شهر رمضان المبارك لم يسلموا من التفتيش و التحريات بل الطرد في كثير من الأحيان من بيوت الله. المساجد كانت وقفا على الدروس الدينية وأي نشاط آخر غير مسموح، بل حتى الدرس الديني نفسه كان يقام بعد تصريح من أمن الدولة، قانون الطوارئ لم يكن يطبق لا على القتلة ولا البلطجية ولا تجار المخدرات، بل على المسلمين الملتزمين فحسب، أو أعضاء الجماعات الإسلامية حتى الوسطية و المعتدلة منها؛ و التي لم يسمح لأعضائها أو من تربطه صلة بأحد أفرادها ولو من بعيد بتقلد الوظائف الرفيعة في الدولة أو التدريس في الجامعة أو التعيين في المدارس الحكومية! مجرد ارتيادك المسجد كان يضعك موضع شبهة، بل كان كفيلا بزجك في ظلمات المعتقلات وغياهب السجون. لم يكن مسجد يخلو من "جستابو" حسني مبارك، فهناك مخبر أو اثنين لكل صف من صفوف المصلين في صلاة الجمعة. كان اضطهاد الدولة للمسلمين المتدينين جليا واضحا، و كان فاضحا قاسيا بشكل لا يتسع المجال الآن لذكره تفصيلا.

في ظل ذلك الاضطهاد الذي عانى منه المسلمون في مصر، كانت الكنيسة المصرية تزرع في عقول أبنائها فكرة "اضطهاد المسيحيين"، و تروج لها عالميا، و كانت لها عدة وسائل للضغط على

النظام المصري في سبيل مزيد من التراخي تجاه أي تجاوز يصدر عن الكنيسة أو أحد أتباعها، و كان أهمها ورقتان، الأولى "أقباط المهجر"، و الثانية دعم الغرب للكنيسة و استغلال العداء الغربي العتيد للإسلام في خلق صورة مشوهة لما تصوره الكنيسة المصرية و يراه الغرب على أنه تمييز و اضطهاد للأقباط المسيحيين في مصر!

بالطبع لم تنظر القوى الغربية و بشكل خاص الولايات المتحدة الوضع بشكل موضوعي، فهي ليست بحاجة إلا إلى ذريعة قوية كذلك الاضطهاد المزعوم كي تتدخل في الشئون المصرية و تعيث في مصر فسادا كما حدث في السودان و أفغانستان و العراق! متجاهلة تماما حقيقة أن الأقباط و هم يشكلون 6% من قوام السكان في مصر يسيطرون على ما يرنو من 40% من الاقتصاد، و أن الكنائس في مصر مفتوحة ليل نهار - وهو ما لا أمانعه بالطبع - و مسموح إقامة كافة الأنشطة و الفعاليات فيها دون قيد أو شرط، في حين يُغلق المسجد في وجه المسلمين بعد انتهاء شعائر الصلاة بربع ساعة و لا يسمح لهم بالقيام بأي نشاط غير ديني بحت داخل حرم المسجد!

لا شك في أن حرية العقيدة جزء أصيل من ثوابت الإسلام، بل إن الرسول صلى الله عليه و سلم وصانا - نحن المسلمين- على أهل الذمة من اليهود و النصارى، و لا شيء أجمل وأرقى من أن يسود جو من التماسك والإخاء بين مسلمي و مسيحيي مصر؛ لكن ما يحدث اليوم و ما نشاهده يوميا على شاشات الغرب من أخبار و تحليلات تتحدث عن اضطهاد طائفي غريب على مصر يعاني منه المسيحيون هو مؤشر خطير، خاصة مع تأكيد الكنيسة و أتباعها على هذه الأخبار بل مساهمتهم في بناء أغلبها، و إني لأتعجب من موقف البابا شنودة من اعتصام ماسبيرو! فهو الذي لا يكسر له الأقباط المسيحيون كلمة، يقف اليوم مدعيا العجز عن السيطرة على المعتصمين قائلا "مقدرش أضغط على أولادي"! وحري بنظام الدولة الجديد التحقيق في ادعاءات المسيحيين المصريين بالاضطهاد خاصة تلك الادعاءات التي تثار في المنابر الغربية سواءً من طرف "أقباط المهجر" أو الكنيسة، فهذه الادعاءات تطعن في شرف الأمة في شيء كان من حرماتها، ألا و هو التماسك الوطني.

إن ما يحدث اليوم في مصر ما هو إلا تكرار محزن لصناعة المأساة الزائفة التي برع فيها اليهود، و أخشى أن يقوم "رفاق الوطن" بادعاء الاضطهاد و خلق المأساة بشكل يصور للعالم أن في مصر "هولوكوست" جديدة، و أن المسيحيين في مصر يقذفون في أفران الغاز المنصوبة لهم في المساجد.

في كل يوم تعلو أبواق الغرب الإعلامية منادية بتحرير أتباع المسيحية في مصر، و تتؤجج الكراهية للمسلمين أكثر فأكثر على الصعيدين الإقليمي و الدولي. أعلم يقينا أن الكثير من مسيحيي مصر مغرر بهم، وتشبعوا بفكرة الاضطهاد حتى إن لم يشهدوا أي شاهد لها، هبوا ثائرين من أجل وقف ما لم تقم له قائمة، أود و أسأل حكماء أقباط مصر المسيحيين أن يخمدوا بدورهم النيران التي تعصف بوحدة المصريين بكافة طوائفهم و انتماءاتهم، و أسأل أقباط مصر المسلمين ألا يدخروا جهداً في وأد فتنة تزج بنا في آتون الحرب العالمية الثالثة.

www.facebook.com/amru.salahuddien