رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحقوق السياسية للمغتربين

د.أحمد عبدالظاهر

الأربعاء, 07 سبتمبر 2011 11:57
بقلم الدكتور أحمد عبد الظاهر

«الهجرة ظاهرة طبيعية.. وهي بمفهومها الحالي تعتبر وسيلة هامة لمواجهة المصاعب التي تعاني منها بعض الدول. ولقد عرفت مصر نظام الهجرة ابتداء من عام 1957 بأعداد محدودة إلى أن تزايد عدد المهاجرين اعتبارا من عام 1968

. ومع أن مصر حديثة العهد بالهجرة التي لا تزال في الأغلب تلقائية وفردية، إلا أن عدد المهاجرين بالخارج يعد بالملايين،... وقد بدأت مصر تصعيد الاهتمام بأبنائها المهاجرين في الخارج منذ عام 1969 وأفرد الدستور المصري في الباب الثالث في مجال (الحريات والحقوق والواجبات العامة) نصا مستقلا يقضي بأن للمواطنين حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج، على أن ينظم القانون هذا الحق وإجراءاته وشروط الهجرة ومغادرة البلاد (المادة 52). كما أفرد الدستور في الباب الثاني منه في مجال (المقومات الأساسية للمجتمع) نصا يؤكد أن العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة ويكون العاملون الممتازون محل تقدير الدولة والمجتمع، وأنه لا يجوز فرض أي عمل جبرا على المواطنين إلا بمقتضى قانون خدمة عامة وبمقابل عادل (المادة 13)». هذه العبارات هي من ديباجة المذكرة الإيضاحية لقانون الهجرة ورعاية المصريين في الخارج رقم (111) لسنة 1983م. وكما هو واضح من المذكرة، يعتبر المشرع المصري أن مجرد تقرير الحق في الهجرة، والسماح للمصريين بالعمل في الخارج لهو دليل دامغ على تصعيد الاهتمام من جانب مصر بأبنائها المهاجرين في الخارج. وبدلا من أن تبذل الدولة قصارى جهدها في توفير فرصة عمل مناسبة لكل ابن من أبناء الوطن، اختارت الحل السهل بالسماح لهم بالسفر للخارج بحثا عن لقمة العيش، وبحيث غدت مصر دولة طاردة للسكان بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة وعجز الحكومات المتعاقبة عن توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، الأمر الذي يضطر معه الكثير من المصريين إلى السفر للخارج.

والواقع أن الاهتمام بالمصريين العاملين بالخارج لا ينبغي أن يقتصر على تلك النظرة الضيقة، والتي تقنع بمجرد تقرير الحق في الهجرة، وإنما ينبغي أن يمتد إلى أفاق أخرى أوسع وأرحب. ونعتقد أن هاجس الدولة المصرية في عصر الثورة ينبغي أن يكون هو محاولة جذب هؤلاء، ليكونوا جزءا من السياسة والاقتصاد في المجتمع المصري. ولتحقيق ذلك، ينبغي الاعتراف للمغتربين بكافة الحقوق السياسية، سواء تصويتا أو ترشيحا، لاسيما وأن عددهم يتراوح بين سبعة وثمانية مليون مصري. بل أن عددهم في بعض التقديرات يصل إلى عشرة مليون مصري، أي ما يزيد على عشرة بالمائة من إجمالي عدد السكان. فلا يعقل إذن أن يظل كل هؤلاء من المصريين المقيمين بالخارج محرومين من حقوقهم السياسية ومن حق المشاركة في الحياة العامة وتحديد مستقبل وطنهم الأم.

وفي ربيع الثورات العربي الذي نعيش أحداثه حاليا، قام المهاجرون

أو المغتربون بوجه عام بدور هام في مساندة ثورات شعوبهم. ولعل ذلك يبدو جليا في المظاهرات التي قام بها عرب المهجر أمام البيت الأبيض في أمريكا وأمام مباني الأمم المتحدة، وأمام سفارات الدول الكبرى، وذلك كوسيلة للضغط على المجتمع الدولي من أجل اتخاذ مواقف مؤيدة للثورة في بلادهم. وتظاهر هؤلاء أيضا أمام سفارات بلادهم في العواصم الأجنبية، للتعبير عن تضامنهم ودعمهم للثورات الدائرة في بلادهم. لقد أثبتت التجربة أن العربي المقيم في الخارج يكون أكثر تأثرا بالأحداث التي تمر بها بلده. وقد تعرض بعضهم للقبض والاحتجاز والحبس وفقدان عملهم عندما عبروا عن رأيهم في مساندة ثورات بلدانهم. بل أن عددا من الروايات والأخبار الصحفية قد أكدت أن بعض «الشبيحة» أو «البلطجية» التابعين للنظام السوري هاجموا السوريين المتظاهرين في باريس لنصرة الثورة السورية، وأن البوليس الفرنسي قد ألقى القبض على هؤلاء «الشبيحة».

وفيما يتعلق بثورة 25 يناير في مصر، على وجه الخصوص، قام المصريون المقيمون في اسبانيا بتنظيم مظاهرة لمطالبة السلطات الاسبانية بتسليم رجل الأعمال الهارب «حسين سالم» ونجليه للقضاء المصري. وحضر العديد من المصريين المقيمين بالخارج إلى القاهرة أثناء الثورة خصيصا للمشاركة في المظاهرات والمسيرات المطالبة بإسقاط النظام.

والواقع أن المصريين في المهجر لم تفارقهم أبدا هموم بلادهم. ولا يمكن أن ننسى الدور الهام والكبير الذي قام به الدكتور «محمد البرادعي» في تأجيج وإشعال الثورة المصرية، وحملة التشويه الرهيبة التي تعرض لها من النظام البائد. وغني عن البيان أن الدكتور «البرادعي» قضى شطرا هاما من عمره في خارج مصر، حيث عملا دبلوماسيا ثم مديرا للوكالة الدولية للطاقة الذرية. كذلك، لا يمكن أن ننسى الدكتور «محمد العريان» الذي تبرع بثلاثين مليون دولار لمشروع «زويل» العلمي. وتجدر الإشارة كذلك إلى مشروع مؤسسة «أحمد زويل» للبحث العلمي، ومؤسسة «مجدي يعقوب» لأمراض القلب التي أقامها في محافظة أسوان. وهذه المشروعات العملاقة تنتسب – كما هو واضح – إلى بعض القامات المصرية الكبيرة التي عاشت ردحا طويلا من عمرها في الخارج.

وحق المصري المقيم بالخارج في المشاركة في الحياة السياسية مقرر بموجب المادة 41 من الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، والتي تنص على أن «1- يحق للعمال المهاجرين وأفراد أسرهم، أن يشاركوا في الشؤون العامة في دولة

منشئهم، وأن يدلوا بأصواتهم وأن يُنتخبوا في الانتخابات التي تُجرى في تلك الدولة، وفقا لتشريعها. 2- تقوم الدول المعنية، حسب الاقتضاء ووفقا لتشريعها، بتيسير ممارسة هذه الحقوق». وقد اعتمدت هذه الاتفاقية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 45/158 المؤرخ في 18 ديسمبر سنة 1990م. وقد انضمت مصر إلى الاتفاقية بالقرار الجمهـوري رقـم 446 لسنة 1991 بعد موافقـة مجلس الشعب على الانضمام إلى الاتفاقية في السادس والعشرين من ديسمبر 1992. وقد تم نشر هذا القرار بالجريدة الرسمية، وباللغة العربية، بالعدد 31 المؤرخ في الخامس من أغسطس سنة 1993، وفقاً للإجراءات الدستورية المقررة، وقد تحفظت مصر على كل من المادة الرابعة والفقرة السادسة من المادة الثامنة عشرة من الاتفاقية. ويعني ذلك أن المادة 41 من الاتفاقية لم تكن ضمن المواد المتحفظ عليها من جانب مصر.

ووفقا للمادة 73 البند الأول من الاتفاقية، «1- تتعهد الدول الأطراف بأن تقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة تقريرا لتنظر فيه اللجنة عن التدابير التشريعية والقضائية والإدارية وغيرها من التدابير المتخذة لتنفيذ أحكام هذه الاتفاقية وذلك: أ- في غضون سنة بعد بدء نفاذ الاتفاقية بالنسبة للدولة الطرف المعنية، ب- ثم مرة كل خمس سنوات وكلما طلبت اللجنة ذلك». ويضيف البند الثاني من ذات المادة أن «تبين أيضا التقارير المقدمة بموجب هذه المادة العوامل والصعوبات، إن وجدت، التي تؤثر على تنفيذ الاتفاقية، وتتضمن معلومات عن خصائص تدفع موجات الهجرة التي تتعرض لها الدولة الطرف المعنية». وفي التقرير الأولى المقدم من مصر، بموجب هذه المادة، ورد أن «لا يحول القانون المصري دون مشاركة العمال المهاجرين في الشؤون العامة في دولة

منشئهم وفقاً للتشريعات المعمول بها بدولهم. وتجري في مصر الآن دراسة الطريقة والكيفية التي يتم بهما توفير المشاركة السياسية للمصريين العاملين بالخارج في إطار الأنظمة والقواعد المقررة». ويرجع تاريخ هذا التقرير إلى سنة 2004م (راجع: الفقرتان 173 و174 من التقرير). ومن المفترض أن يكون قد تم تقديم تقرير آخر في سنة 2009م، أي قبل الانتخابات البرلمانية التي أجريت في العام الماضي. ومن المقرر أن يتم تقديم تقرير دوري آخر في سنة 2014م. فما هي الأعذار التي يمكن سوقها في هذا الاتجاه، وبماذا يمكن تبرير حرمان المصريين العاملين في الخارج من حقوقهم السياسية. هل نتذرع بالإشراف القضائي على الانتخابات وأن من الصعوبة بمكان توفير قاض في كل لجنة انتخابية في الخارج ؟ 

وباستقراء الدساتير المقارنة، نجد أن بعضها يتضمن النص صراحة على الحقوق السياسية للمواطن المقيم في الخارج. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 34 الفقرة الثانية من دستور الجمهورية الفرنسية لسنة 1958م على أن «يحدد القانون كذلك القواعد ذات الصلة بالنظام الانتخابي للجمعيات البرلمانية، والجمعيات المحلية والأجهزة الممثلة للفرنسيين المقيمين في خارج فرنسا،...». وتحت عنوان «المواطنون الأتراك العاملون في الخارج»، تنص المادة 62 من الدستور التركي لسنة 1982م على أن «تتخذ الدولة الإجراءات اللازمة لضمان لم شمل أسر المواطنين الأتراك العاملين في الخارج، وضمان الحصول على التعليم المناسب لأبنائهم، وتلبية احتياجاتهم الثقافية والضمان الاجتماعي، والحفاظ على الروابط والصلات التي تربطهم بالوطن الأم، ومد يد العون لهم عند عودتهم إلى أرض الوطن». فهل يمكن أن نحلم بأن يتضمن الدستور الجديد المزمع إعداده بعد ثورة 25 يناير نصا مماثلا؟ نتمنى ذلك.

*أستاذ القانون الجنائي المساعد بجامعة القاهرة