رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خطيئة مبارك الكبرى

بقلم الدكتور أحمد عبد الظاهر

«هرقليطس» هو أحد فلاسفة اليونان القدامى، ولد قبل «سقراط»، ولا يعرف عن حياته سوى أنه كان من الأسرة المالكة في مدينة «أفسس» بآسيا الصغرى. وقد اشتهر هرقليطس بلقب الفيلسوف الغامض، حيث كان يتكلم بالتشبيهات، دون أن يعنى بإيضاح مقصوده. وهرقليطس هو فيلسوف التغيير. حيث ينسب إليه القول بأنه «لا شيء يستمر سوى التغيير». ويقول إن «التغيير قانون موجود، والاستقرار موت وعدم». ومن أقواله أيضا «إن الإنسان لا ينزل في ذات النهر مرتين، لأن مياهه تتغير باستمرار». ويقول كذلك إن «كل شيء في حركة مستمرة وتغير». وقال «إن الرياح التي تهب فوق سطح البحيرة هي التي تحمي ماء البحيرة من العطن».

والواقع أن التغيير قرين الحياة. ألا ترى أن الكائن غير الحي يسمى جمادا. وإذا كان التغيير هو سمة الكائنات الحية، بما فيها الإنسان الفرد، فإن ذلك يصدق أيضا على الدول والجماعات. وفي اعتقادي أن المجتمع الصحي هو المجتمع المفتوح اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. والانفتاح الاجتماعي يتحقق بإتاحة فرص الترقي الاجتماعي أمام الأفراد. ويكون ذلك من خلال تولى الوظائف الهامة في المجتمع على أساس الكفاءة، ودون نظر لانتماء الشخص العائلي أو المستوى الاقتصادي والاجتماعي له. أما الانفتاح الاقتصادي، فيتحقق من خلال إتاحة فرص اقتصادية متساوية أمام جميع الأفراد في المجتمع، وتكريس مناخ الشفافية والقضاء على الفساد والمحسوبية. ويتوافر الانفتاح السياسي، بأن يكون في مقدور الشخص الارتقاء وتولى أعلى المناصب السياسية في الدولة، متى توافرت لديه الكفاءة اللازمة.

وإذا كان الانفتاح السياسي يتحقق – على الوجه الأمثل والأكمل – في ظل المجتمعات الديمقراطية، فإن النظم غير الديمقراطية ينبغي أن تحافظ على قدر من الانفتاح وقدر من إمكانية الترقي إلى المناصب السياسية العليا في الدولة. ولتوضيح ذلك، نضرب مثلا بالنظام السياسي في حقبة ما قبل مبارك، والذي سمح بأن يصل إلى سدة الحكم أشخاص عاديين من أسر متواضعة اجتماعيا واقتصاديا. فقد كان الرئيس جمال عبد الناصر من أسرة مصرية بسيطة. كما كان الرئيس أنور السادات من أسرة متواضعة اقتصاديا واجتماعيا. كذلك، فإن صعود حسني مبارك نفسه إلى سدة الحكم دليل آخر على إتاحة فرص الترقي سياسيا في ظل النظام السياسي في حقبة ما قبل مبارك. فلم يكن الرئيس السابق سليل أسرة سياسية كبيرة، كما لم يكن ابن أسرة ثرية اقتصاديا، ولم يكن منتميا إلى أسرة معروفة اجتماعيا. غير أن مبارك تنكر لما كان سائدا قبله، فعمد إلى توريث ابنه حكم مصر، وامتنع عن تعيين نائب له طيلة ثلاثيين عاما. وعندما سئل عن السبب

وراء عدم تعيين نائب له، كان الرد الجاهز بأنه لا يجد من يصلح لتولي هذا المنصب. وهكذا، وبكل بساطة عقمت مصر في عهد مبارك أن تلد من يصلح نائبا للرئيس. ولا شك أن ذلك قد أدى إلى قتل الطموح السياسي لدى كل أفراد الطبقة السياسية الحاكمة ذاتها. وعندما ظهرت بعض الملصقات في شوارع القاهرة قبل الثورة، تطالب بعمر سليمان رئيسا بديلا عن جمال مبارك، تم تمزيق هذه الملصقات والتحقيق فيمن كان وراءها. كل ذلك رغم أن عمر سليمان هو أحد أركان النظام السياسي البائد. وإذا كان هذا قد حدث مع أركان ورموز النظام الحاكم ذاته، فإن الصورة تبدو قاتمة بالنسبة لرجال السياسة من الأحزاب والتيارات السياسية التي كانت خارج المنظومة الحاكمة. ولم يكتف مبارك بذلك، وإنما ساعد على توريث المناصب الأخرى في الدولة، وبحيث أصبح معروفا أن رجال مبارك الابن هم أبناء رجال مبارك الأب. كما سمعنا عن عائلات سياسية يتبوأ العديد من أفرادها مناصب سياسية حساسة. فوزير الإسكان السابق (أحمد المغربي) ابن خال وزير النقل الأسبق (محمد منصور). ووزير الاتصالات السابق (طارق كامل) هو شقيق (حسام كامل) رئيس جامعة القاهرة الحالي. وهناك أمثلة أخرى عديدة، فضلا عن علاقات المصاهرة والنسب بين أفراد النخبة الحاكمة، بحيث أصبحنا أمام نظام حكم عائلي بامتياز. بالإضافة إلى ما سبق، وكدليل آخر على الركود والجمود السياسي، وقتل كل فرص الارتقاء السياسي أمام المواطنين، نرى من المناسب أن نلقي الضوء على طول بقاء بعض الوزراء في حكومات مبارك. فإذا كان مبارك قد بقي في سدة الحكم ما يقرب من ثلاثين عاما، وكان مستعدا للبقاء في المنصب ما دام القلب ينبض على حد قوله، فإن العديد من وزراءه وأركان حكمه قد اقتربت مدة بقاءهم في المنصب الواحد ما يقترب من هذا الرقم. والأمثلة على ذلك عديدة، ويكفي أن نذكر هنا أسماء صفوت الشريف وكمال الشاذلي وفتحي سرور وآمال عثمان وزكريا عزمي وفاروق حسني ويوسف والي. ومع طول بقاء هؤلاء في مناصبهم، كان لسان حال الشعب يتساءل متعجبا عما إذا كانت مصر قد عقمت أن تلد بديلا عنهم. والغريب حقا أن بعض هؤلاء كانت تطالهم العديد
من الاتهامات وفضائح الفساد، ومع ذلك يظل قابعا في منصبه، على الرغم من تعالي الأصوات المطالبة بإقالته واستبداله. أليس في ذلك دليل آخر على الجمود والركود السياسي.

ولم تكتف هذه العائلات باحتكار المكانة السياسية المرموقة، وإنما بسطت نفوذها كذلك على الاقتصاد، بحيث احتكرت النشاط الاقتصادي ومارست النهب المنظم لثروات مصر. وهكذا، حدث التزاوج بين السلطة ورأس المال. والأمثلة على ذلك عديدة، ولا يتسع المجال لحصرها. وقد يكون الشخص النافذ سياسيا هو ذاته النافذ اقتصاديا، كما هو الحال بالنسبة لأحمد عز أمين التنظيم السابق بالحزب الوطني المنحل وإمبراطور الحديد. ومثال ذلك أيضا أحمد المغربي وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الأسبق ورجل الأعمال ورشيد محمد رشيد رجل الأعمال ووزير التجارة الأسبق. وقد يكون أحد الأشخاص نافذا سياسيا، بينما يكون أقاربه نافذين اقتصاديا. ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في حسني مبارك وأولاده وأصهاره. ومن أمثلة ذلك أيضا، نذكر حالة رجل الأعمال (ياسين منصور) شقيق وزير النقل الأسبق (محمد منصور) وابن خال وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الأسبق (أحمد المغربي). كما نذكر حالة وزير البترول الأسبق (سامح فهمي) وشقيقه (هادي فهمي). كذلك، تعددت حالات رجال الأعمال الأعضاء في مجلسي الشعب والشورى. وهكذا، احتكرت عائلات محدودة النفوذ السياسي والاقتصادي، تاركة المجتمع المصري يعاني من الفقر والحاجة والمرض والحرمان حتى من الحصول على مقعد في مجلس الشعب.

فإذا جئنا أخيرا إلى الانفتاح الاجتماعي، وإتاحة فرص الترقي الاجتماعي، نجد أن النظام البائد قد ساعد على التوريث في كل الوظائف الهامة في المجتمع. وهكذا، يكون ابن أستاذ الجامعة معيدا فيها. وتعد تجربة كلية طب القصر العيني أقدم وأكبر مثال على ذلك، ثم بدأت التجربة تغزو الكليات الأخرى بعد ذلك. كذلك، امتد التوريث إلى القضاء، بحيث تم قبول العديد من أبناء القضاة في سلك النيابة العامة، لمجرد أن الأب ينتمي إلى إحدى الهيئات القضائية، وعلى الرغم من حصولهم على تقدير مقبول في ليسانس الحقوق. ويعد السلك الدبلوماسي والقنصلي منطقة التوريث بامتياز، بحيث يندر أن تجد دبلوماسيا من خارج العائلات التي احتكرت التمثيل الدبلوماسي والقنصلي لمصرنا الحبيبة. ولعلنا نتذكر واقعة انتحار أحد الخريجين من فوق كوبري قصر النيل، عندما علم باستبعاده من اختبارات القبول في وزارة الخارجية، بحجة أنه «غير مقبول اجتماعيا». والحال نفسه ينطبق على المؤسسة الأمنية، بحيث أصبح ابن لواء الشرطة ضابطا، وهكذا. وبدلا من أن يبادر النظام السابق إلى الإصلاح والتغيير، إذا به يعمد إلى سد وغلق كل المنافذ والسبل أمام المواطنين. وللدلالة على ذلك، يكفي أن نذكر مشروع تعيين أوائل الخريجين الذي تبناه الدكتور محمد زكي أبو عامر وزير التنمية الإدارية الأسبق، والذي يقوم على التزام الدولة بتعيين العشرة الأوائل في كل كلية جامعية. فهذا المشروع، الذي كان بمثابة طاقة النور الوحيدة أمام الشاب المتفوق، تم وأده والقضاء عليه بمجرد وصول الدكتور أحمد درويش إلى كرسي الوزارة.

وهكذا، وصل المجتمع المصري في ظل نظام حكم مبارك إلى درجة مقيتة من الجمود والركود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وهكذا، كان من الطبيعي أن تصل الأمور إلى حد الانفجار، وأن تهب كل فئات الشعب رافضة ومطالبة بسقوط النظام.

 

الدكتور أحمد عبد الظاهر

 

أستاذ القانون الجنائي المساعد بجامعة القاهرة