رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الدستور هو الحل

بقلم الدكتور أحمد عبد الظاهر *

شهدت مصر يومي 23 و24 من شهر مايو الحالي أول انتخابات رئاسية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. وعلى الرغم من بعض الخروقات البسيطة لقواعد العملية الانتخابية، فإن الصورة النهائية للانتخابات كانت مبهرة وشهدت لها كافة العواصم الأجنبية وكبريات الصحف العالمية. ومن ثم، ينبغي توجيه الشكر إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة على حسن تنظيمه للعملية الانتقالية نحو الديمقراطية، والتأكيد على زيف الدعاوى التي روجها البعض قبل الانتخابات الرئاسية عن عزم المجلس تزوير هذه الانتخابات. والواقع أن الانتخابات الرئاسية المصرية قد حملت العديد من الدلالات والمؤشرات الإيجابية، لعل أهمها المشاركة الكثيفة في العملية الانتخابية، والتي بلغت نسبتها 51%. وثانيها، هو التنافس الشديد بين خمسة مرشحين، هم على الترتيب، وبحسب نتيجة التصويت لكل واحد منهم: الفريق أحمد شفيق (5 مليون و477 ألف صوت)، والدكتور محمد مرسي (5 مليون و441 ألف صوت)، والأستاذ حمدين صباحي (4 مليون و383 ألف صوت)، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (3 مليون و861 ألف صوت)، والدبلوماسي القدير عمرو موسى (2 مليون و473 ألف صوت). كذلك، يبدو بجلاء من نتيجة التصويت غلبة التيار المؤيد لمدنية الدولة. ولعل ذلك يبدو جليا من خلال حاصل جمع نسبة التصويت لكل من الفريق أحمد شفيق والأستاذ حمدين صباحي والأستاذ عمرو موسى، والتي تصل إلى 60% من إجمالي الأصوات الصحيحة. ويبدو ذلك جليا أيضا إذا ما وضعنا في الاعتبار قدرة «جماعة الإخوان المسلمون» على الحشد، بحيث يمكن الجزم بأن أتباع «حزب الكنبة» هم من غير المحسوبين على تيارات الإسلام السياسي. وغني عن البيان أن نسبة غير المشاركين في التصويت تبلغ حوالي 49% من إجمالي الناخبين.
 
        ولكن، ورغم الدلالات الإيجابية آنفة الذكر، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد حدث السيناريو الكارثي، متمثلا في صعود مرشح جماعة الإخوان المسلمون (الدكتور محمد مرسي) والمرشح المحسوب على النظام السابق (الفريق أحمد شفيق) إلى جولة الإعادة المقرر لها يومي 16 و17 يونيو القادم. ولا شك أن هذا السيناريو الكارثي قد خلق نوعا من الإحباط لدى قطاعات عريضة من الشعب. فقد وجد هؤلاء أنفسهم بين خيارين، أحلاهما مر، وهما: الاختيار بين مرشح مدني ولكنه محسوب على النظام السابق وبين مرشح إحدى جماعات الإسلام السياسي التي تسعى إلى الاستئثار بكل سلطات الدولة، وبحيث تتحكم في البرلمان والحكومة ومؤسسة الرئاسة. ولا يتبقى خارج سيطرتها في الوقت الحالي سوى السلطة القضائية التي تشهد هجوما شرسا من جانب البرلمان ومحاولات اختراق من جانب تيارات الإسلام
السياسي.
 
        وإزاء حالة الإحباط، راح البعض يدعو على شبكات التواصل الاجتماعي إلى توصيل رسالة إلى اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، راجيا إياها أن تسمح بالإعادة للثلاثة الأوائل، وذلك حتى يتمكن الأستاذ حمدين صباحي من خوض جولة الإعادة. وثمة اقتراح آخر غريب بأن يتنازل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن أصواته أو عن بعضها فقط للأستاذ حمدين صباحي. والحقيقة أن هذه الاقتراحات إنما تعبر عن حالة الإحباط التي تعانيها قطاعات عريضة من الشعب، دون أن يكون لها سند من القانون أو الشرعية. بيان ذلك أن الإعادة بين الثلاثة الأوائل لا تكون سوى في حالة تساوي مرشحين في المركز الثاني، بحيث يكون لكل واحد منهما ذات عدد الأصوات التي حصل عليها زميله المشارك له في المركز الثاني. وهذا الفرض نادر الحدوث، لم يسبق حدوثه بأي انتخابات على مستوى العالم. أما التنازل عن الأصوات، فهي فكرة كوميدية تعبر دون قصد عن استهانة بأصوات الناخبين. فالمرشح لا يمكنه التنازل عن الأصوات التي حصل عليها لأي مرشح آخر. فهذه الأصوات لا تعد ملكا له، حتى يستطيع أن يتنازل عنها لمرشح آخر.
 
        وقد حاول حزب الحرية والعدالة الاستفادة من حالة الإحباط، فتذكر فجأة أن ثمة قوى ثورية يمكن أن يستفيد منها لمصلحته الخاصة متمثلة في الفوز بمقعد الرئاسة، حتى إذا تحقق له ما يريد، أدار لها ظهره من جديد كما فعل في مرات كثيرة سابقة. فقد بادر القيادي «عصام العريان» بدعوة القوى الوطنية إلى إنقاذ الثورة وإلى إعادة اللحمة والوحدة الوطنية في مواجهة محاولات إعادة إنتاج النظام السابق، وذلك على حد قوله. وتناسي هؤلاء أن الإخوان المسلمون هم أول من تنكر للقوى الثورية، محاولين الاستئثار وحدهم بمكاسب الثورة، بحجة أن العبرة هي بصناديق الانتخاب. وكنت أقول دائما أنه إذا اتحد شخصان في مواجهة عدو مشترك، وتمكن هذين الشخصين مجتمعين من القضاء على هذا العدو، فلا يجوز لأحدهما بعد ذلك أن يستأثر بالغنيمة تحت حجة أنه الأقوى. «فالشراكة في مواجهة الأخطار، تقتضي شراكة في الغنيمة والآثار». ولا يجوز لأحدهما أن يفرض منطقه الخاص تحت حجة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. ومن عجائب
القدر أن الإخوان الذين طالما تغنوا بعد الانتخابات البرلمانية بصناديق الانتخاب، أول من يعتلي الآن منصة الدعوة إلى إنقاذ الثورة مما يمكن أن تؤول إليه في حالة فوز أحمد شفيق، وذلك على الرغم من أن هذا الفوز سيتحقق – في حال حدوثه – من خلال صناديق الاقتراع.
 
        وعلى كل حال، وبالنظر إلى حالة الشك والريبة وانعدام الثقة التي تحكم العلاقة بين القوى الثورية وجماعة الإخوان المسلمون، لا أعتقد أن عاقلا يمكنه أن يستجيب إلى دعوة الجماعة، وبدون الاتفاق على ميثاق يبدأ تنفيذه فورا ومباشرة، وقبل البدء فعلا في جولة الإعادة. وأولى الخطوات الضرورية في هذا الشأن هي الشروع فورا ومباشرة في تشكيل الجمعية التأسيسية، على نحو يرضي كافة فئات المجتمع وتياراته المختلفة، ويكفل تمثيلا عادلا لكافة أطيافه السياسية. فلا يكفي مجرد موافقة الجمعية التأسيسية من حيث المبدأ على مشروع قانون بشأن معايير تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور. بل أن الإقرار النهائي لهذا القانون غير كاف، وإنما نريد تشكيلا حالا وفوريا لهذه الجمعية، يتم الاتفاق عليه بواسطة كل التيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الرئيسية في الدولة. وثاني الخطوات الكفيلة بالخروج من المأزق الذي يتحمل الإخوان الوزر الأكبر في تحققه هي الاتفاق على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة بمجرد إقرار الدستور الجديد، وبحيث يتم النص على ذلك ضمن الأحكام الانتقالية التي يرد النص عليها في هذا الدستور. ونرى من المناسب أيضا أن يتم تضمين الدستور الجديد خريطة طريق لهذه الانتخابات ومواعيد محددة لتوقيت إجرائها، وبحيث يتم البدء بالانتخابات البرلمانية ثم الانتخابات الرئاسية. ويدعم هذا الاقتراح أن العديد من قطاعات المجتمع المصري وتياراته السياسية المختلفة – بما فيها حزب الحرية والعدالة – متفقة على ضرورة إلغاء مجلس الشورى وإلغاء نسبة ال50% عمال وفلاحين. فإذا ما قرر الدستور الجديد إلغاء مجلس الشورى، لم يعد ثمة مبرر لبقاء المجلس الذي تم انتخابه بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، لاسيما وأن نسبة الإقبال على انتخابات هذا المجلس كانت متدنية للغاية. كذلك، وإذا ما قرر الدستور الجديد إلغاء نسبة ال 50% عمال وفلاحين، لم يعد ثمة ما يستدعي الإبقاء على مجلس الشعب الحالي، والذي تم انتخابه على أساس هذه النسبة. وأخيرا، لعل حكم المحكمة الدستورية العليا المنتظر صدوره بعدم دستورية نظام الانتخابات التي جرت على أساسه الانتخابات البرلمانية الأخيرة يدعم الرأي الذي نقول به.
 

        الحل إذن موجود، والحوادث والوقائع المتتابعة تؤكد بجلاء صدق وجهة النظر التي دعت إلى ضرورة إعداد الدستور أولا، وأن التصويت بنعم في الاستفتاء الحاصل يوم 19 مارس 2011 لم يكن واجبا شرعيا كما ادعى البعض. كذلك، حدوث الأزمة قد يكون خارجا عن إرادة المرء، ولكن حسن إدارة الأزمة أمر ما زال في الإمكان، بشرط أن تصدق النوايا وأن نبتعد عن الجدل البيزنطي. كل ما أرجوه من حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمون أن يتسع صدرهم هذه المرة للرأي الآخر، وأن يعترفوا بأخطائهم، وألا يكون جل همهم هو الدخول في جدل بيزنطي، لا يغني ولا يسمن من جوع. ولن يلدغ المؤمن من حجر مرتين.

*أستاذ القانون الجنائي المساعد بجامعة القاهرة