رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قراءة في أسماء الدول

د.أحمد عبدالظاهر

الجمعة, 23 ديسمبر 2011 14:25
بقلم الدكتور أحمد عبد الظاهر

عندما فكرت في كتابة هذا المقال منذ عدة أشهر، كنت أعتقد أن ذلك يشكل نوعا من الترف الفكري الذي نحتاج إليه حاليا. ففي ظل حالة القرف والاستياء من الأوضاع السياسية التي تمر بها مصر الثورة وألاعيب الساسة، وتناحرهم للفوز بمقاعد البرلمان بأي شكل وبكل شكل، وفي ظل حركة الاحتجاجات والاعتصام الذي لا ينقطع، يحتاج القارئ إلى الابتعاد ولو قليلاً عن هموم السياسة.

ولم يمنعني من الكتابة عن هذا الموضوع في حينه سوى الحرص على عدم جذب الانتباه إلى التفكير في الاسم الرسمي لمصرنا الحبيبة، بحيث يبادر البعض إلى اقتراح إجراء تغيير على هذا الاسم، الأمر الذي يمكن أن يكون مثارا للخلاف بين القوى السياسية المختلفة، فأكون بالتالي كمن يسكب الزيت على النار.

ومع ذلك، فقد حدث ما تخوفت منه. إذ نادى البعض فعلا بتغيير اسم مصر، وذلك بإضافة وصف «الإسلامية» إليها. كذلك، ومن ناحية أخرى، شهدنا مؤخرا حالة واقعية لتغيير اسم إحدى الدول القريبة منا جغرافيا وتاريخيا ولغة ومصيرا، ونعني بذلك الجارة الشقيقة ليبيا. فقد قام الثوار بتغيير اسمها مؤقتا إلى «ليبيا الحرة»، مؤكدين أن هذا الاسم مؤقت، وأن الاسم الدائم ينبغي أن يكون بواسطة السلطات الدستورية المنتخبة. وهكذا، وبعد أن كانت ليبيا العزيزة علينا جميعا تتمتع بأطول اسم رسمي بين دول العالم، وهو «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي»، صار اسمها المؤقت هو «ليبيا الحرة»، وذلك توطئة لاختيار اسم رسمي جديد لها بواسطة سلطاتها الدستورية المنتخبة بإذن الله.

والواقع أن الأسماء الرسمية للدول على قدر كبير من الأهمية، بحيث تحرص كل دولة على أن يتم استخدام الاسم الرسمي لها في المحافل الرسمية والدولية. وللتدليل على ذلك، يكفي أن نشير إلى واقعة طريفة حدثت في الأمم المتحدة. فخلال الاجتماعات الدورية، تحدث مندوب اليابان عن المخاطر النووية في شرق آسيا، متهما صراحة «كوريا الشمالية». ويبدو أن الاتهامات اليابانية لم تكن السبب الوحيد لغضب المندوب الكوري الشمالي، وإنما كان هناك سبب آخر، وهو عدم نطق اسم دولته كاملا، وهو «جمهورية كوريا الشمالية الديمقراطية»، من قبل المندوب الياباني. ولذلك، وحين أتى دوره للحديث، تعمد رد الإهانة، وأشار إلى «اليابان» مستخدما تعبير (The Japs)، وهو اختصار مشين أطلقه الأمريكان على اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية. وعلى إثر ذلك، اعترض المندوب الياباني، ورفع شكوى عاجلة لرئيس المجلس الذي وبخ المندوب الكوري الشمالي وحذر مندوب اليابان، فخرج كلاهما من الجلسة، وانفضت الجلسة. من ناحية أخرى، لعلنا نتذكر جميعا استخدام وسائل الإعلام الرسمية المصرية في حقبة الثمانينات تسمية «ساحل العاج»، للدلالة على تلك الدولة الأفريقية الواقعة في جنوب غرب أفريقيا. ولكن، وعلى إثر احتجاج رسمي من سلطات هذه الدولة، بدأت تختفي تلك التسمية تدريجيا، وبحيث حل محلها مسمى «كوت ديفوار». وتجدر الإشارة هنا إلى أن «ساحل العاج» هي الترجمـة العـربية لاسـم هذه الدولة الإفريقية، وهـو (Côte d'Ivoire)، واسمها الرسمي هو (La République du Côte d'Ivoire). وقد يثير الاسم الرسمي لدولة ما مشكلة دبلوماسية وسياسية مع إحدى الدول الأخرى. ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في اعتراض دولة اليونان على الاسم الرسمي لدولة مقدونيا. ويرجع سبب الاعتراض إلى أنها تحمل نفس اسم إحدى المدن اليونانية الواقعة في شمالها، أي على الحدود مع الجمهورية الوليدة. وقد تسبب هذا الاعتراض في تأخير انضمام الجمهورية اليوغوسلافية السابقة إلى الاتحاد الأوربي وإلى حلف الأطلسي. وبسبب هذا الخلاف، تم قبول جمهورية مقدونيا في الأمم المتحدة تحت اسم «فيروم» (Fayrom)، وهو اختصار لعبارة «جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة».

ومن النادر أن يتم إفراد مادة في الدساتير لبيان وتحديد الاسم الرسمي للدولة. ولكن، يحرص المشرع الدستوري على استخدام هذا الاسم في العديد من نصوص الدستور. فعلى سبيل المثال، ووفقا للمادة الأولى من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس سنة 2011م، «جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة...». وطبقا للمادة الخامسة من ذات الإعلان، «يقوم الاقتصاد في جمهورية مصر العربية على تنمية النشاط الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وكفالة الأشكال المختلفة للملكية

والحفاظ على حقوق العمال». وقد اقتبس الإعلان الدستوري هاتين المادتين حرفيا من الدستور المصري لسنة 1971م، حيث تضمن هذا الدستور ذات الحكمين، وذلك في المادتين الأولى والرابعة منه. كذلك، كانت المادة الخامسة من هذا الدستور تنص على أن «يقوم النظام السياسي في جمهورية مصر العربية على أساس تعدد الأحزاب وذلك في إطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص عليها في الدستور». وهكذا، حرص المشرع الدستوري المصري – سواء في الدستور المصري لسنة 1971م أو في الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس سنة 2011م – على ذكر الاسم الرسمي للدولة، كلما اقتضى الأمر الإشارة إليه. ومن مجموع هذه النصوص، يبدو جليا أن الاسم الرسمي لمصرنا الحبيبة هو «جمهورية مصر العربية»، ويتم ترجمتها إلى اللغة الانجليزية على النحو التالي: (Arab Republic of Egypt). أما باللغة الفرنسية، فيتم ترجمتها كما يلي: (La République Arabe d'Egypte).

وبالتمعن في الأسماء الرسمية للدول، نجد أن هذا الاسم عادة ما يعبر عن نظام الحكم فيها، وما إذا جمهوريا أو ملكيا. ففي النظم الجمهورية، عادة ما يظهر لفظ «جمهورية» (Republic) في الاسم الرسمي للدولة. وقد يتم استخدام لفظ «جمهورية» متبوعا باسم الدولة، كما هو الشأن بالنسبة لجمهورية العراق وجمهورية جيبوتي وجمهورية السودان وجمهورية تركيا. وقد يتم استخدام الاسم في صيغة النعت، كما هو الحال بالنسبة للجمهورية التونسـية والجمهورية اليمنية والجمهورية اللبنانية والجمهورية الفرنسـية والجمهورية البرتغالية والجمهورية الإيطالية والجمهورية التشيكية والجمهورية اليونانية والجمهورية التوجولية والجمهورية الجابونية والجمهورية الأرجنتينية، والجمهورية القرغيزية والجمهورية السلوفاكية.

وفي النظم الملكية، عادة ما يظهر لفظ «مملكة» (Kingdom) في المسمى الرسمي للدولة، كما هو الشأن بالنسبة لمملكة البحرين ومملكة اسبانيا ومملكة بلجيكا ومملكة تايلاند ومملكة السويد. وقد يتم ذكر اسم المملكة في صيغة النعت، كما هو الحال بالنسبة للمملكة المغربية. وقريب من ذلك، أن بعض الدول تستخدم مصطلح «إمارة» في اسمها الرسمي، كما هو الحال بالنسبة لإمارة أندورا وإمارة ليختنشتاين وإمارة موناكو. وقد يتم استخدام لفظ «دوقية»، كما هو الحال بالنسبة إلى «دوقية لوكسمبورج الكبرى». وقد تستخدم بعض الدول لفظ «السلطنة»، كما هو الحال بالنسبة إلى «سلطنة عمان».

وقد يتم الاكتفاء باسم الدولة مسبوقا بلفظ «جمهورية» أو لفظ «مملكة»، كما هو الحال في الأمثلة السابقة. ولكن، وفي حالات أخرى، قد تعمد الدولة إلى إضافة ما يدل على هويتها في المسمى الرسمي لها. فعلى سبيل المثال، تحرص العديد من الدول العربية على ذكر نعت «العربية» ضمن اسمها الرسمي، كما هو الحال بالنسبة إلى «جمهورية مصر العربية» «الجمهورية العربية السورية». وتعمد بعض الدول الإسلامية إلى ذكر وصف «الإسلامية» ضمن اسمها الرسمي. ومن الأمثلة على ذلك، نذكر جمهورية موريتانيا الإسلامية وجمهورية أفغانستان الإسلامية وجمهورية باكستان الإسلامية وجمهورية إيران الإسلامية.

وقد تعمد بعض الدول إلى ذكر لفظ «دولة» في اسمها الرسمي. وللتدليل على ذلك، نذكر في محيطنا العربي دولة الكويت ودولة قطر. ومن الأمثلة على ذلك، نذكر الكيان الصهيوني، والمسمى «دولة إسرائيل» و«دولة إريتريا». وقد تضيف بعض الدول لفظ مستقلة، كما هو الشأن بالنسبة لدولة بابوا غينيا الجديدة المستقلة ودولة ساموا المستقلة.

وقد تعمد بعض الدول إلى ذكر اسمها الرسمي مجردا، دون أن يكون مسبوقا بأي لفظ آخر. فلا يوجد ضمن اسمها الرسمي ما يمكن أن يدل على نظام الحكم فيها أو على هويتها، وإنما تكتفي بذكر اسمها فقط. ومن أمثلة ذلك، نذكر اليابان وماليزيا وكندا وأوكرانيا وأيرلندا وجورجيا ورومانيا وبوركينا فاسو، وجامايكا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وتركمانستان وجرينادا ومنغوليا ونيبال ونيوزلندا

وأنتيجوا وباربودا وباربادوس وبروناي دار السلام وبليز وسانت فينسنت وجزر جرينادين وسانت لوسيا وتوفالو وجزر سليمان. وفي عالمنا العربي، نذكر الاسم الرسمي لدولة الصومال، وهو لفظ «الصومال» مجردا (Somalia).

وتحرص الدول الاتحادية على بيان ما يدل على شكل الدولة في اسمها الرسمي. ومن الأمثلة على ذلك، نذكر التجربة الوحدوية الناجحة الوحيدة في عالمنا العربي، وهي «الإمارات العربية المتحدة». كذلك، نشير إلى الاسم الرسمي لبعض الدول الاتحادية الأخرى، مثل جمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية البرازيل الاتحادية وجمهورية نيجيريا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية والولايات المكسيكية المتحدة والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية وجمهورية تنزانيا المتحدة وولايات ميكرونيزيا الموحدة والاتحاد الروسي والاتحاد السويسري واتحاد جزر القمر واتحاد بورما أو ميانمار واتحاد سانت كيتس ونيفيس.

وتحرص الدول الاشتراكية على تضمين اسمها الرسمي وصف «الشعبية» أو أي وصف آخر دال على النهج الاشتراكي. ومن أمثلة ذلك، نذكر «الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية» والاسم القديم لليبيا في حقبة القذافي، وهو «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي». كذلك، وعلى المستوى العالمي، نذكر «جمهورية الصين الشعبية» وجمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية وجمهورية سريلانكا الاشتراكية الديمقراطية وجمهورية بنجلاديش الشعبية وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وجمهورية فيتنام الاشتراكية. كذلك، نرى من المناسب هنا أن نذكر الاسم الرسمي لجمهورية جيانا التعاونية.

وتحرص بعض الدول الاشتراكية على ذكر نعت «الديمقراطية» ضمن اسمها الرسمي. وتقع هذه الدول في قارتي أفريقيا وآسيا. ومن أمثلة ذلك، وفي قارة أفريقيا، نذكر جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية ساوتومي وبرنسيب الديمقراطية. وفي قارة آسيا، نذكر الاسم الرسمي لجمهورية سريلانكا الاشتراكية الديمقراطية والاسم الرسمي لجمهورية تيمور – ليشتي الديمقراطية وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وجمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية.

وتحرص بعض دول الكومنولث على ذكر انتماءها إلى الكومنولث في اسمها الرسمي. وللتدليل على ذلك يكفي أن نذكر هنا الاسم الرسمي لجزر البهاما، وهو كومنولث البهاما وكومنولث دومينيكا واستراليا.

وتجدر الإشارة أخيرا إلى وجود علاقة بين أسماء بعض الدول وبين بعض الشخصيات التاريخية، بحيث يشير اسمها إلى اسم شخصية تاريخية معينة لعبت دورا ما في نشأة هذه الدولة أو لعبت دورا مؤثرا في تاريخها. ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في المملكة العربية السعودية، حيث تشير كلمة «السعودية» إلى الإمام «سعود بن محمد بن مقرن» حاكم الدرعية والمؤسس الأول للأسرة السعودية الحاكمة. والسعودية ليست هي المثال الوحيد في هذا الشأن، وإنما يمكن أن نذكر أسماء بعض الدول الأخرى مثل بوليفيا والفلبين وأمريكا وكولومبيا والصين، والتي تنسب بدورها إلى شخصيات تاريخية عظيمة. بيان ذلك أن بوليفيا تنسب إلى المناضل الفنزويلي المعروف «سيمون بوليفار» (1783- 1830). وذات الحال ينطبق على الاسم الرسمي لفنزويلا، وهو «جمهورية فنزويلا البوليفارية». ودولة كولومبيا تنتسب بدورها إلى المستكشف الإيطالي الشهير «كريستوفر كولومبس» (1451 - 1506). واسم دولة الفلبين مأخوذ من اسم ملك اسبانيا «فيليب الثاني» (1527- 1598). بل أن القارة الأمريكية تنتسب في اسمها إلى المستكشف الإيطالي «أمريكو فيزبوتشي» (1451- 1512). وهكذا، فإن اسم الدولة الأقوى في العالم حاليا، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، يشير بدوره إلى اسم هذا المستكشف الإيطالي. ويؤكد بعض المؤرخين أن التنين الصيني يتنسب إلى الإمبراطور «تشن يو»، والذي يعد أول من وحد المقاطعات الصينية قبل أربعة آلاف عام، جامعا إياها في إمبراطورية واحدة عاصمتها «بكين». ويمكن أن نذكر هنا أيضا «المملكة الأردنية الهاشمية»، والتي قصد في اسمها التأكيد على نسب الأسرة المالكة فيها، وأنها تنتسب إلى بني هاشم، أجداد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. وباستثناء الصين، لعل القارئ العزيز يلاحظ أن معظم الدول المنتسبة إلى شخصيات حقيقية هي دول حديثة نسبيا. ومن ثم، يغدو من الطبيعي افتراض أن أسماء بعض الدول القديمة تعود بدورها إلى شخصيات حقيقية نسيت عبر الزمن. فعلى حد علمي، لا أحد يعرف الأصل الحقيقي لأسماء بعض الدول، مثل كوريا وكمبوديا ومنغوليا وأفغانستان. وفي المقابل، ثمة دول ومقاطعات يمكن ربطها بسهولة بأسماء أشخاص معروفين، كما هو الشأن بالنسبة للإمارة البريطانية «ويلز» ومدينة «واشنطن» والدولة السوفيتية السابقة «جورجيا» وجزر سليمان وجزر «كوك» وجمهورية جزر «مارشال» وجزر «فوكلاند» ودولة سانت لوسيا ودولة سانت فانسنت.   

وفي الختام، فإن ما يبعث على التفاؤل أن أحدا لن يجرؤ على المطالبة بتغيير اسم «مصر» نفسها، وذلك بالنظر لورود اسمها في القرآن الكريم في أكثر من آية قرآنية، نذكر منها قوله تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام ﴿أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ (سورة يوسف: الآية 99). وقد قصدت من وراء هذه الآية تحديدا الإشارة إلى سبب آخر يدعونا للتفاؤل في ظل الظروف الحالية التي تمر بها مصرنا الحبيبة، وهو أن الله عز وجل قد أكد في قرآنه العزيز حفظ أرض الكنانة وأن تبقى دائما بلد الأمن والأمان التي يكون آمنا فيها كل من يقيم على أرضها أو يأتي إليها للسياحة أو الزيارة أو لأي سبب مشروع آخر. ألا يدعونا ذلك إلى التفاؤل !!! ألا يدعو ذلك المفسدون في الأرض إلى الكف عن ظلمهم وعدوانهم وأن يتوقفوا عن الإساءة إلى مصر !!! أتمنى ذلك.

---------

أستاذ القانون الجنائي المساعد بجامعة القاهرة