رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

انتخابات غير شرعية

د.أحمد عبدالظاهر

السبت, 26 نوفمبر 2011 17:24
بقلم الدكتور أحمد عبد الظاهر

في الرابع من شهر أكتوبر سنة 2011م، انطلقت رسميا الإجراءات الخاصة بأول انتخابات برلمانية مصرية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. ففي هذا اليوم، صدر قرار اللجنة العليا

للانتخابات رقم 11 لسنة 2011 بإجراءات الترشيح لعضوية مجلسي الشعب والشورى والمستندات المطلوب تقديمها. وطبقا للمادة الأولى من هذا القرار، «يفتح باب تقديم طلبات الترشيح لعضوية مجلسي الشعب والشورى لمدة سبعة أيام اعتبارا من يوم الأربعاء الموافق 12 أكتوبر 2011 وحتى يوم الثلاثاء الموافق 18 أكتوبر 2011 ويبدأ تقديم الطلبات يوميا من الساعة السابعة صباحا وينتهي الساعة الثانية مساء عدا اليوم الأخير فقط فيمتد العمل حتى الساعة الخامسة مساء».

وبالفعل، ستجري المرحلة الأولى من الانتخابات يوم الاثنين الموافق الثامن والعشرين من نوفمبر الجاري. ومن عجائب القدر أن يصادف هذا اليوم ذكرى مرور سنة بالتمام والكمال على اليوم الذي تمت فيه الجولة الأولى من آخر انتخابات شهدتها مصر في عهد الرئيس المخلوع «حسني مبارك»، والتي يمكن وصفها – بحق – أنها أسوأ انتخابات شهدتها مصر، وانتهت بفوز كاسح للحزب الوطني المنحل.

ورغم التغيير الكبير في مصر الثورة، ورغم أن الشعب المصري نجح – ولأول مرة في تاريخه – في إسقاط رأس النظام، فإن كثيرا من الشكوك والتساؤلات تثور حول أول انتخابات تشهدها مصر الثورة، لدرجة أن البعض قد ذهب إلى وصف هذه الانتخابات بأنها غير سليمة. ففي مقاله المنشور بجريدة الأهرام، يوم 12 نوفمبر سنة 2011م، أكد الشاعر والكاتب «عبد الرحمن يوسف» أن هذه الانتخابات غير سليمة. ففي هذا المقال، يؤكد الشاعر الكبير أن الرئيس المخلوع لم يزور انتخابات, لأنه لم يجر انتخابات أصلا, والانتخابات المزورة سنجريها للأسف نحن! وللتدليل على ذلك، يقول الشاعر والكاتب الكبير: لقد عرفنا أخيرا شكلا محددا للجداول الانتخابية, ولكن الجداول فيها العديد من المشاكل وتحتاج مراجعة, وكذلك وضعنا نظاما انتخابيا واضحا, ولكن عليه العديد من التحفظات والطعون, ووكلنا القضاء في الإشراف علي الانتخابات, ولكن عملية الإشراف تلك تحتاج إلي العديد والعديد من الضوابط لكي تؤدي غرضها, وستراقب الانتخابات محليا, ولكنها مراقبة ناقصة لأنها غير معضدة برقابة دولية, ولأن الرقابة المحلية يتوقع لها ألا تتم بالشكل النموذجي الكامل. أما الرقابة الدولية، فهي تدخل في الشؤون الداخلية, أو انتهاك للسيادة, حسبما يري السادة الممسكون بدفة القيادة. كل ذلك في كفة, والانفلات الأمني في كفة. وفي ضوء ما سبق، وللأسباب آنفة الذكر، يخلص الكاتب والشاعر المذكور إلى أن هناك شكوكا كبيرة حول مدي شرعية هذه الانتخابات وسلامة إجراءاتها.

والواقع أن الانتخابات القادمة غير شرعية، ويكتنفها الكثير من الشكوك حول شرعيتها. بيان ذلك أن المنافسة – أي منافسة – لابد وأن تجري وفقا لقواعد محددة سلفا قبل البدء في العملية التنافسية. ويصدق ذلك على مسابقات كرة القدم، كما يصدق على الانتخابات!!! ومع ذلك، وبالتطبيق على أول انتخابات برلمانية مصرية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، نجد أننا قد ذهبنا إلى الانتخابات دون تحديد واضح ومحدد للقواعد التي تجري على أساسها هذه الانتخابات. وللتدليل على ذلك، يكفي أن نشير أولا إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أصدر مؤخرا مرسوم بقانون بشأن نظام الانتخابات. وكان المرسوم ينص على أن تجري الانتخابات بالنظام المختلط، بحيث يخصص نصف عدد المقاعد لنظام الانتخاب بالقائمة النسبية، بينما يجري الانتخاب بالنظام الفردي بالنسبة للنصف الآخر من المقاعد. ولكن، وتحت تأثير الاعتراضات الصادرة عن الأحزاب السياسية، تم تعديل النسبة للمخصصة للانتخاب بنظام القائمة النسبية، بحيث غدت ثلثي عدد المقاعد، بينما لا يخصص سوى الثلث بالنسبة للانتخاب بالنظام الفردي. وكانت المادة الخامسة من المرسوم

تنص على حرمان الأحزاب من حق الترشح على المقاعد المخصصة للنظام الفردي. ولكن، وتحت تأثير الاعتراضات الحزبية، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المرسوم بقانون رقم 123 لسنة 2011م بإلغاء المادة الخامسة من قانون الانتخابات، الأمر الذي يعني السماح لأعضاء الأحزاب بالترشح على الثلث المخصص للانتخاب بالنظام الفردي. وبناء على ذلك، غدا مسموحا للأحزاب بالتنافس على المقاعد المخصصة للقوائم النسبية والترشح كذلك على مقاعد المستقلين، بينما لا يكون مسموحا للمستقلين بالتنافس على المقاعد المخصصة للقوائم. وقد حدث كل ذلك في أواخر شهر سبتمبر 2011م، وبالتحديد يومي 25 و26 سبتمبر سنة 2011م، أي قبل فتح باب الترشيح بأيام معدودة. وقد ترتب على ذلك أن أصبحت الأحزاب في حيرة شديدة وحالة ارتباك واضح في إعداد قوائمها للانتخابات. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن يتم مد فترة الترشيح للانتخابات. حيث صدر قرار اللجنة العليا للانتخابات رقم 19 لسنة 2011م بتعديل ميعاد قفل باب الترشيح لعضوية مجلسي الشعب والشورى، والذي نصت المادة الأولى منه على «مد فترة قبول الترشيح لعضوية مجلسي الشعب والشورى حتى يوم السبت الموافق 22/10/2011». ورغم أن مد فترة قبول الترشيح يعتبر أمرا إيجابيا في ذاته، إلا أنه يدل في ذات الوقت على حالة التخبط والتسرع التي لم يكن لها مبرر لو أننا عملنا على إعداد الدستور أولا، والاستقرار على القواعد والأحكام المنظمة للعملية الانتخابية قبل أن نشرع في إجراء هذه العملية فعلا.

من ناحية أخرى، يلاحظ أن الانتخابات ستجري لكل من مجلس الشعب ومجلس الشورى في يوم واحد. وستجري الانتخابات بنظامي القائمة والفردي في آن معا. ولا جدال إذن في أن يجد الناخب العادي صعوبة كبيرة في الإدلاء بصوته على نحو صحيح، وأن تتوافر لاختياره الوعي والإدراك الكاملين بما يسمح له بالاختيار على نحو سليم. وإزاء هذه الإشكالية، وما يمكن أن تسفر عنه من صعوبة انتهاء الناخب من الإدلاء بصوته في وقت قصير، كان من الطبيعي أن يقرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة تعديل مواعيد إجراء الانتخابات البرلمانية بمراحلها الثلاث، بحيث تجري انتخابات المرحلة الأولى يومي الاثنين والثلاثاء 28 و29 نوفمبر 2011م وتكون الإعادة يومي الاثنين والثلاثاء 5 و6 ديسمبر 2011م. وتجري المرحلة الثانية يومي الأربعاء والخميس 14 و15 ديسمبر على أن تكون الإعادة يومي الأربعاء والخميس 21 و22 ديسمبر. أما المرحلة الثالثة، فتجري يومي الثلاثاء والأربعاء 3 و4 يناير 2012 والإعادة يومي الثلاثاء والأربعاء 10 و11 يناير 2012م. وكالعادة صدر هذا القرار متأخرا، حيث يرجع تاريخ صدوره إلى يوم الجمعة الموافق 25 نوفمبر 2011م، أي قبل يومين فقط من الموعد المحدد للاقتراع.

ومن ناحية ثالثة، ورغم المطالبة – منذ فترة طويلة – بالسماح للمصريين المغتربين بالتصويت في الانتخابات، فإن القرار قد تأخر إلى ما بعد البدء فعلا في إجراءات العملية الانتخابية. ولم يبدأ التحرك الفعلي في هذا الشأن إلا بعد صدور حكم محكمة القضاء الإداري القاضي بالسماح للمصريين في الخارج بالتصويت وعمل لجان انتخابية في السفارات. وتنفيذا لهذا الحكم، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المرسوم بقانون رقم 130 لسنة 2011 بشأن تصويت المصريين المقيمين بالخارج

في الانتخابات العامة والاستفتاء. ولم يصدر هذا المرسوم بقانون سوى في الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة 1432هـ الموافق التاسع عشر من نوفمبر سنة 2011م، أي بعد قفل باب الترشيح بفترة زمنية غير قصيرة، وقبل أيام قليلة من بدء عملية الاقتراع فعلا. وقد صدر هذا المرسوم بقانون بعد حالة من الارتباك الحكومي بشأن آلية وكيفية السماح للمصريين المغتربين بالتصويت، وما إذا كان ذلك يتم بإشراف قضائي أم بدون مثل هذا الإشراف، أو بمنح القناصل ورجال السلك الدبلوماسي والقنصلي صفة الضبطية القضائية كما صرح بذلك وزير العدل في حكومة عصام شرف. ومرة أخرى، يحق لنا أن نتساءل: ألم يكن من الأجدى البدء بإعداد الدستور وتحديد القواعد الحاكمة للعملية الانتخابية بشكل واضح ودقيق قبل البدء فعلا في إجراءات العملية الانتخابية؟!!!

ومن ناحية رابعة، ثار الحديث كثيرا حول منع أعضاء الحزب الوطني المنحل أو الفلول من الترشح للانتخابات. وتحدث البعض كثيرا حول مدى ملائمة تطبيق قانون الغدر على من أفسدوا الحياة السياسية على حد وصفهم. وفي العاشر من نوفمبر سنة 2011م، وبعد البدء فعلا في إجراءات العملية الانتخابية، صدر حكم محكمة القضاء الإداري بالمنصورة «بوقف تنفيذ قرار جهة الإدارة السلبي بالامتناع عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي الساقط من الترشح لعضوية مجلسي الشعب والشورى، وما يترتب على ذلك من آثار أخصها وقف تنفيذ قرار اللجنة العامة للانتخابات بمحافظة الدقهلية بقبول أوراق ترشيح من يثبت أنه كان من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي الساقط، وألزمت جهة الإدارة مصروفات طلب وقف التنفيذ، وأمرت بإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لتحضيرها وإعداد تقرير بالرأي القانوني في طلب الإلغاء». وعلى إثر صدور هذا الحكم، بادر العديد من المرشحين برفع دعاوى قضائية لمنع الفلول المرشحين في دوائرهم من الترشح. ولكن، ذهبت جهودهم سدى، حيث قضت المحكمة الإدارية العليا بإلغاء حكم محكمة القضاء الإداري بالمنصورة، مؤكدة أن القانون قد حدد أسباب المنع من الترشح، ولا يوجد من بين هذه الأسباب الحالة التي نحن بصددها. كما أكدت المحكمة الإدارية العليا أنه لا يمكن تقرير مثل هذا الحرمان، استنادا إلى الحكم القاضي بحل الحزب الوطني الديمقراطي.  وكالعادة، لم يتم حسم هذا الأمر سوى في وقت متأخر جدا. ففي الحادي والعشرين من نوفمبر سنة 2011م، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المرسوم بقانون رقم 131 لسنة 2011م والذي تضمن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 344 لسنة 1952 والمعدل بالمرسوم رقم 173 لسنة 1953م، والمعروف باسم قانون الغدر. وتضمنت التعديلات تغيير تسمية القانون، بحيث يصبح إفساد الحياة السياسية، بدلا من تسمية قانون الغدر. وحدد القانون جريمة الإفساد بكل عمل من شأنه إفساد الحكم أو الحياة السياسية بطريق الإضرار بمصلحة البلاد أو التهاون فيها. ونصت التعديلات على مجموعة من العقوبات، يجوز للقاضي أن يختار إحداها أو بعضها، ومنها العزل من الوظائف العامة القيادية وإسقاط عضوية المدان في مجلسي الشعب والشورى والمجالس الشعبية والمحلية والحرمان من حق الانتخاب والترشح لهذه المجالس لمدة أقصاها خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم. وأغلب الظن ألا تصدر أحكام قضائية استنادا إلى هذا القانون إلا بعد إجراء الانتخابات البرلمانية فعلا. ومن ثم، يغدو من الطبيعي أن نتساءل مجددا عن جدوى إجراء الانتخابات قبل الاستقرار بشكل واضح وجلي على من يجوز له الترشح ومن لا يجوز له ذلك، بدلا من إجرائها ثم الاضطرار بعد ذلك إلى إجراء انتخابات جديدة عند صدور الحكم القضائي بإسقاط عضوية بعض من أفسدوا الحياة السياسية على حد تعبير المرسوم بقانون المشار إليه ؟!!!

وفي الختام، نود التأكيد على أن العملية الانتخابية تفترض وجود ثلاثة أركان، هي: الناخب والمرشح والنظام الانتخابي. وهذه الأركان الثلاثة ينبغي أن تكون واضحة ومحددة قبل البدء فعلا في إجراءات العملية الانتخابية. وبالنظر إلى العملية الانتخابية الحالية، نجد أن ثمة ضبابية حول تحديد المرشحين والناخبين والنظام الانتخابي. ففيما يتعلق بالمرشحين، لم يتم حسم موضوع منع الفلول من الترشح حتى الآن، وذلك على الرغم من صدور المرسوم بقانون في شأن إفساد الحياة السياسية. وفيما يتعلق بالناخبين، لم يتم حسم موضوع السماح للمصريين المغتربين بالترشح سوى في وقت متأخر، بحيث تعذر على غالبيتهم ممارسة حقهم فعلا وعملا. وفيما يتعلق بالنظام الانتخابي، لم يتم حسمه سوى قبل أيام قليلة من فتح باب الترشح. ولكل ما سبق، يغدو سائغا وصف الانتخابات البرلمانية الحالية بأنها انتخابات غير شرعية، تمت على عجل، وبدون تنظيم قانوني واضح ومحدد.        

---------------
     
أستاذ القانون الجنائي المساعد بجامعة القاهرة